بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الخطبة:
الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد فيا عباد الله:
فقد ذكَّرني بعض الحضور بأني تكلَّمت قبل عيد الأضحى المبارك عن بعض الواجبات على الزوج نحو زوجته من وجوب المهر ووجوب تأمين السكن الشرعي لها, وعن وجوب رعاية الزوجة وذلك من أجل سلامتها يوم القيامة, لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}. ولقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). وعدَّ منها: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ومن هذا الرعاية لها من أجل سلامة آخرتها أن يأمرها بالحجاب الذي أمر الله عز وجل به النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر به نساءه وبناته ونساء المؤمنين, فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}.
وقلت: بأن مسألة أمرِ الرجال لنسائهم بالحجاب فرضٌ عليهم وواجبٌ شرعي سيسألون عنه يوم القيامة, وجعلت مقدمة لهذا الموضوع خطبة كاملة عن رعاية الإسلام لمجتمعنا حتى يبقى طاهراً من الرذيلة, وسليماً من انتشار الفاحشة.
نساؤنا لمن تقلِّد؟
أيها الإخوة المؤمنون: جاء الأمر من الله تعالى صريحاً بنص القرآن بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}.
العجيب من البعض عندما يقول صراحة على أجهزة الإعلام: هذا الأمر خاصٌّ بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وليس عاماً لنساء المؤمنين. وأنا أقول: لو سَلَّمْنا جدلاً لصاحب هذا القول مقولته: نساؤنا وبناتنا ومحارمنا على قدم من يَسِرْنَ؟ أليس من اللائق بِهِنَّ والشرف لهنَّ أن يَسِرْنَ على خُطا أمهاتنا أمهات المؤمنين اللواتي هنَّ أطهر خلق الله وأقدس خلق الله من النساء؟
والمرأة التي لا تعتبر هذا شرفاً لها لا خير فيها, ولا تصلح أن تكون أمَّاً مربِّية صالحة لأبنائنا ما دامت تتطلَّع لغير الكاملات من أزواج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين, وما أظنُّ أن امرأة مؤمنة لا تعتزُّ ولا تفتخر بأمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم, كيف لا تعتز المرأة بأمهات المؤمنين وهنَّ زوجات نبيها وحبيبها المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
الأمر واحد, والمأمور ثلاثة أصناف:
أيها الإخوة المؤمنون: لنرجع إلى الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}. ولنتدبر الآية جيداً, الأمر في الآية واحد ألا وهو: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}. والمأمور ثلاثة شرائح من النساء.
الشريحة الأولى: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
الشريحة الثانية: بنات النبي صلى الله عليه وسلم.
الشريحة الثالثة: نساء المؤمنين.
فالمأمور بإدناء الجلباب عليهن, نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم وبناتهُ ونساءُ المؤمنين, فكيف أخرج البعض نساء المؤمنين من الآية وجعلها مقصورة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم لا أدري؟ والأمر أوضح من نار على علم.
هل نساء النبي صلى الله عليه وسلم غَطَّينَ وجوهَهُنَّ؟
أيها الإخوة: تعالوا لنتساءل هل نساء النبي صلى الله عليه وسلم غَطَّينَ وجوهَهُنَّ بعد نزول آية الحجاب أم لا؟
الجواب: ـ بالاتفاق وبدون نكير ـ نعم غَطَّينَ وجوهَهُنَّ, ولا أحد يستطيع أن ينكر هذا إلا رجل عنده الجرأة على تكذيب أصدق كتاب بعد كتاب الله عز وجل ألا وهو كتاب صحيح البخاري رحمه الله, ومن ورائه كتب الصحاح.
أولاً: أخرج البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تحدث حادثة الإفك قالت: (فَبَيْنَما أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ, وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ, فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي, فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ, فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي, وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ, فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي, فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي).
أيها الإخوة: تنبَّهوا إلى كلام أُمِّنا السيدة عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث: (وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ) وقولها: (فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي). ألا نفهم من كلامها رضي الله عنها بأن آية الحجاب تعني ستر الوجه؟
ثانياً: روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ’ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا, فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ).
وأنتم تعلمون بأن إحرام المرأة أثناء الحج والعمرة هو كشف وجهها وكفيها فقط, ولو كان الوجه والكفان مكشوفين قبل الإحرام فماذا يعني الإحرام بالنسبة لها إذاً؟
فأمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كنَّ يَسْدُلن على وجوهِهِنَّ وهنَّ محرماتٌ إذا حاذاهم الرجال, فإذا جاوزوهنَّ كشفْنَ عن وجوههنَّ, ويا حبذا لو أنَّ المسلمات المعتمرات والحاجَّات يَتَأَسَّينَ بأمهات المؤمنين بذلك, وخاصة إذا كانت إحداهُنَّ شابةً.
أما نساء الصحابة نساء المؤمنين رضي الله عنهن:
أيها الإخوة الكرام: أما نساء الصحابة رضي الله عنهنَّ, فقد روى الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال). هذا أولاً.
ثانياً: أخرج أبو داود في سننه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (لَمَّا نَزَلَتْ: { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}. خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الأَكْسِيَةِ).
ثالثاً: والأعجب من هذا ما رواه أبو داود في سننه عن ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ خَلاَّدٍ، وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ، تَسْأَلُ عَنِ ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: جِئْتِ تَسْأَلِينَ عَنِ ابْنِكِ وَأَنْتِ مُتَنَقِّبَةٌ؟ فَقَالَتْ: إِنْ أُرْزَأِ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ، قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ). ومعنى قولها: (إِنْ أُرْزَأِ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي). أي: إن أُصِبْتُ بابني وفقدته فلن أُصَب بحيائي.
هكذا كان نساء المؤمنين في الصدر الأول من الإسلام, هكذا كان نساء المؤمنين في أطهر العصور وأطهر القرون بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم, كما جاء في الحديث الشريف: (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه البخاري ومسلم.
الآية طُبِّقت في خير القرون:
أيها الإخوة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}. طبِّق في خير القرون من قبل نساءِ وبناتِ النبي صلى الله عليه وسلم, ومن قبل نساءِ المؤمنين اللواتي رَبَّيْنَ رجالاً فتحوا الدنيا من أقصاها إلى أقصاها, رَبُّوْا رجالاً تفتخر الدنيا بهم إلى قيام الساعة, لأنهنَّ امتثلن قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}. من أجل تربية الجيل, فإذا خرجن لبعض حوائجهن خرجن بالحجابِ مُسْدِلاتٍ على وجوهِهِنَّ, وما منعهنَّ الحجابُ من العلم والعمل, وانظروا إلى التاريخ فإنكم تجدون مصداق ما أقول.
أما اليوم:
أيها الإخوة الكرام: أما اليوم فقد خُدِعت المرأةُ المسلمة فخرجت من البيت, واختلطت بالرجال, وكشفت عن وجهها, وأبدت زينتها, ومشت مع ركب الحضارة مع ركب التقدم والرقي كما يقال لها, فماذا كانت النتيجة؟
ضاع الجيل, وفسد المجتمع, وانتشرت الرذيلة, وانتشرت الفاحشة, وكثر الزنى, وكثر اللُّقَطاء, وكثر الطلاق, وكثرت الخيانة, حتى بدأ الناس يسمعون بزنى المحارم والعياذ بالله تعالى.
اليوم مجتمعنا يدفع ثمن هذا التفلُّت من دين الله عز وجل, ومع أن ذلك معلومٌ عند الجميع, فلا نزال نسمع بمن يقول: الحجاب خاصٌّ بأمهات المؤمنين, وممن يقول: تغطية وجوه النساء ليست من الدين, والبعض الآخر يقول: لا يجوز تغطية الوجه, والبعض الآخر يقول: الحجاب عادة وليس بعبادة, والبعض الآخر يتحدَّى علماء المسلمين بأن يعطوه دليلاً على وجوب ستر الوجه, مع أن جميع الفقهاء قالوا: إذا خُشِيَتْ الفتنة فيجب على المرأة سترُ وجهها, ولا أدري أيها الإخوة هل الفتنة موجودة اليوم أم لا؟
خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:
أيها الإخوة الكرام: أذكِّر نفسي وإياكم بقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). وعدَّ منها: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما. فمن الواجب على الزوج تجاه زوجته أن يأمر زوجته بالحجاب وبعدم إبداء الزينة, وأجمل شيء في المرأة وجهها, فيجب عليها أن تستر وجهها وخاصة في زمن قلَّ فيه حياء الكثير من الرجال, في زمن لم يُمتثلُ فيه قول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.
أيها الإخوة: يجب ستر وجه المرأة حتى لا تكون فتنةً لشباب المسلمين, وحتى لا يكونوا هم فتنة لها كذلك, وذلك لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيق}.
اللهم استر أعراضنا, وآمن روعاتنا, واختم بالباقيات الصالحات آجالنا وأعمالنا آمين. آمين. آمين. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فيا فوز المستغفرين.
** ** ** |