غضبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ  |  في عظيم شجاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ  |  لعبة البرجيس  |  عقد الزواج على الواتس  |  أجَّره البيت بشرط القرض  |  قناتنا على التيليغرام  |  
 
 

أريد أن أستفتي

 
 
 
 
 
 
 
 

الكتب والمؤلفات

 
 
الرجاء كتابة الكلمة المراد البحث عنها
*
 
 
 
الرجاء كتابة الكلمة المراد البحث عنها
*
 
الرجاء كتابة رقم الفتوى
*
 
 
 
 
البريد الالكتروني :
الاسم :
رمز التسجيل :

اشتراك
إلغاء
 
 
 

عدد الزوار  :  380114653

 
 
أسئلة هامة تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة
 
أسئلة هامة تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة

بسم الله الرحمن الرحيم

باب أهمية الحج ووجوبه

سؤال: هل يجوز الذهاب للحج بفيزة عامل (قصاب) بدون عمل، مع العلم أنه يدفع القيمة المطلوبة كاملة؟ أو بعمل ويعمل ولكن يكون المبلغ أقل من السابق، ومع العلم أن غايته الأساسية هي الحج سواء كان بعمل أو بغير عمل كون الحصول على الفيزة العادية شيء مستحيل.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإذا كان مريد الحج قصاباً وذهب بفيزة عامل، فيجب عليه أن يعمل، وإلا كان آثماً، ولو دفع قيمة الفيزا كاملة.

أما إذا كان مريد الحج غير قصاب، وذهب بفيزة عامل ولم يعمل كان كذلك آثماً.

وبناء على ذلك:

فلا يجوز الذهاب إلى الحج بفيزة عامل بدون عمل. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هناك بعض المسلمين المقيمين في دول الخليج يأخذ الواحد منهم تأشيرة للذهاب إلى بلده، ولكنه لا يريد في الحقيقة الذهاب لبلده، ولكن لأداء مناسك الحج، فيأخذ تأشيرة مرور، فيذهب ويؤدي الحج ويعود إلى مكان إقامته، وعند دخوله يدفع غرامة مالية، والسؤال: ما حكم هذا التصرف في وقت يصعب على أعداد هائلة من المسلمين أداء الحج؟ وهل يختلف الحكم في حج الفريضة عن حج التطوع؟ وما هي حدود استخدام الحكام لحقهم الشرعي في تنظيم أعداد الحجاج؟ وهل يصح حرمان عدد كبير من المسلمين من أداء الحج بدعوى الزحام؟ وإذا كان هذا من حق الحكام أليس من حق الأمة أن تنكر عليهم بناء عمارات على مساحات واسعة من منى ومزدلفة تحتل أكثر من ثلثها لإقامة الملوك والرؤساء فيها، علماً أن هذه الأماكن تستوعب مئات الآلاف من الحجاج؟ أليس الأصل أن يكون السفر بين الدول الإسلامية بدون تأشيرات وخاصة لأداء فريضة الحج؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن أخذ تأشيرة المرور وليست تأشيرة حج يجب أن تكون ملزمة لصاحب الجواز، لأن شأن الإنسان المؤمن مبني على الصدق لا على الكذب، وهل يليق بمن يحرم بحج أو عمرة وهو يقول: لبيك اللهم لبيك أن يكون كاذباً؟

ولو سئل هذا الحاج عند نقاط التفتيش هل تريد الحج؟ سيكون الجواب: لا.

ويقع في مشكلة ثانية وهي مجاوزة الميقات بدون إحرام، أو أنه يحرم ثم يلبس الثياب ليتجاوز الحاجز. هل كُلِّف المؤمن بذلك؟ فيما أعتقد وأدين الله عز وجل أنه ليس مكلفاً بذلك. هذا أولاً.

ثانياً: طاعة ولي الأمر في غير معصية الله واجبة بلا منازع، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}. ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) رواه البخاري.

ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وفيما يبدو في ظاهر الأمر بأن التوسيعات التي تقوم بها المملكة لها أثر كبير بحمد الله تعالى في تلافي كثير من المشاكل التي يعاني منها الحجاج، ونحن نرجو الله تبارك وتعالى أن يوفِّقهم لمزيد من الخدمة لبيت الله تعالى ولخدمة الحجاج.

وفيما يبدو لي بأن طاعة ولي الأمر في شأن تنظيم الحجيج واجبة شرعاً، وخاصة نحن نعلم بأن بعض الفقهاء قال بوجوب الحج على التراخي على المستطيع، ومن الاستطاعة أمن الطريق، ولعل هذا التنظيم يدخل في هذا الأمن.

ثالثاً: إذا توفرت شروط الوجوب في المسلم لأداء فريضة الحج واختلَّ شرط موافقة ولي الأمر، فاحتال المسلم على أمر وليِّ الأمر وأدَّى الحج صحَّ حجه، وسقطت عنه الفريضة، لأنه بمجرد وصوله إلى الحرم وأماكن أداء المناسك التحق بأهله، وصار الحج فرضاً عليه، فيسقط عنه بهذا الأداء، ولكنه أثم لمخالفة أمر ولي الأمر الذي ينظم شؤون الحجاج.

رابعاً: أما بالنسبة لإنكار المنكر فهو واجب على الأمة، وذلك من خلال قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ) رواه مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه. والنصيحة هي أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، وهذه النصيحة لها شروطها، والتي من جملتها أن تكون سرّاً بين الناصح والمنصوح، لا أن تكون في المجالس العامة وعلى المنابر ومجامع المسلمين، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ). رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وإني أتوجَّه إلى كل أخ مسلم كريم أدى فريضة الحج أن يدع المجال لغيره، ويكفيه تأدية العمرة في يوم من أيام السنة حتى يجعل الله تعالى فرجاً ومخرجاً لشدة الزحام الواقعة والحقيقية إن شئنا وإن أبينا. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: عليَّ ديون كثيرة وأريد الذهاب إلى العمرة، فهل يجب عليَّ استئذان الدائنين؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 فإذا كانت الديون حالَّةً ـ حلَّ أجلها ـ فلا يجوز الذهاب إلى العمرة إلا بعد استئذان الدائنين.

أما إذا كانت الديون غير حالَّة الأجل وبوسع المدين سداد الديون المترتبة عليه في وقتها المحدَّد فلا يجب عليه أن يستأذن الدائنين ولكن يسنُّ له هذا.

وبناء على ذلك:

فأنا أنصحك بسداد ديونك، وهذا أولى من أداء العمرة إذا كانت نافلة، وأما إذا كانت عمرتك هي الأولى، وديونك غير حالَّة، وتترك وفاء إذا انتهى أجلك، فلا حرج من ذهابك للعمرة بدون استئذان، أما إذا كانت ديونك حالَّة فلا يجوز السفر للعمرة إلا بعد استئذان الدائنين. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: ما هو حكم فيز الحج التي تباع على أنها فيز حرة؟

الجواب: الغاية لا تبرر الوسيلة، والله عز وجل يقول: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97]. فإذا لم تتحقق شروط الاستطاعة فالحج ليس بفرض على ذاك العبد.

وأما أن يكذب العبد من أجل أداء هذه الفريضة هذا حرام عليه. وما يقال: إنها فيزة حرة كلام غير صحيح، لأن التأشيرة يوضع عليها صفة عامل، أو حلاق، أو قصاب، فمن ذهب ولم يعمل بما كلف به حرم عليه السفر، لأنه كذب من البداية.

ومن كان حلاقاً أو جزاراً وذهب تحت اسم مهنته ولم يعمل يحرم عليه كذلك السفر إلاّ أن يعمل، والحج في كل هذه الأحوال يسقط عنه إن شاء الله تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز للمرأة أن تسافر إلى الحج أو العمرة بدون محرم؟

الجواب: لا يجب الحج على المرأة إلا إذا كان معها زوجها أو محرم لها بالغ عاقل، ولا يحل لها أن تحج أو تعتمر بدون زوجها أو محرمها، لحديث البخاري ومسلم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا تسافر امرأة ثلاثاً إلا ومعها محرم). ولقولـه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو رحم منها). متفق عليه. وغير ذلك من الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فمن سافرت لحج أو عمرة أو غير ذلك من غير زوجها أو محرم لها، كانت آثمة مرتكبة ما نهى رسـول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عنه من السفر بدون زوج أو محرم، وتسقط عنها فريضة الحج والعمرة عند من قال بفرضيتها.

وقد أضاف فضيلة أستاذنا الدكتور أحمد الحجي الكردي على الجواب ما يلي:

(أجاز كثير من الفقهاء للمرأة أن تحج الفرض مع رفقة مأمونة من النساء إذا لم يتوفر لها الزوج والمحرم، ومنهم الشافعية، وكذلك عمرة الفرض) هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل حج الفريضة أفضل أم التبرع للمجاهدين؟

الجواب: الحج فرض عين على كل من استطاع إليه سبيلاً، لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]. وهو فرض على الفور في أول وقت يتمكن فيه الإنسان من أدائه، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء.

أما الجهاد إذا لم يدعُ إليه ولي الأمر جميع القادرين فهو فرض كفاية متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثموا، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، فإذا لم يكن لدى مريد الحج ما يسع القيام به من أداء الفريضة والتبرع للمجاهدين، قَدَّم أداء الحج على التبرع للمجاهدين. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل يريد الحج وهو مدين، والدين ما حلَّ وقته، فهل يجب عليه أن يستأذن الدائن قبل سفره؟ علماً بأنه إن مات في سفره فإنه يترك مالاً يسد ديونه.

الجواب: أولاً: إذا كان الإنسان مديناً وعنده ما يسد دينه ووقت الدين ما حلَّ، لا يجب عليه أن يستأذن الدائن، ولكن يستحب لـه هذا، وعليه أن يكتب في وصيته حقوق الدائنين حتى يقوم الورثة بسداد الدين إن انتهى أجله.

ثانياً: أما إذا كان مديناً وليس عنده ما يفي دينه من نقد أو عقار، فهذا لا يجب عليه الحج، لأنه غير مستطيع، وشرط وجوب الحج الاستطاعة، لقوله عز وجل: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]. فإن أراد السفر فلا بد من استئذان الدائن، فإن لم يستأذن وأدى الحج فإن ذمته تبرأ ويصح حجه، وتسقط عنه الفريضة، إلا أنه يكون آثماً بتأخير سداد الدين إن حلَّ الأجل ولم يسدد. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل متزوج وتلح عليه زوجته أن يأخذها إلى الحج، وتقول له: من حقي أن تأخذني إلى الحج، فهل صحيح هذا؟

الجواب: لا يجب على الرجل أن يحج بزوجته، لأن ذلك ليس من النفقة الواجبة، غير أن إحجاجها من حسن العشرة، وسبب لدوام الألفة، ونوع من التعاون على البر والتقوى. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يحج بنسائه ويعمرهن.

ويقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). أخرجه الترمذي. فالتأسي به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يدل على الخيرية وكمال المتابعة، فإذا لم يقم الزوج بذلك فإن المرأة إما أن تكون مستطيعة أو لا، فإن كانت مستطيعة فيجب عليها الحج، ومن شروط الاستطاعة وجود المحرم، وإلا فلا يجب عليها الحج.

فإن استطاعت مادياً، وَوُجد المَحْرَم فلا يجوز للزوج منعها من حج الفرض، لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97].

أما حج النافلة وعمرة النافلة فقد اتفق الفقهاء على أنه ليس لها أن تحج أو تعتمر للتطوع إلا بإذن الزوج، لأن ذمتها قد برئت من حق الله تعالى، وهي مشغولة بحق الزوج فلا تخرج إلا بإذنه، وطاعتها لزوجها في هذه الحالة آجر لها عند الله تعالى من النافلة التي تريد فعلها، وهذا عند جمهور الفقهاء، لأن فريضة الحج عندهم على الفور، وتذهب بدون إذنه إن لم يتضرر الزوج بذهابها، وإلا فلا.

وعند السادة الشافعية له منعها من حج الفريضة، لأن حقه على الفور، وفريضة الحج عندهم على التراخي.

وبناء على ذلك:

أولاً: لا يجب على الرجل أن يحج بزوجته.

ثانياً: من حسن العشرة والخيرية أن يحج بها إن كان مقتدراً.

ثالثاً: أن لا يمنعها من الحج إذا كانت مستطيعة مع وجود محرم لها، إذا كان لا يتضرر بغيابها. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز للمرأة المسلمة أن تسافر إلى الحج أو العمرة بدون محرم؟ علماً بأن المرأة قد أدت فريضة الحج والعمرة؟

الجواب: سفر المرأة بدون محرم لا يجوز شرعاً ولو لحج أو عمرة إلا أن يكون معها زوجها أو محرم لها على التأبيد، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج والعمرة، للحديث المتفق عليه: (لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم) متفق عليه. ولحديث: (لا تحجن امرأة إلا ومعها زوج) رواه الدارقطني. وأجاز الشافعية سفر المرأة لحج الفريضة وللعمرة لأول مرة بدون زوج أو محرم، ولكنهم أوجبوا عليها أن تكون برفقة نسوة ثقات حتى تأمن على نفسها.

وبناء على هذا:

طالما أن المرأة قد أدت فريضة الحج والعمرة، فلا يجوز لها أن تذهب إلى العمرة مرة ثانية بدون زوج أو محرم وهذا بالاتفاق. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة مسلمة غنية ولم تجد مَحرماً، فهل يجوز لها السفر بدون مَحرم مقلِّدة مذهب الشافعي رحمه الله؟

الجواب: من شروط صحة حج النساء أن يصحب المرأةَ في سفر الحج زوجُها أو محرم منها، إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسافة القصر في السفر، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) رواه البخاري. فإذا لم يوجد زوج ولا محرم فلا يجب عليها الحج، وهي إن شاء الله لها العذر لأنها لم تستطع أداء فريضة الحج.

وذهب الشافعية إلى جواز سفر المرأة لأداء فريضة الحج للمرة الأولى إن وُجدت نسوةٌ ثقاتٌ يسافرن معها، ولا يشترط وجود محرم لإحداهنّ. أما إذا كان لحج النافلة، فلا يجوز لها السفر بدون زوج أو محرم بالاتفاق.

وأنا أنصح بعدم سفر المرأة بدون محرم، وخاصة في سفر البرّ، لوجود المخالفات الشرعية الكثيرة، والتي من جملتها الاحتكاك بالرجال والحديث معهم، إضافة إلى مخاطر الطريق، وهي ليست بآثمة إن شاء الله إذا لم تقلِّد السادة الشافعية في هذه المسألة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إني يتعذر عليَّ الذهاب لأداء فريضة الحج بسبب تحديد الأعمار، فهل يجوز أن أدفع الرشوة من أجل الحصول على الموافقة للذهاب إلى الحج؟ وهل يعتبر الحج حجاً مبروراً؟

الجواب: لا يجوز دفع الرشوة لأي أمر كان، لأن الرشوة من الكبائر، وقد صح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الراشي والمرتشي) رواه أبو داود.

وإذا كانت الرشوة تحرم في الأمور العامة، فمن باب أولى وأولى أنها تحرم في الوصول إلى عبادة الحج، لأن هذه العبادة قال فيها مولانا: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]. ومن جملة الاستطاعة الآن إذن ولي الأمر، حيث تم تنظيم الحج بسبب شدة الزحام، وطاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية لله تعالى.

فدفع الرشوة للوصول إلى هذه العبادة لا يجوز، لأنها من الكبائر، وصاحبها ملعون، فهل كلَّفَنا الشرع بفعل كبيرة من الكبائر للوصول إلى هذه العبادة العظيمة؟

وبناء عليه:

1ـ فلا يجوز دفع الرشوة للذهاب إلى الحج.

2ـ إذا دفع الرشوة وسافر إلى أداء هذه الفريضة وأداها، صحَّ حجه، وسقطت عنه الفريضة.

3ـ وأظن والله تعالى أعلم أنه ليس مشمولاً بقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه أحمد.

وبقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) رواه البخاري. هذا والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الميقات

سؤال: لقد أكرمني الله عز وجل بالحج، وعندما وصلت إلى الميقات أحرمت بالحج وتجاوزت الميقات وأنا لابس المخيط، حتى وصلت إلى مكة المكرمة، فهل يجب عليَّ دم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالإحرام عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة هو نية أداء الحج أو العمرة، أو كليهما، والتلبية ليست شرطاً في الإحرام عندهم، بل هي سنة، فمن نوى ولم يلبِّ صار مُحرِماً ولا شيء عليه عندهم.

أما عند السادة الحنفية فالإحرام عندهم هو النيَّة مع التلبية، فمن نوى ولم يلبِّ لا يكون مُحرِماً عند الحنفية، ويكون كمن تجاوز الميقات بلا إحرام.

أما بالنسبة للبس ثياب الإحرام فليس هو الفرض في الإحرام، فمن اقتصر على النية والتلبية عند الميقات صار مُحرِماً ولو كان لابساً المخيط، ويجب عليه نزع الثياب المخيطة.

ومن لبس المَخيط بعد الإحرام، أو نوى الإحرام وهو لابس المخيط، وبقي المخيط عليه نهاراً كاملاً أو ليلة كاملة وجب عليه الدم، أما إذا لبس المَخيطَ أقلَّ من يوم أو أقلَّ من ليلة فعليه صدقةٌ عند الحنفية، وعند غيرهم يجب عليه الدم بمجرد اللبس.

وبناء على ذلك:

فإذا نويت الحج وأنت لابس المخيط فقد أحرمت، وإذا استمرَّ لبسك المخيط أكثر النهار أو أكثر الليل وجب عليك دم، وإلا فعليك صدقة ـ وهي إطعام مسكين ـ عند الحنفية، وعند الشافعية يجب عليك دم بمجرد تجاوزك الميقات وأنت لابس المخيط بعد إحرامك بالحج. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم بالعمرة في أشهر الحج وصار متمتِّعاً، فمن أين يُحرِم بالحج؟ وهل يكون إحرامه بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، أم يجوز أن يكون إحرامه يوم عرفة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فبالنسبة للحاج المتمتِّع المقيم في مكة يُلحق بالمكِّي، فيكون إحرامه من مكة المكرمة، ومن المسجد الحرام أفضل.

ويسن للمتمتِّع أن يحرم بالحج من المسجد الحرام في اليوم الثامن من ذي الحجة بعد طلوع الشمس، وأن يتوجَّه من مكة إلى مِنى فيصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة، وذلك سنة باتفاق الفقهاء رضي الله عنهم.

وإذا لم يأت بِسُنَّة المبيت وأراد أن يُحرم بالحج في صبيحة يوم عرفة فلا حرج في ذلك، لأن الميقات الزماني للإحرام بالحج هو أشهر الحج وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فمن أحرم بالحج قبل فجر يوم النحر صح إحرامه.

وبناء على ذلك:

فالمتمتِّع يُحرم بالحج من مكة المكرمة، ومن المسجد الحرام أفضل، ومن السنة أن يُحرم بالحج في اليوم الثامن لتطبيق سنَّة المبيت، وإذا أحرم بالحج يوم عرفة فإحرامه صحيح كذلك إن شاء الله تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل تجاوز الميقات في البر قاصداً بلدة جدة وهو غير ناوٍ الإحرام بعمرة، ثم بدا له أن يؤدي العمرة، فمن أين يكون إحرامه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالأصل لمن أراد دخول مكة المكرمة لأداء نسك الحج أو العمرة أن لا يتجاوز الميقات إلا بإحرام، أما إذا قصد غير مكة وتجاوز الميقات فمن الطبيعي أنه لا يحرم.

فإذا خطر في باله أداء نسك الحج أو العمرة بعد أن تجاوز الميقات ـ وهو في الأصل لم ينو أداء نسك الحج أو العمرة ـ فميقاته من حيث هو موجود، ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات للإحرام منه.

وبناء على ذلك:

فما دام هذا الرجل قاصداً جدة ولم يقصد أداء نسك العمرة، فلا يجب عليه الإحرام من الميقات، وإذا بدا له أداء العمرة بعد مجاوزة الميقات فيُحرِم من المكان الذي هو فيه ولا شيء عليه، وإن رجع إلى الميقات وأحرم منه فلا حرج عليه لذلك. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل قصد زيارة مكة المكرمة من أجل العمرة، فقال له بعضهم هل لك قريب في جدة؟ قال: نعم. قال له: انوِ زيارة قريبك في جدة، حتى تدخل منطقة الحرم بغير إحرام، ثم بعد ذلك تحرم من جدة، فهل هذا صحيح أم باطل؟

الجواب: لا يجوز لمن أراد العمرة أو الحج مجاوزة الميقات بدون إحرام، لما روي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (لا تجاوز الموقت إلا بإحرام) رواه الطبراني. فإن جاوز الآفاقي ـ وهو الذي يسكن خارج منطقة الحل ـ الميقات بغير إحرام فعليه شاة، فإن عاد إلى الميقات فأحرم منه سقط الدم.

أما لو قصد موضعاً من الحل، كجدة مثلاً، فله مجاوزة الميقات بلا إحرام، ولكن بشرط أن يكون قصده أولاً جدة لزيارة قريب أو تجارة، ثم بعد الفراغ من زيارته أو عمله أراد أن يدخل مكة للعمرة أو للحج، وأحرم من جدة فلا مانع عند ذلك.

أما إذا كان قصده الأولي العمرة أو الحج، ثم الزيارة ثانياً أو العمل، ولولا العمرة أو الحج لن يزور قريبه أو لن يتاجر فلا يحل لـه مجاوزة الميقات بدون إحرام. وهذا قول جمهور الفقهاء من فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية رضي الله عنهم جميعاً. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل مقيم في منطقة الحلِّ، مثلاً في جدة، وسافر خارج حدود الميقات، فهل يجب عليه أن يحرم بنُسُك عند عودته إلى منطقة الحل أم لا؟

الجواب: من كان مقيماً داخل المواقيت (بين الميقات والحرم) وخرج خارج المواقيت، فإنه يصبح في حكم الآفاقي، فإذا أراد دخول الحرم أثناء عودته لحاجة غير النسك، فإنه يجب عليه أن يحرم من الميقات عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي قول عند الشافعية، ولا يجوز له مجاوزة الميقات بغير إحرام، وفي قول عند الشافعية وهو المشهور عندهم أنه يجوز دخوله الحرم بغير إحرام، ولكن يستحب له أن يُحرم.

أما إذا أراد دخول الحرم بقصد النُّسُك فلا شك بأنه يجب عليه أن يُحرم من الميقات عند جميع الفقهاء بلا خلاف.

أما إذا قصد موضعاً من الحِلِّ، ولم يقصد الحرم، فإنه يجوز له بالاتفاق أن يتجاوز الميقات بدون إحرام، فإذا حلَّ به التحق بأهله، وله دخول الحرم بدون إحرام إذا قصد الحرم لحاجة غير النسك، وإذا قصده بنسك فإنه يحرم من مكانه الذي هو فيه.

وبناء على ذلك:

فإنه يجوز للمقيم في منطقة الحل ـ مثلاً في جدة ـ إذا خرج خارج حدود المواقيت، وأراد أن يرجع إلى منطقة الحل ـ إلى جدة ـ أن يتجاوز الميقات بدون إحرام. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل من أهل مكة المكرمة، يسافر أحياناً خارج حدود الميقات، فهل يجب عليه أثناء العودة أن يُحرم من الميقات، أم يحل له دخول مكة من غير نسك؟

الجواب: من خرج من منطقة الحل، وتجاوز حدود المواقيت وأراد دخول الحرم ثانية بقصد النُّسُك وجب عليه بالاتفاق أن يُحرم من الميقات، ولا يجوز له مجاوزة الميقات إلا بإحرام بأحد النُّسُكين.

أما إذا أراد دخول الحرم ثانية بغير قصد النسك، فعند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وفي رأي للشافعية لا يجوز له أن يتجاوز الميقات بدون إحرام بأحد النُّسُكين.

وهناك قول آخر للشافعية وهو المشهور عندهم أنه يجوز للآفاقي دخول الحرم بدون إحرام، إذا قَصَدَهُ لغير نسك، ولكنه يُستحب له أن يحرم.

وبناء عليه:

فيجب على من كان من أهل مكة إذا كان خارج حدود المواقيت وأراد الدخول إلى الحرم بقصد النُّسُك أن يُحرم من الميقات، ولا يجوز له أن يُجاوز الميقات بغير إحرام.

وأما إذا قصد لغير النُّسُك فكذلك عند جمهور الفقهاء لا بُدَّ له من إحرام بأحد النُّسُكين، ويجوز له أن يدخل الحرم بدون إحرام إذا قصده لغير النُّسك في قول مشهور عند الشافعية.

وأما إذا كَثُرَ خروجه ودخوله إلى مكة المكرمة لحاجة تتكرر، فإنه ينبغي له أن يحرم في كل سنة مرة، لكي لا يستخفَّ بحرمة الحرم، ولا تلحقه مشقة في ذلك. كما جاء في البيان للعمراني 4/16.

والأولى أن لا يتجاوز الميقات إلا بإحرام. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل سائق سافر إلى الديار المقدسة بقصد العمل بين الحرمين الشريفين، وفي يوم عرفة وهو مع الحجاج بدون إحرام عزم على الحج، فأحرم وهو في أرض عرفة، وأدى المناسك كلها، فهل حجه صحيح أم يترتب عليه دم؟

الجواب: عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة لا يجوز لمن يسكن خارج المواقيت مجاوزة الميقات لمن قصد مكة المكرمة بدون إحرام بعمرة أو حج.

وذهب الشافعية إلى أن من قصد مكة لحاجة غير الحج أو العمرة فيجوز له أن يتجاوز الميقات بدون إحرام، فإذا دخل مكة لغير نسك أُلحِق بأهلها، فإذا أراد الحج أو العمرة فميقاته المكاني هو موضعه الذي هو فيه، فيحرم من حيث أنشأ، وذلك لما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هُنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهلُ مكة من مكة).

وبناء عليه:

فإحرامه بالحج في أرض عرفة صحيح لا إشكال فيه، ولكن عليه دم عند جمهور الفقهاء، ولا شيء عليه عند الشافعية، لأنه دخل مكة قاصداً العمل لا الحج. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الإحرام

سؤال: رجل أحرم بالعمرة وهو واضع شعراً اصطناعياً على رأسه، فهل من حرج عليه في ذلك؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه. مع العلم بأن الزينة والتحلي من طبيعة المرأة لأنها تنشأ على ذلك، على عكس الرجال، قال تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين}.

فإذا كان هذا في حقِّ المرأة ففي حق الرجل من باب أولى وأولى.

وبناء على ذلك:

أولاً: يحرم على الرجل لبس هذه الباروكة (الشعر الاصطناعي) لأنه محرَّم على المرأة، فعلى الرجل من باب أولى وأولى.

ثانياً: تعتبر هذه الباروكة طبقة عازلة أثناء الغُسل، فيجب نزعها أثناء الغُسل وأثناء الوضوء كذلك حتى يصل الماء إلى الرأس.

ثالثاً: إذا أحرم بالحج أو العمرة وهو لابس هذه الباروكة أكثر الليل أو النهار وجب عليه الدم، وإن كان أقل من يوم وليلة فعليه صدقة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم بالحج، فهل يجوز أن يذبح شاة وهو محرم؟

الجواب: المحرَّم على المحرِم هو صيد الحيوان البري، وذلك لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، ولقوله جل جلاله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96].

أما صيد البحر فحلال لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96].

وكذلك يحرم على المحرم الانتفاع من الصيد إذا كان بأمره أو بإيماءة منه أو بإشارة إليه أو دلالة عليه، أما إذا لم يكن هذا، وكان الصائدُ حلالاً، فإنَّ المحرِمَ يحلُّ له ما صاده الحلال.

أما بالنسبة لذبح المُحرم الأنعامَ ـ والتي من جملتها الشياه ـ فإنها مباحة بالاتفاق، لأنها لا تدخل في تحريم الصيد، ولا تدخل في محرَّمات الإحرام، هذا والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة أحرمت من الميقات وهي حائض، فهل يجب عليها أن تجدِّد إحرامها بعد طهرها والاغتسال، أم يكفيها إحرامها من الميقات؟

الجواب: ليس من شروط الإحرام للمرأة طهرها من الحيض والنفاس، بل شرط إحرامها النية عند الميقات، ويسنُّ لها أن تغتسل للإحرام بدون صلاة ركعتين، وتلبي، فإن فعلت ذلك دخلت في الإحرام.

وتنتظر بعد ذلك حتى تطهر من حيضها، فإذا طهرت تغتسل وتصلي ركعتي الإحرام وتطوف وتسعى وتقصّر، ولا يشترط لها أن تجدِّد إحرامها، أو أن تذهب إلى التنعيم ـ مسجد السيدة عائشة ـ لتحرم من هناك. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أنواع الحج

سؤال: أيهما أفضل حج المفرد أم حج القارن؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد اتفق الفقهاء وسائر الأئمة والعلماء عل جواز أداء الحج بأي وجه من الوجوه منفرداً أو متمتعاً أو قارناً. ولكن اختلفوا في أي أنواع الحج أفضل؟

أولاً: ذهب المالكية والشافعية إلى أن الإفراد بالحج أفضل. وذلك لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بِالْحَجِّ) رواه البخاري ومسلم. وقد صحَّ عن جابر وابن عباس رضي الله عنهم جميعاً أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أفرد بالحج.

ثانياً: ذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل، وذلك لحديث سيدنا جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً).

ثالثاً: ذهب الحنفية إلى أن القران أفضل من الإفراد والتمتع، لحديث سيدنا عمر رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ).

وبناء على ذلك:

فكلُّ مذهب له دليله إلى ما ذهب إليه، ولذلك أقول: الأمر يرجع إلى الحاج، فلينظر ما هو الأيسر عليه والأقرب لتحصيل خشوعه وحضوره، فذلك مقصود عظيم، وليس المقصود أن تختار الأشق ولو كان على حساب الخشوع والحضور مع الله تعالى أثناء أداء هذا الركن العظيم.

وإني أسأل الله تعالى أن يكرمنا بزيارة الحرمين الشريفين على أحسن حال يرضاها لنا ربنا عز وجل. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم قارناً جمع بين نية العمرة والحج، فطاف طواف العمرة وسعيها ولم يحلق، والآن هو متضايق من لبس الإحرام، فهل يجوز أن يقلب نيَّته من القران إلى التمتُّع؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}، فالشروع ملزِم عند جمهور الفقهاء، فمن أحرم قارناً وجب عليه أن يتمَّ مناسك العمرة والحج بإحرام واحد.

وهذا خلاف ما ذهب إليه الحنابلة حيث قالوا باستحباب فسخ القارن نية القران ويلغي ما أتى به من مناسك، ثم يأتي بأعمال العمرة من طواف وسعي وحلق أو تقصير، ثم يلبس المخيط.

وفي اليوم الثامن يحرم بالحج ويأتي بأفعال الحج كاملة من طواف إفاضة وسعي بعد الوقوف بعرفة، وإذا أراد أن يعجّل السعي قبل الوقوف بعرفة، فعليه أن يطوف طواف نافلة ثم يسعى سعي الحج. هذا، والله تعالى أعلم.

ر. الموسوعة الفقهية الكويتية 2/176 مصطلح إحرام (فسخ)، والمغني لابن قدامة 7/128، والإنصاف للمرداوي 6/162.

سؤال: نويت التمتع في الحج، فهل يجوز أن أذبح قبل الوقوف بعرفة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن دم التمتع مقيد بالزمان الذي أشار إليه الله تعالى بقوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق}. ووجه الاستدلال بهذه الآية أن قضاء التفث (أي إزالة الوسخ) والطواف يختص بأيام النحر، فكذا الذبح ليكون مسروداً على نسق واحد، وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة.

أما مذهب الشافعية: فدم التمتّع ليس مقيّداً بزمان، فيجوز أن يذبح بعد الانتهاء من أعمال العمرة وبعد شروعه بإحرام الحج، ويجوز كذلك الذبح قبل الإحرام بالحج.

وبناء على ذلك:

فعند جمهور الفقهاء الذبح لا يكون إلا في أيام النحر، وعند الشافعية يجوز أن يكون بعد الانتهاء من مناسك العمرة ولو قبل الإحرام بالحج.

والأولى التقيّد بمذهب الجمهور لعدم وجود المشقة في ذلك. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أنا ذهبت إلى الحج سائقاً بين مكة والمدينة، وعندما وصلت إلى مكة المكرمة أتيت بعمرة، ورجعت إلى المدينة المنوَّرة لنقل بعض الحجاج، فأحرمت بالحج من المدينة، فهل يجب عليَّ دم التمتّع؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن شروط التمتّع: 1ـ تقديم العمرة على الحج. 2ـ أن تكون العمرة في أشهر الحج. 3ـ أن يكون الحج والعمرة في عام واحد. 4ـ عدم السفر بين العمرة والحج.

وبناء عليه:

فأنت لا تعتبر متمتِّعاً، وذلك لخروجك من منطقة المواقيت وإحرامك بالحج من ميقات أهل المدينة، ولا يلزمك دم. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أحرمت متمتِّعاً بتوفيق الله عز وجل، فمتى أتحلَّل التحلّل الأول بعد الرمي والنحر والحلق؟ أم يجوز أن أتحلَّل بعد الرمي والحلق وبعد ذلك يكون النحر؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا بذبح فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال: (ههنا أبو طلحة)؟ فدفعه إلى أبي طلحة. رواه أبو داود.

واختلف الفقهاء في حكم هذا الترتيب:

فذهب الحنفية إلى أنه يجب مراعاة الترتيب، فإذا لم يرتّب الرمي ثم النحر ثم الحلق فيجب عليه دم، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (خُذُوا عَني مَناسِكَكُمْ) رواه مسلم.

وذهب الشافعية إلى أن الترتيب سنة، فإذا تركه أساء وليس عليه فداء، لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَقَالَ: (اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ). ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ، فَقَالَ: (ارْمِ وَلاَ حَرَجَ). قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: (افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ) رواه مسلم.

وبناء على ذلك:

فعند الحنفية الترتيب واجب يجب الدم بتركه، وعند الشافعية هو سنة وتاركه مسيء، وليس عليه فداء. والأولى أن يرتِّب الحاجُّ خروجاً من الخلاف. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: لقد أحرمت متمتِّعاً، وبعد أن نويت إحرام الحج طفت طواف نافلة، ثم سعيت سعيَ الحج، فهل صحَّ السعي أم لا بعد من السعي بعد طواف الإفاضة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن شروط صحة سعي الحج أن يكون السعي مسبوقاً بالإحرام بالحج، وأن يكون بعد الطواف، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (خُذُوا عَني مَناسِكَكُمْ) رواه مسلم، ولأن السعي تابع للطواف فلا يجوز أن يتقدَّمَه.

وأجاز الحنفية أن يكون سعي الحج بعد طواف القدوم، فإن لم يَسْعَ بعد طواف القدوم مباشرة، فإنه يطوف للنفل ثم يسعى بعده، ويصح سعيه هذا ولو كان قبل الوقوف بعرفة وقبل طواف الإفاضة.

أما عند الشافعية والحنابلة فيشترط أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم، ولا يُخل الفصل بينهما ما لم يتخلَّل الوقوف بعرفة، فإذا تخلَّل الوقوف بعرفة لم يجزه السعي إلا بعد طواف الإفاضة.

وبناء على ما تقدم:

فإن سعيك للحج بعد إحرامك بالحج وطوافك نافلة صحيح عند السادة الحنفية، ولا إعادة عليك، خلافاً للسادة الشافعية والحنابلة الذين يوجبون عليكَ السعي بعد طواف الإفاضة، لأنك أتيت بسعي الحجِّ بعد طواف نافلة. ولا حرج عليك في الأخذ بمذهب السادة الحنفية، وخاصة بسبب شدَّة الزحام. هذا، والله تعالى أعلم.

راجع كتاب الحج والعمرة في الفقه الإسلامي لفضيلة الدكتور نور الدين عتر، فصل السعي بن الصفا والمروة.

سؤال: أحرمت بالحج مفرداً، وبعد طواف القدوم وسعي الحج بأيام فسخت نية الحج وجعلتها عمرة، فقصَّرت ولبست ثيابي، فهل بذلك أصبحت متمتِّعاً ووجب عليَّ دم التمتُّع؟ وماذا أفعل الآن بعد عودتي إلى بلدي؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن تبديل النية وفسخها بعد الشروع لغو عند جمهور الفقهاء، ولا ينقلب حج المفرد إلى متمتع، ما عدا الحنابلة الذين قالوا بجواز فسخ النية، وإلغاء الأفعال السابقة من طواف قدوم وسعي حج، ثم ينوي العمرة ويأتي بها كاملة، ثم يُهلُّ بالحج، عندهم يصبح المفرد متمتِّعاً خلافاً لجمهور الفقهاء.

أما ما فعلته أنت من فسخ نية الحج بعد طواف القدوم وسعي فهذا لغو وأنت على إحرامك بالحج، ويترتب عليك في هذه الحال دمان، دم للتقصير، ودم للبس المخيط، وما صرت بذلك متمتِّعاً. وبكونك رجعت إلى بلدك وجب عليك أن ترسل إلى مكة المكرمة من يذبح عنك الدمين ويوزع لحمهما على الفقراء هناك. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أريد أن أذهب إلى الحج متمتعاً، فهل يجزئ الصوم عن الذبح لمستطيع الذبح؟ ومتى يكون الصوم؟ وهل يجزئ صوم عرفة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد اتفق الفقهاء على أن المتمتِّع ـ الذي أدى عمرة في أشهر الحج وحج في نفس العام، ولم يحرم بالحج من الميقات ـ يلزمه الهدي، وذلك لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}.

وإن لم يجد المتمتِّع هدياً لفقره فيجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، هذا باتفاق الفقهاء، وذلك لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

وبناء على ذلك:

فمن وجد قيمة الهدي وجب عليه الدم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وتكون بعد العمرة ولو قبل الإحرام بالحج، ويصح صوم يوم عرفة إذا كان لا يضعفه عن العبادة، لأنه لا يعتبر من أيام النحر والتشريق، ولا يجوز أن يكون صيام شيء منها يوم النحر وأيام التشريق.

والسبعة الباقية بعد الانتهاء من أفعال الحج ولو في مكة المكرمة، ولا يصح صوم شيء منها قبل الانتهاء من أعمال الحج. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إنسان أراد الحج متمتعاً ولم يسق الهدي معه، وبعد أداء مناسك العمرة وقبل أيام الحج خرج إلى ميقات من المواقيت المكانية بقصد الإحرام بالحج حتى يتخلص من دم التمتع، فهل ذلك الفعل يُبطل التمتع ولا يجب عليه دم.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}، فمن نوى التمتُّع في أشهر الحج يجب عليه إتمام التمتُّع إلا إذا خرج بعد أداء العمرة إلى بلده ثم عاد في نفس العام للحج، فله أن ينوي الإفراد، ولا دم عليه عند السادة الحنفية، أما إذا خرج إلى ميقات من المواقيت المكانية وأحرم بالحج منه فلا يلغي هذا الخروجُ التمتُّعَ، وعليه دم التمتُّع عندهم.

وذهب السادة الشافعية والحنابلة إلى أن المتمتِّع إذا خرج إلى ميقات من المواقيت وأحرم منه بالحج مفرداً أبطل التمتُّع ولا دم عليه، وحجُّه صحيح إن شاء الله تعالى.

وبناء على ذلك:

فلا حرج عند السادة الشافعية والحنابلة من خروج المتمتِّع إلى ميقات من المواقيت المكانية، ويُحرم بالحجِّ منه مفرداً ولا دم عليه. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: لقد أحرمت بالحج متمتِّعاً، فهل يجب عليَّ طواف القدوم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن طواف القدوم سنة للآفاقي الذي قدم من خارج مكة المكرمة، وهذا عند جمهور الفقهاء ما عدا المالكية الذين قالوا بوجوبه.

ولكن اتفق جمهور الفقهاء على أن طواف القدوم يسقط عن المعتمر والمتمتع، وذلك لدخول طواف الفرض عليه وهو طواف العمرة، فطواف القدوم عندهم خاصٌّ بمن أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً بين الحج والعمرة.

وبناء على ذلك:

فما دمت أنك أحرمت بالعمرة فقد سقط عنك طواف القدوم بالاتفاق ولا شيء عليك. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم متمتِّعاً، وبعد التحلُّل من العمرة أراد أن يأتي بعمرة ثانية قبل إحرامه بالحج، فهل هناك حرج شرعي في ذلك؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فعند أكثر الفقهاء لا حرج في تكرار العمرة قبل إحرامه بالحج، وقد ذكر ابن عابدين في حاشيته في باب التمتع قوله: أفاد أنه يفعل ما يفعله الحلال، فيطوف بالبيت ما بدى له، ويعتمر قبل الحج. اهـ.

ومنع بعض الفقهاء تكرار العمرة للمتمتِّع لأنهم ألحقوه بالمكي.

وبناء على ذلك:

فلا حرج من تكرار العمرة للمتمتِّع، وإن اقتصر على عمرة التمتُّع فقط وأكثر من الطواف كان هو الأولى خروجاً من الخلاف بين الفقهاء. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أحرم إنسان متمتعاً، وبعد الانتهاء من عمرته هو وزوجته عاشرها معاشرة الأزواج، فهل يترتب عليه شيء؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالمتمتِّع سمي متمتِّعاً لتمتُّعه بعد تمام عمرته بالنساء والطيب وغيرهما مما لا يجوز للمحرم، هذا إذا لم يسق الهدي معه، أما من ساق معه الهدي فلا يحلُّ من إحرام العمرة إلا أن يُحرم يوم التروية أو قبله للحج.

وبناء على ذلك:

فإذا كان المحرم متمتِّعاً وساق معه الهدي، فلا يجوز له أن يعاشر زوجته، هذا عند الحنفية والحنابلة، وعند المالكية والشافعية له أن يعاشر زوجته.

أما إذا لم يسق الهدي فله أن يعاشر أهله ولا شيء عليه عند جمهور الفقهاء. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أحرم إنسان قارناً وذبح قبل الطواف، وأكل من لحم الهدي، فهل صحَّ ذبحه؟ وهل يجوز أن يأكل من الهدي؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق}. وقال جمهور الفقهاء بأنه لا يجوز للقارن أن يذبح هديه إلا في أيام النحر الثلاثة، يعني إما في اليوم العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر، ولا يجوز له أن يذبح هديه قبل هذا الوقت.

 وخالف في ذلك السادة الشافعية وقالوا بجواز ذبح دم القارن بعد الإحرام بالقران.

أما بالنسبة للأكل من هدي التمتع والقران فقد ذهب جمهور الفقهاء ما عدا الشافعية إلى جواز الأكل من هدي التمتع والقران، بل صرَّح الحنفية بأنه مستحبُّ للمهدي أن يأكل منها، ويجوز أن يطعم الغني منها.

أما السادة الشافعية فقالوا: لا يجوز للمُهدي أن يأكل شيء منها.

وبناء على ذلك:

فعند جمهور الفقهاء هذا الذبح ليس صحيحاً ويجب عليه أن يعيده، وصح عند السادة الشافعية ما دام أنه ذبحه بعد إحرامه بالقران.

وأما الأكل من لحم هذا الهدي فجائز عند الجمهور خلافاً للسادة الشافعية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم قارناً، وبعد طواف العمرة وسعيها قصَّر، وفسخ نيته بالقران وجعلها تمتعاً، فماذا يترتب عليه؟

الجواب: عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية يمنع فسخ القران أو الإفراد، وذلك لقول الله عز وجل: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196]، فقد أمر الله تعالى بإكمال أفعال الحج وأفعال العمرة لمن شرع في أي منهما، والفسخ ضد الإتمام، فلا يكون مشروعاً.

وذهب الحنابلة إلى أن من كان مفرداً أو قارناً ـ إذا لم يكن قد ساق الهدي، يستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفردة، ثم يهل بالحج، لأن التمتع عندهم أفضل، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما قدم مكة قال للناس: (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، وليُهدِ، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله).

وبناء على ذلك:

عند السادة الحنابلة لا يترتب عليه شيء، سوى شاة واحدة عن التمتع. وعند جمهور الفقهاء هذا الرفض لغو ولا يبطل به إحرامه ولا يخرج من أحكامه، ويترتب عليه أن يتابع إحرامه قارناً وعليه دمان، دم للقران، ودم للحلق، ودم القران والحلق يذبح في الحرم. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم بالحج مفرداً، وبعد أن طاف وسعى، أراد أن يجعل حجه تمتُّعاً، فهل يصح أن يقلب النية؟ وماذا يترتب عليه؟

الجواب: مَنْ أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً وجب عليه أن يبقى على إحرامه كما نوى، وذلك لقول الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196]. لذلك يمنع من فسخ إحرامه وعليه أن يكمل أفعال الحج والعمرة إذا شرع في أيٍّ منهما. وهذا عند جمهور الفقهاء.

وذهب الحنابلة خلافاً للجمهور، إلى استحباب فسخ القارن والمفرد نيةَ الحج أو القران، فينوي عمرةً، ويلغي ما أداه من مناسك الحج من طواف قدوم وسعي، ويبدأ بأعمال العمرة، وبعد إنهائها يحل، وفي اليوم الثامن يحرم من مكة بالحج.

وبناء عليه:

فلا حرج على من أفرد بالحج أن يفسخ نيته بالحج، ويقلبها إلى عمرة، ثم يحرم بالحج أخذاً بقول الحنابلة، وعليه شاة إن كان قادراً على الذبح، وإلا فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الطواف

سؤال: أيهما أعظم أجراً: صلاة النافلة بجوار الكعبة أم الطواف؟ وهل ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه رغَّب في الطواف حول البيت خمسين مرة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد روى الترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ، إِلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلا يَتَكَلَّمَنَّ إِلا بِخَيْرٍ).

وفي المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (يُنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ سِتُّونَ مِنْهَا للطَّوَّافينَ، وَأَرْبَعُونَ للعاكفينَ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَعِشْرُونَ مِنْهَا لِلنَّاظِرِينَ إِلَى الْبَيْتِ).

وفي رواية أخرى له: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ، يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ). وبلفظ قريب منه عند البيهقي في شعب الإيمان.

وجاء في سنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ).

وجاء في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من طاف بالبيت خمسين أسبوعاً خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه. ومعنى خمسين أسبوعاً: أي خمسين طوافاً، وكل طواف سبعة أشواط، ومن المعلوم أنه بعد كل سبعة أشواط يجب صلاة ركعتين سنة الطواف.

وبناء على ما تقدم:

فالطواف أعظم أجراً لأنه طواف وصلاة، والطائف له من الرحمة النازلة من عند الله عز وجل أكثر منها للمصلين، فله ستون، وللمصلي أربعون، وللناظر عشرون.

أما بالنسبة للطواف حول البيت خمسين طوافاً فإنه كما ورد في الحديث الشريف فيه مغفرة للذنوب، ويعود الطائف بعدها كيوم ولدته أمه.

نرجو الله تعالى أن يمنَّ علينا بزيارة الحرمين الشريفين، وأن يعتق رقابنا من النار. آمين. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز إهداء ثواب الطواف حول الكعبة للأهل أو للمتوفين كما في العمرة والحج؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلا حرج من إهداء ثواب الطواف للمؤمنين الأحياء منهم والميتين. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: لقد أكرمني الله عز وجل بأداء العمرة، وأكثرت فيها من الطواف بفضل الله عز وجل، ولكن ما كنت أصلي بعد كل طواف ركعتين، فهل يجب عليَّ قضاء الركعتين؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط واجبة سواء كان الطواف فرضاً أو نفلاً، وذلك لمواظبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على ذلك، كما جاء عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يصلي لكل سبع ركعتين. رواه عبد الرزاق.

وجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. رواه أبو داود.

وهذا إشارة إلى أن صلاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد الطواف امتثال لهذا الأمر، والأمر للوجوب.

وبناء على ما تقدم:

فإن صلاة ركعتين بعد الطواف واجب، سواء كان الطواف فرضاً أو نفلاً، والأولى أن يصلي عقب كل طواف ركعتين فإذا لم يصل فيجب أداؤهما بعدُ مهما طالَ الزمن. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز أن يتعجَّل الإنسان في طواف الإفاضة، حيث يأتي به قبل منتصف ليلة النحر؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن شروط صحة طواف الإفاضة أن يكون مسبوقاً بالإحرام وبالوقوف في أرض عرفة، وأن يؤدِّيه في الوقت المحدَّد له شرعاً، ووقته حين طلوع الفجر الصادق من يوم النحر، أي في العاشر من ذي الحجة، ولا يجوز طواف الإفاضة قبل هذا الوقت، فمن طاف قبل هذا الوقت فإنه لا يكفيه عن طواف الإفاضة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية.

أما مذهب الشافعية والحنابلة فأول وقته بعد منتصف ليلة النحر، هذا لمن أحرم ووقف بعرفة قبله، فمن طاف طواف الإفاضة بعد منتصف الليل صحَّ طوافه، وإلا فلا.

وبناء على ذلك:

فمن طاف طواف الإفاضة قبل منتصف الليل بعد الإحرام والوقوف بعرفة فإن طوافه لا يصح عند جمهور الفقهاء، وعليه إعادته، إما بعد منتصف الليل كما هو عند الشافعية والحنابلة، وإما بعد فجر يوم النحر كما عند الحنفية والمالكية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل حِجر سيدنا إسماعيل عليه السلام من الكعبة المشرَّفة يجب الطواف حوله؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فحِجر سيدنا إسماعيل عليه السلام من الكعبة، لقول السيدة عائشة رضي الله عنها: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عَنْ الْجَدْرِ أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: (إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ)، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: (فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ) رواه مسلم.

وبناء عليه:

فمن ترك الطواف به فإنه لا يعتدّ بطوافه عند جمهور الفقهاء لأنه جزء من الكعبة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ)؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ) رواه مسلم. فالطواف به ركن عند جمهور الفقهاء.

أما عند السادة الحنفية فالطواف به واجب، فمن تركه وجب عليه أن يعيد الطواف ما دام في مكة المكرمة، وإن رجع إلى بلده بغير إعادة فعليه دم عند الحنفية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: بعد النزول من عرفات رأيتُ زحاماً شديداً عند طواف الإفاضة، فنويت الجمع بينه وبين طواف الوداع، فهل صح طواف الوداع أم لا؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فطواف الإفاضة ركن من أركان الحج وذلك لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق}.

وأما طواف الوداع فهو واجب من واجبات الحج عند جمهور الفقهاء ما عدا المالكية حيث قالوا بسنيته، ودليل جمهور الفقهاء أمرُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، روى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) رواه مسلم.

واستدل المالكية على سنيته بنفس الحديث: (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) وقالوا: لو وجب لم يجز للحائض تركه.

وبناء على ذلك:

فلا يجمع بين طواف الركن وطواف الواجب بنية واحدة، فمن جمع بينهما بنية واحدة فإنه يقع عن طواف الإفاضة عند جمهور الفقهاء ولا يجزئ عن طواف الوداع عند من قال بوجوبه أو بسنيته. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل صحيح بأن طواف الوداع ليس بواجب في العمرة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فطواف الوداع للمعتمر ليس بواجب عند الحنفية وحدهم لو كان آفاقياً، لأنهم قالوا بوجوبه على من أدى مناسك الحج مفرداً أو متمتعاً أو قارناً.

وبناء على ذلك:

فمن قصد نسك العمرة لوحدها لا يجب عليه طواف الوداع عند الحنفية، أما من قصد نسك الحج أو التمتع أو القران وجب عليه طواف الوداع عند الحنفية. هذا، والله تعالى أعلم.

الموسوعة الفقهية الكويتية مصطلح (حج) ج17/58.

سؤال: امرأة حامل، وضعت حملها بعد الإفاضة من عرفات قبل طواف الإفاضة، وهي مضطرة للسفر مع القافلة قبل طهرها من النفاس، فماذا تفعل؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فعند السادة الحنفية رضي الله عنهم الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس والحدث الأصغر واجبةٌ في الطواف، فمن طاف بالبيت وهو مُحدِثٌ فطوافه صحيح، ويجب عليه الفداء لتركه واجب الطهارة.

فمن طاف طواف الإفاضة ـ جنباً أو حائضاً أو نفساء ـ فيجب عليه بدنةٌ إذا لم يُعِدْه أيامَ النحر، فإن أعاده أيامَ النحرِ سقط عنه الجزاء.

وبناء عليه:

فإذا اضطرت المرأة للسفر قبل طهرها من النفاس فإنها تطوف طواف الإفاضة وهي نفساء، وتنحر بدنةً.

وهناك رخصةٌ عند السادة المالكية كما جاء في حاشية العدوي على شرح خليل للخرشي، ونصه: (وأما إن انقطع الدم عنها يوماً وعلمت أنه لا يعود قبل انقضاء وقت الصلاة أو لم تعلم بعوده ولا بعدمه فيصحُّ طوافها، لأن المذهب أن النقاء أيامَ التقطع طُهرٌ، فيصح طوافها في هاتين الحالتين)اهـ.

وبناء على قول السادة المالكية: فلا مانع من أخذ دواء لقطع الدم، فإذا انقطع دمُها تغتسل وتطوف ويصحُّ طوافها إذا تمَّ بدون عودة الدم ثانية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: لو تأخر الإنسان عن طواف الإفاضة إلى ما بعد أيام العيد هل يترتب عليه دم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فبالنسبة لطواف الإفاضة ليس لآخره زمان معين، بل وقته جميع الأيام والليالي بالاتفاق.

ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أوجب أداءه في أيام النحر وهي اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، فإذا أخَّره عن هذه الأيام وجب عليه دم جزاء، وهو المفتى به عند الحنفية.

وعند المالكية لا يلزمه بالتأخير شيء إلا إذا خرج شهر ذي الحجة، فإذا أداه بعد شهر ذي الحجة وجب عليه دم.

وذهب باقي الفقهاء من الصاحبين والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلزمه شيء بالتأخير أبداً، فوقته عندهم مدى العمر، متى أداه سقط عنه ولا يجب عليه شيء ولو أخَّره سنين، ولكنه يظل محرماً على النساء. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز للمرأة الطواف أو السعي وهي تحمل طفلها الرضيع إذا كان عمره سنة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فاشترط الفقهاء لصحة الطواف الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وطهارة المكان، وطهارة الثوب.

وبناء على ذلك:

إذا كان الصغير الذي تحمله لا يستمسك بنفسه، فلا يجوز حمله أثناء الطواف عند السادة الحنفية، لأنها تعتبر في هذا الحال حاملة للنجاسة، وهذا لا يجوز. وأما إذا كان يستمسك بنفسه فطوافها صحيح، ولا تعتبر حاملة للنجاسة.

وأما عند السادة الشافعية فطوافها صحيح سواء كان الطفل يستمسك بنفسه أو لا، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنها في صلاته. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أفاض من عرفات، وتوجه إلى مكة مباشرة، فطاف طواف الإفاضة ثم حلق ولبس ثيابه، وفي اليوم الأخير من أيام التشريق، رمى عن يوم النحر وأيام التشريق، فماذا يترتب عليه؟ وهل يعد طواف الإفاضة مع التقصير سبباً للتحلل الأصغر أو الأكبر؟

الجواب: من واجبات الحج الرميُ، والهدي لمن كان قارناً أو متمتعاً، ثم الحلق والتقصير ثم طواف الإفاضة.

ويجب على الحاج أن يأتي بهذه الأمور بالترتيب على الشكل التالي:

1ـ رمي جمرة العقبة الكبرى.

2ـ الذبح إذا كان متمتعاً أو قارناً.

3ـ الحلق أو التقصير.

4ـ طواف الإفاضة.

فإذا أتى بالثلاثة الأولى مرتبة فإنه يتحلل التحلل الأصغر، وإذا طاف بعد ذلك فإنه يتحلل التحلل الأكبر.

وإذا خالف الترتيب بأن قدَّم أو أخَّر فإنه يجب عليه الدم عند الحنفية، ولا يجب عليه الدم عند الشافعية، لأنهم اعتبروا الترتيب سنة.

وبناء على ذلك:

عند الحنفية: إذا طاف ثم قصَّر ثم رمى وجب عليه الدم لوجوب الترتيب عندهم.

وعليه دم آخر لتأخير الرمي، لأنه من الواجب عند الحنفية أن يرمي عن كل يوم في وقته المحدد، فإن أخَّره ليوم ثان وجب عليه دم.

أما عند الشافعية: فلا شيء عليه، لأن الترتيب عندهم سنة.

وإني أنصح هذا الحاج: إذا كان ميسور الحال أن يخرج من الخلاف بين الفقهاء، بأن يذبح شاتين، شاة لعدم الترتيب بين أعمال الحج، وشاة أخرى لتأخير الرمي.

وإن أخذ بقول الشافعية فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، والحاصل كما يقول ابن قدامة في المغني: (لا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تُخرِج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرنا). هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام السعي

سؤال: حاج نوى التمتع، فطاف للعمرة وسعى وقصَّر، وبعدها أحرم بالحج، وبعد نزوله من عرفات طاف طواف الإفاضة، ولم يسع سعي الحج، وفي اليوم الثاني من أيام العيد طاف طواف نافلة وسعى سعي نافلة، فهل يصح هذا السعي عن سعي الحج؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن السعي ركن من أركان الحج خلافاً للسادة الحنفية الذين قالوا بوجوبه وليس بركنيته، فمن تركه عندهم لغير عذر وجب عليه دم، وإن تركه لعذر فلا شيء عليه.

والنية في السعي سنة عند جمهور الفقهاء، خلافاً للحنابلة الذين قالوا باشتراطها لصحة السعي.

وبناء على ذلك:

فمن سعى بين الصفا والمروة ولو بدون نية صح سعيه عن الحج عند جمهور الفقهاء، ولو نواه نافلة أجزأه عن سعي الحج. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة ذهبت لأداء العمرة، وبعد طوافها توجَّهت إلى المسعى، فَسَعَتْ شوطاً واحداً، ثم قطعت سعيها وتحللت، وعادت إلى بلدها، فماذا يترتب عليها مع العلم بأنها فقيرة؟ وماذا يترتب عليها كذلك لو لم تقصِّر؟

الجواب: السعي واجب من واجبات العمرة عند السادة الحنفية، وترك الواجب يوجب القضاء قبل الخروج من مكة، فإن خرجت فإنها تُجبر بالدم، وهو ذبح شاة تُذبح بالحرم وتُوَزَّع على فقراء الحرم، ولا قضاء بعد الذبح.

وبناء على ما تقدم:

فإنه يجب على المرأة ذبح شاة في الحرم، ويوزَّع لحمها على فقراء الحرم، ولا يجب عليها القضاء، وإذا كانت فقيرة لا تملك ثمن الشاة فهي في ذمتها حتى تملك ثمنها، فإن ماتت ولم تترك شيئاً، فلا شيء عليها، ونرجو الله عز وجل لنا ولها العفو والصفح، وفي كل الأحوال عمرتها صحيحة إن شاء الله تعالى، لأن ترك الواجب لا يفسدها. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الوقوف بعرفة

سؤال: هل صحيح بأن الحاج إذا وقف في أرض عرفة يوم عرفة في النهار ثم أفاض قبل الغروب تخلّصاً من الزحام فحجه صحيح ولا إشكال فيه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من بعد الزوال في اليوم التاسع من ذي الحجة، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق من يوم العيد. فمن وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه غير صحيح. هذا قول الجمهور.

أما الزمن الذي يستغرقه الوقوف:

فعند الحنفية والحنابلة: الواجب أن يجمع الحاج بين النهار والليل ولو شيئاً قليلاً.

وعند الشافعية: الجمع بين النهار والليل بعرفة سنة وليس بواجب.

وعند المالكية: الوقوف عندهم بالليل ركن، ويجب عندهم أن يقف بالنهار ولو زمناً قصيراً.

وبناء عليه:

فحج من أفاض من عرفات قبل الغروب باطل عند المالكية، وصحيح عند جمهور الفقهاء، ولكن يجب عليه دمٌ عند الحنفية والحنابلة، ويستحب عند الشافعية خروجاً من الخلاف. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الرمي

سؤال: هل يجوز أن أؤخر رمي الجمار كلها إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، وذلك بسبب شدة الزحام، وأنا لا أريد التوكيل عني في الرمي؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإذا أخَّر الحاج رمي كلِّ يومٍ عن وقته يجب عليه الدم عند الحنفية، وآخر وقت رمي جمرة العقبة الكبرى هو فجر اليوم التالي ليوم النحر، وآخر وقت الرمي عن اليوم الأول والثاني من أيام التشريق هو طلوع فجر اليوم التالي.

أما عند الشافعية والحنابلة فآخر وقت للرمي هو عند غروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر، وهو آخر أيام التشريق الثلاثة، فمن ترك رمي جمرة العقبة، أو رمي يوم أو يومين ثم تداركه فيما يليه من الزمن صحَّ رميه، وأما إذا لم يتدارك الرمي حتى غربت شمس اليوم الرابع فقد فاته الرمي، وعليه دم.

وبناء على ذلك:

فلا حرج من تأخير الرمي إلى آخر يوم من أيام النحر عند الشافعية ثم يرمي الجمار كلها، وإن كان الأولى له أن يرمي عن كل يوم في وقته المسنون إن أمكن، أو في وقت الجواز. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: لقد رميت الجمرات الثلاثة في اليوم الثاني من أيام العيد بعد العشاء، وبقيت في منى إلى ما بعد منتصف الليل، ثم رميت عن اليوم الثالث من أيام العيد، وغادرت منى قبل أذان الفجر إلى مكة المكرمة، فهل الرمي عن اليوم الثالث كان صحيحاً؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق (الثاني والثالث من أيام العيد) يبدأ وقته بعد الزوال ـ بعد صلاة الظهر ـ ولا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال باتفاق العلماء، ويروى عن الإمام أبي حنيفة جواز الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال لمن أراد أن يتعجل.

وبناء على ذلك:

فرميك الجمرات عن اليوم الأول من أيام التشريق الذي هو اليوم الثاني من أيام العيد بعد العشاء صحيح إن شاء الله تعالى، وأما رميك عن اليوم الثاني من أيام التشريق الذي هو اليوم الثالث من أيام العيد رمي غير صحيح، وما قال به أحد من العلماء.

لذلك وجب عليك دم بسبب تركك الرمي عن اليوم الثالث من أيام العيد، وأن يذبح في منطقة الحرم ويوزع على فقراء الحرم، ولا يجوز أن يذبح في بلدك. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل صحيح إذا غربت عليَّ الشمس في اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى وأنا في منى وجب علي الرمي عن اليوم الرابع؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فعند جمهور الفقهاء من السادة الشافعية والمالكية والحنابلة إذا غربت عليه شمس اليوم الثالث من أيام عيد النحر وهو في منى وجب عليه المبيت فيها والرمي عن اليوم الرابع من أيام عيد النحر الذي هو اليوم الثالث من أيام التشريق.

أما مذهب السادة الحنفية، فلا يجب عليه الرمي عن اليوم الرابع ـ ولو غربت شمس اليوم الثالث من أيام عيد النحر ـ إلا إذا طلع عليه فجر اليوم الرابع قبل أن يتجاوز حدود مِنى، وهي جمرة العقبة الكبرى من جهة مكة وجب عليه رمي اليوم الرابع.

وبناء على ذلك:

فوجب عليك الرمي عن اليوم الرابع عند جمهور الفقهاء ولا يجب عليك الرمي عند الحنفية إذا غادرت مِنى قبل أذان فجر اليوم الرابع. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إنسان رمى الجمرات الثلاثة في اليوم الثالث من أيام العيد، وبقي في منى إلى ما بعد المغرب، وبعدها توجَّه إلى مكة المكرمة مغادراً منى، فهل يجب عليه الرمي في اليوم الرابع من أيام العيد؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإذا رمى الحاج الجمار ثالث أيام العيد الذي هو اليوم الثاني من أيام التشريق فإنه يجوز أن ينفر ـ يعني يرحل ـ إلى مكة المكرمة إذا أحبَّ التعجيل في الانصراف من منى، فإذا رحل إلى مكة سقط عنه الرمي في اليوم الرابع من أيام العيد الذي هو اليوم الثالث من أيام التشريق، وذلك لقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}. وهذا الحكم متفق عليه بين الفقهاء.

ولكن اختلفوا في وقت جواز الرحيل:

ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والمالكية إلى أنه يجوز للحاج أن ينفر ـ يرحل ـ إلى مكة قبل غروب شمس اليوم الثالث من أيام العيد، فإذا غربت عليه الشمس وهو في منى وجب عليه المبيت ورمي اليوم الرابع من أيام العيد.

وخالف في ذلك الحنفية وقالوا: يجوز للحاج أن ينفر ـ يرحل ـ من منى إلى مكة ما لم يطلع عليه فجر اليوم الرابع من أيام العيد، فإذا طلع عليه الفجر فلا يجوز له أن يرحل إلى مكة لأنه وجب عليه أن يرمي في اليوم الرابع.

يقول ابن الهمام: (ليس الليل وقتاً لرمي اليوم الرابع فيكون خياره في النفر باقياً فيه كما قبل الغروب من الثالث، فإنه مخيَّر في النفر قبل الغروب إجماعاً لأنه لم يدخل وقت الرمي الرابع، وهذا ثابت في ليلته). اهـ. ولكن يكره له النفر بعد الغروب.

وبناء على ذلك:

فعند السادة الحنفية لا شيء عليه ما دام نفر من منى قبل أذان الفجر من اليوم الرابع، مع الكراهة في ذلك.

وعند جمهور الفقهاء يجب عليه الرمي في اليوم الرابع من أيام العيد فإذا لم يرم وجب عليه الدم عندهم. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أفاض من عرفات وتوجه من مزدلفة إلى مكة المكرمة، وطاف طواف الإفاضة وحلق، ثم سافر ولم يرم الجمرات، فماذا يترتب عليه؟

الجواب: الحج صحيح إن شاء الله تعالى، ويلزمه ذبح شاة في مكة ويوزع لحمها على فقراء الحرم جزاء تركه الرمي في يوم النحر وأيام التشريق، هذا إذا كان مفرداً بالحج فقط، وأما إذا كان متمتعاً أو قارناً فعليه ذبح شاة أخرى في الحرم كذلك.

وإذا ترك طواف الوداع فعند جمهور الفقهاء عليه دم، وعند المالكية لا دم عليه في ترك طواف الوداع لأنه سُنَّة عندهم.

وبناء عليه:

1ـ عليه شاة واحدة تذبح في الحرم ويوزع لحمها على فقراء الحرم، إذا كان مفرداً.

2ـ عليه شاة ثانية إذا كان متمتعاً أو قارناً.

3ـ عليه شاة ثالثة إذا ترك طواف الوداع، هذا عند جمهور الفقهاء عدا المالكية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أكرمني الله عز وجل بالحج في هذا العام، ورميت ثاني أيام التشريق الجمرات الثلاث بعد العشاء، وتوجهت إلى مكة المكرمة. فأخبرني بعضهم بأنه كان من الواجب علي أن أرمي عن اليوم الثالث من أيام التشريق، وطبعاً ما رميت عن اليوم الثالث. فهل يترتب عليَّ شيء؟

الجواب: يعدُّ الحاج متعجِّلاً عند الحنفية إذا غادر منى قبل فجر اليوم الثالث، على خلاف الجمهور الذين يوجبون على المتعجل أن يغادر منى قبل غروب شمس اليوم الثاني للتشريق، فإذا بقي إلى ما بعد فجر اليوم الثالث لزمه الرمي في اليوم الثالث.

وبناء عليه:

فإن مغادرتك منى بعد الرمي عن اليوم الثاني من أيام التشريق قبل أذان فجر اليوم الثالث تعجُّل صحيح، ولا يترتب عليك شيء عند الحنفية.

وعند جمهور الفقهاء يجب عليك الرمي عن اليوم الثالث، فإذا لم ترم وجب عليك دم عندهم. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الحلق والتقصير

سؤال: رجل بعد أن انتهى من السعي للعمرة قصَّر شعره ريثما يرجع للفندق، فلما رجع حلق فهل له أجر المقصِّر أم الحالق؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإذا انتهى من مناسك العمرة وقصّر ثم أتى بشيء من محظورات الإحرام بعد التقصير فله أجر المقصِّر، أما إذا لم يأت بشيء من محظورات الإحرام إلا بعد الحلق فله أجر الحلق إن شاء الله تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أكرمني الله بالحج والحمد لله، وحلقت رأسي بالموس تطبيقاً لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهل من مانع شرعي بالاستمرار على هذه الحلاقة بسبب خفة الشعر المتوفر؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأسأل الله تعالى أن يتقبل حجكم ويجعله مبروراً وأن يخلف عليكم نفقتكم، وأرجوكم دعوة صالحة بظهر الغيب.

أما بالنسبة لحلق شعرك بالموسى في الحج والعمرة فهو سنة، أما الاستمرارية على حلقه فليس من السنة والله تعالى أعلم، وأنا أرجح لكم أن تأخذوا برأي أهل بيتكم، لأن من المعاشرة بالمعروف أن يتزين الرجل لزوجته، كما يحب منها هذا، فإن كانت ترغب بذلك ولا تتضايق وحلقت شعرك بالموسى بغية الاتباع أُجرت إن شاء الله تعالى، أما إذا كانت أهلك لا ترغب بذلك فعليك أن تحقِّق لها رغبتها. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: سافرت إلى العمرة مع والدي، وعندما أحرمت بها كنت في الحيض، انتهى والدي من أداء مناسك العمرة وعاد إلى المسكن الذي نحن فيه، وقمت أنا بتحليله فقصرت له من شعره، وأنا محرمة، فهل يترتب علي شيء؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن محظورات الإحرام حلق المحرم رأسه أو رأس محرم غيره إذا لم يفرغ من أداء النسك، وهذا باتفاق الفقهاء.

واختلف الفقهاء في حلق المحرم للحلال، فحظره الحنفية، وأجازه الجمهور واستدلوا على ذلك بأن المحرِم حَلَقَ شعراً لا حرمة له من حيث الإحرام، فلا يمنع ولا جزاء عليه.

واستدل الحنفية: بأن المُحرِم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره كذلك، لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. والإنسان لا يحلق رأس نفسه عادة، إلا أنه لما حرم عليه حلق رأس غيره حرم عليه حلق رأس نفسه من طريق أولى، وسواء كان المحلوق حلالاً أو حراماً. كما جاء في البدائع.

وبناء على ذلك:

فيجب عليك دم عند السادة الحنفية، ولا شيء عليك عند الجمهور. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل ذهب إلى الحج، وبعد أداء المناسك ــ من وقوف بأرض عرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة الكبرى، وطواف الإفاضة ــ نسي التقصير أو الحلق، ثم ذهب إلى بيته وتطيَّب وتعطَّر، بعد لبس المخيط، ثم تذكر بعد ذلك، فقام وقصَّر. فماذا يترتب عليه؟

الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن حلق شعر الرأس للمحرم أو تقصيره واجب من واجبات الحج، وهو ركن عند الشافعية.

ولا يكون التحلل الأصغر إلا بالحلق. فمن لبس المخيط أو تطيَّب قبل الحلق وجب عليه الدم عند جمهور الفقهاء.

وبناء عليه:

فيجب على هذا الحاج أن يذبح شاة في منطقة الحرم، ويوزع لحمها على فقراء الحرم، تكفيراً لخطئه الذي وقع فيه من لبس الثياب والتعطر، قبل الحلق، لأن الحلق واجب، وترك الواجب يوجب دماً عند جمهور الفقهاء.

أما عند الشافعية فهو مخيَّر بين الذبح أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز للمحرم أن يحلِّل غيره بحلق الشعر أو تقصيره قبل أن يتحلل هو؟

الجواب: يحظر على المُحرِم حلق رأسه أو رأس محرِمٍ غيره ما لم يفرغ الحالق والمحلوق له من أداء المناسك.

أما إذا انتهى الرجل من أداء مناسك الحج أو العمرة ولم يبق عليه إلا الحلق، فإنه يجوز أن يحلق لغيره إذا انتهى صاحبه من مناسك الحج أو العمرة، ولو لم يحلق هو، لأن المحظور على المحرم أن يحلق لنفسه أو لغيره وهو لم ينته من مناسك الحج أو العمرة.

وبناء عليه:

فإذا فرغا من مناسك الحج أو العمرة فإنه يجوز أن يحلق أحدهما للآخر، وهذا بالاتفاق بين الفقهاء. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام المبيت بمنى ومزدلفة

سؤال: هل يقبل الحج دون المبيت في مزدلفة؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالوقوف بالمزدلفة واجب عند جمهور الفقهاء، فمن تركه وجب عليه دم، وحجه صحيح إن شاء الله تعالى.

واختلف الفقهاء في وقت وجوب الوقوف بالمزدلفة:

1ـ عند السادة الحنفية: الوقوف ما بين طلوع فجر يوم النحر إلى طلوع الشمس، فمن وقف في هذا الوقت أتى بالواجب، وإلا فعليه دم.

2ـ عند المالكية: النزول بمزدلفة قدر حط الرحال واجب في ليلة النحر، والمبيت فيها سنة، فمن وقف فيها ليلة النحر بمقدار حط الرحال أي في أي وقت من الليل أتى بالواجب، وإلا فعليه دم.

3ـ عند الشافعية والحنابلة: يجب الوقوف بمزدلفة بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة، فمن وقف فيها بعد منتصف الليل فقد أتى بالواجب، وإلا وجب عليه الدم.

ورضي الله عن جميع الفقهاء حيث كان اختلافهم رحمة بالأمة، فمن أخذ بقول مذهب من هذه المذاهب الأربعة المعتمدة صح حجه إن شاء الله تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: بعد الإفاضة من عرفات وصلنا إلى المزدلفة بعد العشاء بقليل، فصلينا المغرب والعشاء جمع تأخير، وأفضنا من مزدلفة إلى منى، رمينا جمرة العقبة في الساعة التاسعة، وتوجَّهنا إلى مكة المكرمة فطفنا طواف الإفاضة وكانت الساعة العاشرة مساء، فهل صحَّ المبيت في المزدلفة؟ وهل صحَّ رمي جمرة العقبة الكبرى قبل منتصف الليل؟ وهل صحَّ طواف الإفاضة قبل منتصف الليل كذلك؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: من بات بمزدلفة قبل منتصف ليلة النحر قدر حطِّ الرحال أجزأه عند المالكية فقط، ولم يجزه عند الأئمة الثلاثة، ويجب عليه الدم عندهم خلافاً للمالكية.

ثانياً: أما رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر فيبدأ وقته من طلوع فجر يوم النحر عند الحنفية والمالكية، فمن رمى قبل يوم النحر ما صحَّ رميه وعليه الإعادة، فإن لم يعد الرمي وجب عليه الدم عندهم.

أما عند السادة الشافعية والحنابلة فيبدأ وقت الرمي عن يوم النحر إذا انتصفت ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله. فمن رمى قبل منتصف الليل لم يصحَّ رميه عند الشافعية والحنابلة، ويجب عليه إعادة الرمي، وإلا فعليه دم.

وبناء على ذلك:

فمن رمى جمرة العقبة الكبرى قبل منتصف الليل لم يصحَّ رميه، ويجب عليه إعادته، فإذا لم يعد وجب عليه الدم بالاتفاق.

ثالثاً: أما بالنسبة لطواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج، فيبدأ وقته عند الحنفية والمالكية حين يطلع الفجر الصادق من يوم النحر، أي العاشر من ذي الحجة، فمن طاف قبل هذا الوقت فإنه لا يكفيه عن طواف الركن.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أوَّل وقت لطواف الإفاضة يكون بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله، فمن طاف قبل منتصف ليلة النحر لم يصحَّ طوافه عندهم.

وبناء على ذلك:

فمن طاف طواف الإفاضة قبل منتصف ليلة النحر لم يصحَّ طوافه بالاتفاق عن طواف الركن، وعليه إعادته، فإن رجع إلى بلده بدون طواف بعد منتصف ليلة النحر فذمَّته لم تبرأ من طواف الإفاضة، وما زال مُحْرِماً عن النساء حتى يرجع إلى مكة المكرمة ويطوف طواف الإفاضة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أكرمني الله عز وجل بالحج في هذا العام، وفي يوم عرفة وبعد الغروب أفضنا إلى مزدلفة، ووصلنا إليها بعد العشاء بساعة، فأقمنا فيها لمدة ساعة وصلينا العشاءين، ثم توجَّهنا إلى منى قبل منتصف الليل، فهل صح الوقوف في المزدلفة أم لا؟

الجواب: الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق الأئمة، فمن تركه وجب عليه دم.

وزمن الوقوف اختلف فيه الفقهاء:

فعند الحنفية: زمن الوقوف ما بين طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس، كما جاء في حاشية ابن عابدين رحمه الله: وأول وقته طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وآخره طلوع الشمس منه، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لا يعتد به. وقدر الواجب منه ساعة ولو لطيفة.

وعند الشافعية: وقت الوقوف بعد منتصف الليل ولو لحظة بعد الوقوف بعرفة.

وعند الحنابلة: زمن الوقوف في أي لحظة بعد النصف الثاني من الليل.

وعند المالكية: يجب النزول بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة المغرب والعشاء وتناول شيء من أكل أو شرب فيها.

وبناء على ما تقدم:

وجب على من ترك المبيت بعد منتصف الليل ولو لحظة دم عند الشافعية والحنابلة، وكذلك عند الحنفية لأن الواجب عندهم الوقوف بعد فجر يوم النحر إلى طلوع الشمس. ولا شيء عليه عند المالكية. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام جنايات الحج والعمرة وكفاراتها

سؤال: إذا وجب عليَّ هدي التمتع ولم أجد ثمن الهدي، فماذا يترتَّب عليَّ في هذه الحال؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

لذلك قال الفقهاء: من لم يجد هدياً يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا باتفاق الفقهاء.

فمن أحرم بالحج والعمرة قارناً، فإنه يجوز له أن يقدِّم صيام الأيام الثلاثة على الوقوف بعرفة بالاتفاق.

وأما إذا كان متمتِّعاً فإنه يجوز أن يقدِّم صيام الأيام الثلاثة بعد إحرامه بالعمرة وقبل إحرامه بالحج، وهذا عند الحنفية والحنابلة. أما عند المالكية والشافعية فلا يجوز له التقديم حتى يحرم بالحج.

أما بالنسبة للأيام السبعة الباقية فلا يصح صيامها إلا بعد أيام التشريق، ويجوز أن يصومها في مكة عند جمهور الفقهاء بعد أيام التشريق ولكن المستحبَّ صومها إذا رجع إلى أهله.

وأما من لم يصم الأيام الثلاثة في الحج فيقضيها عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية وجب عليه الدم ولا يجزيه غيره. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل حجَّ وبعد الإفاضة من عرفات قصر، وغادر مكة بدون طواف الإفاضة وبدون رمي الجمار، وعاشر زوجته، فماذا يترتَّب عليه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فما دام وقف في عرفة فقد صحَّ حجه إن شاء الله تعالى، وبقي عليه طواف الإفاضة، فلا بد من فعله في أي وقت كان، وهو مُحْرِمٌ حتى يطوف طواف الإفاضة، وتحرم عليه النساء.

ولهذا يجب عليه أن يذهب إلى مكة المكرمة ويرجع بإحرامه المتبقي دون حاجة لإحرام جديد، فيطوف طواف الإفاضة، ولا يتم حجه إلا بذلك، وتترتب عليه الدماء التالية:

أولاً: تجب عليه بدنة لكونه جامع زوجته بعد الوقوف وقبل التحلل الأول، لأنَّ التحلل الأول لا يكون إلا بفعل ثلاثة أمور عند الحنفية وهي الرمي والحلق والذبح إذا وجب عليه الهدي وعند الجمهور يكفي اثنان من هذه الثلاثة، فهُوَ حَلَقَ ولم يرمِ، ومعنى هذا أنه لم يتحلل التحلل الأول بالإجماع، لذلك وجب عليه بدنة عند جمهور الفقهاء.

ثانياً: تجب عليه شاة للبسه المخيطَ لكونه ما تحلل التحلل الأول، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ) رواه أحمد. فهو حَلَقَ ولم يَرْمِ، لذلك لم يتحلَّل التحلُّلَ الأول.

ثالثاً: تجب عليه شاة ثانية لتركه الرمي.

رابعاً: تجب عليه شاة ثالثة إذا لم يكن قد سعى سعي الحج، ولكن بعودته لطواف الإفاضة إذا سعى سعي الحج بعدَه سقط عنه الدم.

خامساً: تجب عليه شاة رابعة إذا كان قارناً أو متمتعاً.

وكل هذه الدماء تكون في مكة المكرمة ويوزع لحمها على فقراء الحرم، ولا يأكل منها شيئاً إلا هدي التمتُّع والقران فإنه يجوز له الأكلُ منه. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أراد الحج، وتجاوز الميقات بدون إحرام، وهو فقير لا يملك قيمة الدم، فماذا يترتب عليه؟ وآخر أحرم بالحج وعاشر زوجته قبل الوقوف بعرفة وهو كذلك فقير لا يملك قيمة دم الجزاء فماذا يترتب عليه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن دماء الجنايات على الإحرام تجب على المخالف، ولكن ليس على الفور، وهي في ذمته إلى أن يجد قيمة الدم، ولا ينتقل إلى الصيام، فإن لم يجد فعليه بالتوبة والاستغفار، كما عليه التوبة في صورة أداء كفارة.

وأما بالنسبة لمن تجاوز الميقات بدون إحرام فيجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليُحرِم منه، فإن لم يرجع وجب عليه الدم، فإن كان فقيراً ينتظر حتى يجد قيمة الدم، وإلا فعليه بالتوبة والاستغفار في سائر الأحوال.

جاء في ردِّ المحتار: (وَأَمَّا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالإِغْمَاءُ وَالإِكْرَاهُ وَالنَّوْمُ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَلَيْسَتْ بِأَعْذَارٍ فِي حَقِّ التَّخْيِيرِ، وَلَوْ اُرْتُكِبَ الْمَحْظُورُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَوَاجِبُهُ الدَّمُ عَيْنًا، أَوْ الصَّدَقَةُ، فَلا يَجُوزُ عَنْ الدَّمِ طَعَامٌ وَلا صِيَامٌ، وَلا عَنْ الصَّدَقَةِ صِيَامٌ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ). هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إنسان أحرم بالعمرة وقبل أداء مناسك العمرة عاشر زوجته، فماذا يترتب عليه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن عاشر زوجته بعد الإحرام بنسك العمرة وقبل الانتهاء من مناسكها فقد أفسدها، ووجب عليه أن يتمَّ العمرة الفاسدة، ثم يقضي العمرة بعد ذلك، هذا عند جمهور الفقهاء.

ويجب عليه ذبح شاة عند جمهور الفقهاء، وذبح بدنة عند الشافعية ويوزع اللحم على فقراء ومساكين الحرم.

وبناء على ذلك:

أولاً: وجب على هذا المعتمر إتمام عمرته الفاسدة، ثم قضاؤها.

ثانياً: وجب عليه ذبح شاة ويوزع لحمها على فقراء ومساكين الحرم، وهي في ذمته، فإن عاد إلى بلده وجب عليه أن يوكِّل أحداً بشراء الشاة وذبحها وتوزيعها في الحرم.

وإن كان فقيراً فهي دين في ذمته عند جمهور الفقهاء حتى يملك ثمنها، وعند السادة المالكية إن كان فقيراً لا يملك ثمن الشاة يصوم عشرة أيام. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الإحصار

سؤال: رجل أحرم قارناً، بعد طوافه وسعيه أُلقي عليه القبض ورُحِّل إلى بلده، ولم يؤدِّ فريضة الحج، فماذا يترتَّب عليه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. والمُحْصَر هو من مُنِعَ من المضيِّ في النُّسُك وحُبِسَ عن إتمام مناسك الحج والعمرة.

وبناء عليه:

فهذا الحاج أُحصِر عن الوقوف بعرفة بعد طوافه بالبيت وسعيه للعمرة، فبإمكانه أن يتحلَّل من العمرة بعد فوت الوقوف في عرفة، وبذلك يكون قد أتمَّ عمرته، ولا دم عليه ولا قضاء العمرة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة أحرمت بالعمرة واشترطت في إحرامها أنَّ حلَّها في المكان الذي تحبس فيه، وجاءتها حيضتها ولم تتمكن من أداء العمرة، فماذا يترتب عليها؟

وامرأة ثانية اشترطت هذا الشرط، وحاضت بعد الطواف وقبل السعي، فماذا يترتب عليها؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: فالاشتراط في الإحرام هو أن يقول المحرم عند الإحرام: (إني أريد الحج) مثلاً، أو (العمرة، فإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني).

وقد اختلف الفقهاء في مشروعية هذا الشرط:

فذهب الشافعية إلى صحة الاشتراط، وأنه يفيد إباحة التحلُّل من الإحرام عند وجود الحابس كالمرض، فإذا لم يشترط لم يجز له التحلُّل.

ثم إن اشترط في التحلُّل أن يكون مع الهدي وجب الهدي، وإن لم يشترط فلا هدي عليه.

وهذا مذهب الحنابلة كذلك، بل قالوا: يستحبُّ لمن أحرم بنسك حج أو عمرة أن يشترط عند إحرامه، فإذا أحلَّ عند وجود عائق فلا دم عليه ولا صوم.

أما عند السادة الحنفية والمالكية فالاشتراط غير جائز، ولا يفيد في التحلُّل عند حصول المانع.

ثانياً: ذكر الفقهاء من سنن السعي الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة، فلو سعى المعتمر أو الحاج وهو محدث حدثاً أكبر أو أصغر صحَّ سعيه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) رواه البخاري، وهذا الحديث يدلُّ دلالة صريحة على جواز السعي بغير طهارة.

وبناء على ذلك:

فالمرأة التي أحرمت واشترطت إن حبسها حابس فمحلُّها حيث حبسها، وجاءتها حيضتها ولم تتمكن من أداء العمرة فلها أن تحلَّل من العمرة ولا شيء عليها عند السادة الشافعية والحنابلة.

أما المرأة الثانية التي اشترطت وحاضت بعد الطواف وقبل السعي، فلها أن تسعى وهي حائض، بعد أن تشد على نفسها، ولا شيء عليها بإجماع الفقهاء، لأن الطهارة شرط في الطواف دون السعي. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام الحج عن الغير

سؤال: ما حكم من أخذ الأجر للحج عن متوفى؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيشترط لصحة الحج عن الغير عن الحجة المفروضة عن المحجوج عنه شروط:

1ـ أن يأمر الأصيل بالحج عنه إذا كان حياً، أما إذا كان ميتاً فلا بدَّ من وصيته عند الحنفية والمالكية، خلافاً للشافعية والحنابلة الذين قالوا: يحج عنه من تركته أوصى أم لم يوصِ، وذلك بعد سداد ديونه.

2ـ أن تكون نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها عند الحنفية، والشافعية أجازوا التبرّع بالحج عن الغير.

3ـ أن يحج عنه من وطنه إن اتسع ثلث تركته، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ، وهذا عند الحنفية، أما عند الشافعية فإنه يحج عنه بدون شرط الثلث، بل قالوا: يجب الحج عنه ولو استوعبت النفقة جميع مال الميت.

4ـ أن يكون الحاج عن الغير قد حجَّ عن نفسه.

5ـ أن يحرم من الميقات عن الشخص الذي يحج عنه.

أما الاستئجار على الحج فلا يجوز عند الحنفية وعند الإمام أحمد فرضاً أو نفلاً، فلو عقدت الإجارة للحج عن الغير فهي باطلة عند أبي حنيفة، لكن الحجة عن الأصيل صحيحة. وعند الشافعية يصح الاستئجار على الحج الفرض أو النفل. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم بالحج، وقبل أداء المناسك توفاه الله تعالى، فهل يجب على ورثته أن يحجوا عنه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فنسأل الله لنا وله حسن الخاتمة، والعبد يُبعث يوم القيامة على الحالة التي توفي عليها، فهذا العبد إن شاء الله تعالى يُبعث يوم القيامة ملبِّياً.

أما بالنسبة للحج عنه من قبل ورثته أو الإحجاج عنه من ماله، فعند جمهور الفقهاء لا يجب عليهم من ذلك شيئاً، إلا إذا أوصى بذلك قبل موته، وإذا كان حال الورثة من الناحية المادية جيداً فمن البرِّ والوفاء لمورثهم أن يرسلوا من يحجُّ عنه أو يحج أحدهم عنه. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أوصى بالحج عنه، فتبرع بعض الورثة بالحج عنه، فهل يجزئ هذا عن المتوفى الموصي بالحج؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد ذكر فقهاء الحنفية من شروط صحة الحج عن الغير أن يكون الميت قد أوصى بالحج عنه، وأن تكون النفقة من ماله، كلُّها أو أكثرُها، لكن إذا تبرَّع الوارث بالحج عن مورِّثه تبرأ ذمَّة الميت إن لم يكن أوصى بالإحجاج عنه إن شاء الله تعالى.

جاء في الدر المختار وحاشية ابن عابدين: (وبشرط الأمر به، أي بالحجِّ عنه، فلا يجوز حجُّ الغير بغير إذنه، إلا إذا حجَّ أو أحجَّ الوارث عن مورِّثه، لوجود الأمر دلالة).

وجاء في موضع آخر: (الرابع: الأمر، أي بالحج، فلا يجوز حجُّ غيره بغير أمره إن أوصى به، أي بالحجِّ عنه، فإنه إن أوصى بأن يُحَجَّ عنه فتطوَّع عنه أجنبي أو وارث لم يجز، أوصى بحج فتطوع عنه رجل لم يَجْزِه، وإن أمره الميت، لأنه لم يحصُل مقصوده وهو ثواب الإنفاق، لكن لو حجَّ عنه ابنه ليرجع في التركة جاز إن لم يقل من مالي).

وبناء على ذلك:

 فما دام أوصى بالحج عنه فيجب أن يُحَجَّ عنه من ماله، ولا يجزئ عنه التبرع من بعض ورثته إلا إذا نوى الرجوع في تركته. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل طلب من آخر أن يحج عن أبيه، فسافر لأداء الحج وعند الحدود منع من الدخول إلى الأراضي السعودية لسبب ما، فرجع إلى بلده دون أن يحج عن الغير، فما أنفقه هل يكون على حسابه أم على حساب من أرسله؟

الجواب: الحاج عن الغير إن قُطع عليه الطريق، ومُنع من متابعة السفر، وهو لا يعلم وجود المانع، فما أنفقه على نفسه في هذا السفر من بداية الذهاب إلى العودة لا يكون ضامناً لـه، بل هو على حساب من أرسله، لأن الحج فاته بسبب إحصاره في الطريق على غير اختياره، فما أنفقه لا ضمان عليه فيه، لأنه منع عن الحج بدون اختياره، وإلا فهو ضامن ما أنفقه. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل غني بلغ من العمر ستين عاماً، ويرغب بأداء فريضة الحج، لكن صحته لا تمكنه من ذلك، فهل يجوز أن يرسل عنه أحداً، أم لا؟ ولمن يكون أجر الحج وثواب الزيارة؟

الجواب: إذا وجب الحج على شخص فحج عنه غيره بأمره وكان الآمر عاجزاً عن أداء فريضة الحج بنفسه، وكانت نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها، ونوى المأمور الحج عن الآمر صح الحج عن الغير، وسقط الفرض عن الآمر إذا استمر العجز إلى الموت، ولكن إذا برئ وتمكن من الحج وجب عليه الإعادة.

أما الأجر لمن يكون؟ لا شك أن الآمر لـه ثواب الحج والزيارة، وكذلك بالنسبة للمأمور. بل ذكر بعض الفقهاء أن حج الإنسان عن غيره أفضل من حجه عن نفسه بعد أن أدى فرض الحج هو عن نفسه، لأنَّ نفعه يكون متعدياً. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إنني أرغب في أن أدفع مبلغاً مالياً لقاء أن يقوم أحد الأشخاص بأداء الحج عن والدتي التي توفاها الله في الشهر الفائت. إن والدتي المرحومة قد أدت أثناء حياتها فريضة الحج ولكنني أرغب أن أهديها المزيد من الثواب عن طريق حج البدل. أفتاني أحد الأشخاص بعدم جواز حج البدل عن والدتي لكوني لم أقم بتأدية الحج عن نفسي، فما الحكم في ذلك؟

الجواب: أسأل الله لنا ولها ولكم الرحمة، وأعظم الله أجركم وأحسن عزاءكم وغفر لميتكم.

أما بالنسبة للحج عنها: فإن كان هذا المال يبلغك بيت الله الحرام وأنت لم تحج بعد، وبوسعك أن تسافر إلى الحج فالواجب عليك أن تؤدي هذه الفريضة عن نفسك حتى تبرأ ذمتك بإذن الله تعالى.

وأما إذا كان المال الذي عندك لا يبلغك بيت الله الحرام لأداء هذه الفريضة، أو لم يؤذن لك من خلال النظام المتبع، فلا حرج في إرسال أحد للحج عنها، ونرجو الله تعالى أن يكتب لها الأجر بالحج. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب أحكام العمرة

سؤال: بعد أن انتهيت من أعمال العمرة من طواف وسعي بدون تقصير ذهبت إلى الفندق وأنا متعب جداً فلبست المخيط ونمت حوالي أربع ساعات بعد صلاة الفجر، ثم استيقظت وقصرت، فهل يجب علي شيء؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمذهب الحنفية: أنه من لبس المخيط نهاراً كاملاً أو ليلة كاملة أو أكثر النهار أو أكثر الليل قبل الانتهاء من مناسك الحج أو العمرة وجب عليه دم، وإن كان أقل من يوم أو ليلة فعليه صدقة.

أما مذهب الشافعية والحنابلة: فيجب عليه دم طال زمن اللباس أو قصر.

وبناء على ذلك:

فإذا كانت مدة لباس المخيط أقل من يوم أو أقل من ليلة فعليك صدقة عند الحنفية، وشاة تذبح في الحرم عند الشافعية، وأنت مخير بالأخذ بأحد المذهبين. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة أحرمت بالعمرة، وبعد طواف شوطين من طواف العمرة، تحللت من عمرتها، فماذا يترتب عليها، إن عادت إلى وطنها؟ وماذا يترتب عليها إن كانت في مكة المكرمة.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهي محرمة ومتلبسة بالنسك سواء عادت إلى بلدها أو هي في مكة المكرمة، وعليها الطواف والسعي والتقصير، وذبح شاة بسبب تحللها بعد طواف الشوطين.

وإن عادت إلى بلدها فعليها العودة إلى مكة للطواف والسعي والتقصير، ولا يجوز لها في بلدها أن تفعل شيئاً من محظورات الإحرام حتى تتم عمرتها. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل أحرم بالعمرة فطاف وسعى ولم يحلق، وأحرم بعمرة ثانية، فماذا يترتب عليه؟ وكيف يتحلَّل من العمرتين؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن أحرم بالعمرة وطاف وسعى ولم يبق عليه إلا الحلق، فأحرم بعمرة ثانية، لزمته الثانية، ولا يجوز له أن يرفضها، وعليه دم لأنه جمع بين إحرامين، والجمع بين إحرامين لعمرتين مكروه تحريماً، وإن حلق للعمرة الأولى قبل الفراغ من العمرة الثانية لزمه دم آخر بسبب جنايته على إحرام العمرة الثانية.

أما إذا حلق بعد الفراغ من العمرة الثانية فلا يلزمه شيء، وصحَّ تحلُّله بالحلق من العمرتين.

وبناء على ذلك:

فإنه يترتب على من أحرم بالعمرة الثانية قبل الحلق للأولى دم، لأنه جمع بين إحرامين، ويتحلَّل بعد طوافه وسعيه للعمرة الثانية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: إذا نذر شخص العمرة هل تصبح واجبة عليه؟ وإذا توفي بعد ذلك ولم يعتمر، فهل يجب على ورثته أن يعتمروا عنه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 فما دام نذر أن يعتمر فيجب عليه أداء هذه العمرة، وذلك لقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}. وإذا توفي قبل أداء العمرة وجب على ورثته أن يعتمروا عنه من ماله، أو يرسلوا أحداً عنه إن ترك مالاً، وإلا فلا يجب عليهم شيء إلا أن يتبرَّعوا بالعمرة عنه.

وبناء على ذلك:

فالعمرة المنذورة يجب الوفاء بها في حال حياة الناذر، إن كان قادراً ومستطيعاً على أدائها، وإن كان فقيراً عند النذر فعليه كفارة يمين إن لم يتمكن من الذهاب.

وإذا مات فيجب على الورثة أن يعتمروا عنه إن ترك مالاً وإلا فلا. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل ذهب لأداء العمرة، فسمع أحد العلماء يقول: إنه لا يجوز له أن يعتمر مرة أخرى ويحرم من التنعيم، لأن الإحرام لأهل الشام لا يكون إلا من الميقات (آبار علي)، فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد أجمع الفقهاء على أن المكي ـ سواء أكان من أهلها أم لا ـ لا بدَّ له من الخروج إلى الحل، ثم يحرم من  الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم.

والتنعيم موضع في الحل في الشمال الغربي من مكة المكرمة، وهو حدُّ الحرم من جهة المدينة المنورة، وسمي التنعيم بهذا الاسم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، أو نعيم والوادي نعمان.

واختلف الفقهاء في أفضل بقاع الحل للاعتمار:

فذهب المالكية وجمهور الشافعية وهو أحد الوجهين عند الحنابلة إلى أن أفضل البقاع من أطراف الحل لإحرام العمرة الجعرانة، ثم يليها في الفضل التنعيم.

وذهب الحنفية والحنابلة في وجه وبعض الشافعية إلى أن أفضل جهات الحل التنعيم، فالإحرام منه أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه بأن يذهب بأخته السيدة عائشة رضي الله عنها إلى التنعيم لتحرم منه.

وبناء على ذلك:

فلا خلاف بين الفقهاء في أن التنعيم من الحل، والإحرام منه للعمرة جائز بالاتفاق لمن كان من أهل مكة أو من في حكمهم. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: ما حكم إهداء العمرة لشخص آخر حياً كان أو ميتاً؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 فلا حرج من إهداء ثواب العمرة لإنسان مؤمن حياً كان أم ميتاً، وهذا لا يتناقض مع قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}. لأن الآية تتحدث عما يستحقه الإنسان من أجر على أعمال في حال حياته.

أما الهبة ـ والتي هي من عمل الآخرين ـ فتصل إلى الموهوب له إن شاء الله تعالى دون أن ينقص من أجر الواهب شيء، أليس الدعاء من المؤمن لأخيه المؤمن واصلاً إليه، مع أنه ليس من عمل المدعو له؟ هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجل بعد أداء مناسك العمرة أراد أن ينشئ عمرة ثانية، فلبس ثياب الإحرام من منزله وبدون نية ذهب وطاف وسعى وقصَّر دون أن يذهب إلى التنعيم، فماذا يترتب عليه؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: الإحرام بالعمرة عند جمهور الفقهاء هو نية العمرة، والنية محلُّها القلب، وعند الحنفية هو نية العمرة مع التلبية، أو ما يقوم مقامها من سوق الهدي أو تقليد البُدن.

ثانياً: الميقات المكاني للعمرة بالنسبة لأهل مكة أو من كان نازلاً بمكة هو الحِلُّ، لأن أركان العمرة كلُّها في الحرم، فكان لا بد من أن يكون الإحرام في الحِلِّ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، والأصل في ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا)، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ.

وبناء على ذلك:

فهذا الرجل الذي أدى العمرة بدون نية ـ ولا أعتقد أنه ما نوى بقلبه أداء العمرة، لأنه لا يتصور أن يتعب نفسه في الطواف والسعي بدون هذه النية ـ ولم يخرج إلى منطقة الحِلِّ ـ وأقرب مناطق الحِلِّ هو التنعيم ـ فعليه ذبح شاة توزع بكاملها على فقراء الحرم لإخلاله بالميقات، وهو الخروج إلى الحلِّ، وعليه الإجماع.

أما إذا كان هذا الإنسان لم ينوِ لا بالقلب ولا باللسان ـ وهذا لا أتصوَّره ـ فليس عليه شيء، كما أنه ليس له أجر العمرة سوى التعب. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل صحيح أنه يكره تكرار العمرة أكثر من مرة في العام الواحد؟ وأيهما أفضل تكرار العمرة أم كثرة الطواف؟

الجواب: ورد في فضل العمرة أحاديث كثيرة، منها: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاء إلا الجنة). أخرجه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: (الحجاج والعُمَّار وَفْدُ الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم). أخرجه ابن ماجه.

وتصح العمرة في جميع العام لغير المشتغل بالحج، فيصح أن يحرم بها الإنسان ويفعلها في جميع السنة، وهي أفضل في شهر رمضان منها في غيره، بل تندب في شهر رمضان، لما ثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لامرأة من الأنصار: (ما مَنَعَك أن تحُجّي معنا؟). قالت: كان لنا ناضح ـ بعير يُسقى عليه ـ فركبه أبو فـلان وابنه ـ أي زوجها وابنها ـ وترك ناضحاً ننضح عليه، قال: (فإذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان حَجَّة). رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم، وفي رواية لمسلم: (حَجّة معي).

وتكره العمرة تحريماً يوم عرفة، وأربعة أيام بعده، لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (حلت العمرة في السنة كلها إلا في أربعة أيام، يومُ عرفة، ويومُ النحر، ويومان بعد ذلك). لأن هذه الأيام أيام شغل بالحج، والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك، لذلك تكره فيها.

ولا يكره تكرارها في السنة الواحدة عند جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، للأحاديث الواردة في فضل العمرة والحث عليها، وعند المالكية يكره تكرار العمرة في السنة مرتين، والمراد بالتكرار في العام السنة الهجرية، فلو اعتمر في ذي القعدة ثم في المُحَرَّم لا يكره، لأنه اعتمر في السنة الثانية.

واستدلوا على ذلك بأنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يكررها في العام الواحد مع قدرته على ذلك، وهذه الكراهة عندهم مالم يخرج من منطقة الحل، فإذا خرج من منطقة الحل، وأراد الدخول إلى مكة من المواقيت، فلا بد أن يدخل محرماً بحج أو عمرة. والإكثار من الطواف أولى من الإكثار من العمرة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل يجوز أداء العمرة عن الغير؟

 الجواب: ذهب جمهور الفقهاء في الجملة إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير، لأن العمرة كالحج تجوز النيابة فيها، لأن كلاً من الحج والعمرة عبادة بدنية مالية.

ولهم في ذلك تفصيل:

ذهب الحنفية إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير بأمره، لأن جوازها بطريق النيابة، والنيابة لا تثبت إلا بالأمر، فلو أمره أن يعتمر فأحرم بالعمرة واعتمر عنه جاز، لأنه فعل ما أمر به.

وقال الشافعية: تجوز النيابة في أداء العمرة عن الغير إذا كان ميتاً، أو عاجزاً عن أدائها بنفسه، فمن مات وفي ذمته عمرة واجبة مستقرة بأن تمكن بعد استطاعته من فعلها ولم يؤدها حتى مات، وجب أن تؤدى العمرة عنه من تركته، ولو أداها عنه أجنبي جاز ولو بـلا إذن، كما أن لـه أن يقضي دينه بلا إذن. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: هل العمرة واجـبة على المسلم والمسلمة، أم أنها سنة؟

الجواب: العمرة عند السادة الحنفية سنة، لحديث سيدنا جابر رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: (لا، وأن تعتمروا هو أفضل). أخرجه الترمذي. ولحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: (الحج جهاد والعمرة تطوُّع). أخرجه ابن ماجه.

وعند السادة الشافعية رضي الله عنهم العمرة فرض كالحج، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196]. أي: افعلوهما تامَّين، فيكون النص أمراً بهما، فيدل على فرضية الحج والعمرة. ولحديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة). أخرجه ابن ماجه. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: ما حكم من شرع بالعمرة، وأثناء الإحرام عاشر زوجته، فماذا يترتب عليهما؟

الجواب: ذهب السادة الحنفية إلى أنَّ من جامع زوجته قبل أداء ركن العمرة فإنه تفسد عمرته وعمرة زوجته، وإذا فسدت عمرتهما وجب عليهما الاستمرار فيها، ثم القضاء، ثم الفداء، والفداء عندهم ذبح شاة عن كلٍّ منهما.

وعند السادة الشافعية كذلك تفسد العمرة إذا كان الجماع قبل التحلل من العمرة، والتحلل لا يكون إلا بالحلق، وإذا فسدت عمرة الزوجين وجب عليهما الاستمرار في العمرة، ثم القضاء، ثم الفداء، والفداء عندهم بدنة قياساً على الحج، أي: يجب على كلٍّ منهما ذبح بدنة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: ما حكم تكرار العمرة أكثر من مرة في السنة الواحدة، أو السفرة الواحدة؟

الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب الإكثار من العمرة، ولا يكره تكرارها في السنة الواحدة، للأحاديث الواردة في فضل العمرة والحث عليها، وهي أحاديث مطلقة تتناول تكرار العمرة وتحث عليها.

منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). وما رواه ابن ماجه والنسائي: (الحُجَّاج والعُمَّار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم). وما رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة).

والمشهور عند المالكية كراهة تكرار العمرة في السنة مرتين، ومحل الكراهة عندهم ما لم يتكرر دخول مكة من موضع عليه في إحرام، ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يكررها في عام واحد.

هذا حكم تكرار العمرة في السنة الواحدة.

أما حكمه في السفرة الواحدة، فإنه يستحب إذا أمكن الموسى من شعره. وسيدنا علي رضي الله عنه يبين التكرار بقوله: في كل شهر مرة. ويقول الإمام أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.

والأولى والله تعالى أعلم: أن يكثر من الطواف في السفرة الواحدة لأن إقامته في مكة أياماً متعددة ربما لا تزيد عن شهر. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: رجلان انتهيا من أداء العمرة، وحلق كل واحد منهما لصاحبه، فهل من حرج في ذلك؟

الجواب: لا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، لأنَّ كل واحد منهما بعد انتهاء أعمال العمرة أصبح مأذوناً له شرعاً بأن يحلق لنفسه أو لغيره.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية 2/158: يحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس مُحرِم غيره، وكذا لو حلق له غيره حلالاً أو محرماً يحظر عليه تمكينه من ذلك.... وذلك كله ما لم يفرغ الحالقُ والمحلوقُ له من أداء نسكهما، فإذا فرغا لا يدخلان في الحظر. ويسوغ لهما أن يحلق أحدُهما للآخر، باتفاق المذاهب على ذلك كله.

أما إذا حلق محرمٌ رأس غيره، أو حلق غيرُه رأسَه لغير التحلل وجب على المحرم المحلوق الدم والحالق صدقة، هذا عند الحنفية. وعند المالكية والشافعية والحنابلة على الحالق والمحلوق المحرمين دم. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة أحرمت بالعمرة واشترطت إن حبسها حابس فمحلها حيث حُبست، ولما وصلت مكة وأنهت أعمال العمرة تبيَّن لها أنها حائض، وتريد العودة مع القافلة قبل طهرها من حيضتها، فماذا يترتب عليها؟

الجواب: إن كان حيضها قد بدأ بعد طوافها فقد صحت عمرتها ولها السعي والتقصير مع الحيض، ولا شيء عليها. وإن كانت الحيضة بحسب ظنها قد بدأت قبل الطواف فطوافها صحيح، وعليها شاة تذبح في الحرم وتوزع على الفقراء، ولا أثر لقولها: (اجعل محلي حيث حبستني) عند الحنفية. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: أكرمني الله عز وجل بالعمرة، وفي الطواف كنت كاشفاً عن كتفي الأيمن في الأشواط الثلاثة، فقال لي بعضهم: يجب عليك أن تستر كتفك بعد الانتهاء من الأشواط الثلاثة، فهل هذا صحيح؟

الجواب: الاضطباع هو أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن عند الشروع في الطواف الذي بعده سعي، ويردَّ طرفيه على كتفه اليسرى، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة.

والاضطباع سنة عند جمهور الفقهاء، كما ورد في سنن أبي داود، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى.

والاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف، فإذا فرغ من الطواف غطى كتفه الأيمن، وتكره صلاة الرجل إذا كان مضطبعاً.

وبناء عليه:

فمن السنة الاضطباع في الأشواط كلِّها. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: امرأة ذهبت لأداء العمرة فأتاها الحيض واستغرق مدة إقامتها بمكة، فهل تجلس في الفندق حتى يحين وقت السفر أم ماذا تفعل؟

الجواب: يجب على هذه المرأة أن تبقى في مكة المكرمة حتى تطهر من حيضها ثم تغتسل ثم تؤدي مناسك العمرة، وأما إذا أرادت العودة إلى بلدها مع قافلتها، فعليها أن تتحلَّل من إحرامها بالتقصير من شعرها، ثم تذبح شاة في الحرم وتوزِّعها على فقراء الحرم، وعليها قضاء هذه العمرة. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: سمعت من أحد الناس يقول: إذا ذهب الرجل إلى العمرة قبل الحج وجب عليه الحج، وإن مات قبل أن يحج فهو آثم حتى وان كان غير مستطيع للحج، فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب: هذه الفتوى غير صحيحة، لأنه قد يتمكن الإنسان من أداء العمرة ولا يتمكن من أداء فريضة الحج، إما لظروفٍ مالية، وإما لظروفٍ تنظيميةٍ لأداء فريضة الحج.

فإذا أدى الإنسان العمرة ولم يكن حاجّاً، ثم توفّرت له الظروف المالية والتنظيمية لأداء فريضة الحج وجب عليه الحج لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]. فإذا لم يحج يكون آثماً. هذا، والله تعالى أعلم.

 

باب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

سؤال: ما حكم زيارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بعد الحج أو العمرة؟ وهل صحيح أنه لا يجوز أن نقول: زيارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإنما نقول: زيارة المسجد النبوي الشريف؟

الجواب: ذهب جمهور الفقهاء سلفاً وخلفاً إلى مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنها سنة مؤكدة عند الحنفية، وسنة مستحبة عند غيرهم، وذلك لقول الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]. والنص مطلق وليس مقيداً، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ولأنه مما لا شك فيه بأنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حيٌّ في قبره، وقد صح قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلى.

وصحَّ أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره) رواه مسلم.

وإذا ثبت بنص القرآن أن الشهداء أحياء في قبورهم بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [آل عمران: 169].

ونهينا بنص القرآن أن نقول عنهم أموات، قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون} [البقرة: 154].

فإن من المعلوم بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند موته قال: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوأنُ وجدت انقطاع أبْهَرِي من ذلك السم) رواه البخاري. فهو شهيد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة) رواه البيهقي.

ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه البيهقي.

ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي، كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة) رواه الطبراني.

ويقول الحافظ ابن حجر: إن زيارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أفضل الأعمال، وأجلِّ القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وإن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع.

ويقول القسطلاني: اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات.

والزيارة لها آداب، من جملتها:

1ـ عدم التزاحم أمام قبره الشريف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لأنه خلاف الأدب.

2ـ عدم رفع الصوت بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فضلاً عن الكلام العادي.

3ـ أن يتبع زيارته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بزيارة صاحبيه شيخي الصحابة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً.

وبناء على ذلك:

فزيارته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سنة مؤكدة، ويقصد قبره الشريف للزيارة، لأنه حي في قبره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكذلك ينوي مع زيارته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم زيارة المسجد النبوي الشريف، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومسجد الأقصى) رواه البخاري. هذا، والله تعالى أعلم.

سؤال: ما صحة حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالرواية التي جاءت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي).

وروى الإمام أحمد ـ واللفظ له ـ وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن الكبرى وفي شعب الإيمان، والطبراني في الكبير والأوسط، وأبو نعيم في حلية الأولياء وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ). هذا، والله تعالى أعلم.

**      **      **

 
التصنيف : كلمات في مناسبات تاريخ الإضافة : 2011-05-10 عدد الزوار : 71150
المؤلف : أحمد النعسان
 
 
 
 
اضافة تعليق
 
الرجاء كتابة الاسم
الاسم : *
الرجاء كتابة البريد الالكتروني الخاص بك
البريد الالكتروني : *
الرجاء كتابة عنوان للتعليق
عنوان التعليق : *
الرجاء كتابة نص التعليق
نص التعليق : *

 
مواضيع ضمن القسم
 
 
 
 
برمجة وتصميم Shadows-IT