25ـ سنن الوضوء (2)

25ـ سنن الوضوء (2)

25ـ سنن الوضوء (2)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: تَحَدَّثْنَا في الدَّرْسِ المَاضِي عَنْ سُنَنِ الوُضُوءِ، وَقُلْنَا بِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ: 1ـ النِّيَّةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ 2ـ التَّسْمِيَةُ 3ـ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرُّسْغَيْنِ 4ـ المَضْمَضَةُ 5ـ الاسْتِنْشاقُ 6ـ الاسْتِنْثَارُ 7ـ مَسْحُ كُلِّ الرَّأْسِ.

8ـ مَسْحُ الأُذُنَيْنِ:

اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ في حُكْمِ مَسْحِ الأُذُنَيْنِ.

ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى أَنَّ مَسْحَ الأُذُنَيْنِ مِنْ سُنَنِ الوُضُوءِ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا، لِأَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ في وُضُوئِهِ أُذُنَيْهِ، روى أبو داود عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي الْكِنْدِيِّ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثاً، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثاً وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثاً ثَلَاثاً، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا.

وَظَاهِرُ الأُذُنَيْنِ هُوَ مَا يَلِي الظَّاهِرَ، وَبَاطِنُهُمَا هُوَ مَا كَانَ مُوَاجِهاً، لِأَنَّ الأُذُنَ خُلِقَتْ كَالوَرْدَةِ.

وَتُمْسَحُ الأُذُنَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَا بِمَاءِ الرَّأْسِ، لِمَا روى البيهقي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ.

وَالمَسْنُونُ في مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ في صِمَاخَيْهِمَا ـ وَالصِّمَاخُ هُوَ الثُّقْبُ الذي تَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الأُصْبُعِ ـ وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا، لِمَا روى ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَخَالَفَ إِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا.

وَخَالَفَ في ذَلِكَ الحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: يَكْفِي مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، روى الترمذي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، وَيَدَيْهِ ثَلَاثاً، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».

وَلَكِنْ قَالُوا: مَسْحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ أَوْلَى، مُرَاعَاةً للخِلَافِ، لِيَكُونَ آتِياً بِالسُّنَةِ اتِّفَاقاً.

وَذَهَبَ الحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ المَالِكِيَّةِ إلى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ». وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ، فَكَانَ مَسْحُ الأُذُنَيْنِ وَاجِباً.

9ـ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَشُعْرِ الوَجْهِ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى أَنَّهُ يُسَنُّ في الوُضُوءِ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَسَائِرُ شُعْرِ الوَجْهِ، وَقَالُوا: تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الخَفِيفَةِ، وَهِيَ التي تَظْهَرُ البَشَرَةُ تَحْتَهَا وَلَا تَسْتُرُ، يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا، وَإِيصَالُ المَاءِ إلى مَا تَحْتَهَا في الوُضُوءِ وَالغُسْلِ.

أَمَّا اللِّحْيَةُ الكَثِيفَةُ، وَهِيَ التي لَا تَظْهَرُ البَشَرَةُ تَحْتَهَا، فَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا، أَمَّا بَاطِنُهَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ اتِّفَاقاً بَيْنَ الفُقَهَاءِ، لِمَا روى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الـيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي اليُسْرَى؛ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ.

وَلَكِنْ يُسَنُّ تَخْلِيلُهَا، لِمَا روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفّاً مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ؛ وَقَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».

وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِشَعْرِ الحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ.

10ـ التَّثْلِيثُ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى أَنَّ تَثْلِيثَ غَسْلِ الأَعْضَاءِ في الوُضُوءِ سُنَّةٌ، لِأَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً فَتِلْكَ وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ كِفْلَيْنِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثاً فَذَلِكَ وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» رواه الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

وروى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وُضُوءُ الصَّلَاةِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ».

ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ تَوَضَّأَ ضَعَّفَ اللهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ».

ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثاً ثَلَاثاً ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي».

وَلَا يُسَنُّ التَّثْلِيثُ في مَسْحِ الرَّأْسِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وَيُسَنُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

هذا، والله تعالى أعلم.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُفَقِّهَنَا في الدِّينِ، وَيُعَلِّمَنَا التَّأْوِيلَ، وَيَرْزُقَنَا العَمَلَ بِمَا نَعْلَمُ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 30/ جمادى الآخرة /1441هـ، الموافق: 24/شباط / 2020م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  الفقه الإسلامي

10-03-2020 121 مشاهدة
26ـ سنن الوضوء (3)

لَقَدْ ذَكَرْنَا في الدَّرْسَيْنِ المَاضِيَيْنِ عَشَرَةً من سُنَنَ الوُضُوءِ، الأُولَى النِّيَّةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ، ثُمَّ غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى الرُّسْغَيْنِ، ثُمَّ المَضْمَضَةُ، ثُمَّ الاسْتِنْشاقُ، ثُمَّ الاسْتِنْثَارُ، ... المزيد

 10-03-2020
 
 121
19-02-2020 91 مشاهدة
24ـ سنن الوضوء

بَعْدَ الحَدِيثِ عَنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ، نَتَحَدَّثُ عَنْ سُنَنِ الوُضُوءِ. وَالسُّنَّةُ هِيَ مَا ثَبَتَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مِمَّا هُوَ تَبْيِينٌ ... المزيد

 19-02-2020
 
 91
03-02-2020 210 مشاهدة
22ـ فرائض الوضوء (3)

ذَكَرْنَا في الدَّرْسَيْنِ المَاضِيَيْنِ أَحْكَامَ فَرَائِضِ الوُضُوءِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الفُقَهَاءِ، وَهِيَ غَسْلُ الوَجْهِ، وَغَسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْلُ القَدَمَيْنِ إلى الكَعْبَيْنِ مَرَّةً ... المزيد

 03-02-2020
 
 210
27-01-2020 140 مشاهدة
21ـ فرائض الوضوء (2)

اتَفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ في الوُضُوءِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَفَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾. وروى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ وَهُوَ ... المزيد

 27-01-2020
 
 140
20-01-2020 128 مشاهدة
20ـ فرائض الوضوء

اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وَمَسْحَ الرَّأْسَ، وَغَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إلى الكَعْبَيْنِ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ؛ فَفَرَائِضُ الوُضُوءِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ: ... المزيد

 20-01-2020
 
 128
13-01-2020 117 مشاهدة
19ـ شروط الوضوء

شُرُوطُ الوُضُوءِ، مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعَاً. وَالْمُرَادُ بِشُرُوطِ الوُجُوبِ: هِيَ مَا إِذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ ... المزيد

 13-01-2020
 
 117

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5215
المقالات 2624
المكتبة الصوتية 4057
الكتب والمؤلفات 16
الزوار 389955288
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :