السؤال :
إذا ابتلي رجل بامرأة ناشز، فهل يجوز له أن يهجرها في المضجع مدة طويلة لتأديبها؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 5040
 2012-04-09

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: لقد أوجب الله عزَّ وجلَّ على الزوجين المعاشرة بالمعروف، وبدأ بالرجل فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، ثم طالب المرأةَ بذلك من خلال قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}؛ فإذا كان الواجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، فعلى الزوجة هذا الواجب كذلك.

ورحم الله المرأةَ العربية التي أوصت ابنتها بقولها: (كوني له أمة يكنْ لك عبداً).

ثانياً: لقد أوصى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الرجالَ بالنساء خيراً، فقال: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ، فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ: فَلَا يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ: أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ، وَطَعَامِهِنَّ) رواه ابن ماجه عن سليمان بن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهنَّ إلا لئيم) رواه ابن عساكر عن علي رضي الله عنه.

ثالثاً: رسم الله تعالى لعباده طريق معالجة المرأة الناشز، بقوله تبارك وتعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}، فإذا لم يفلح الرجل في هذه السُّبُل، فلينتقل إلى مرحلة أخرى، وهي التي قال الله تعالى فيها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا}، وآخر العلاج الكيُّ كما يُقال، ألا وهو الطلاق الذي أشار إليه ربُّنا بقوله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}.

رابعاً: حذَّر سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الرجالَ من الدعاء على المرأة الناشز، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ، رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا، وَرَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} ) رواه الحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

خامساً: اتَّفق الفقهاء على أنَّ مما يؤدِّب الرجلُ به امرأتَه إذا نَشَزَت الهجرَ، لقوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ}، بشرط أن لا يضرَّ بنفسه، وأن لا يضرَّ بها، واختلف العلماء في مدَّة هجر المضجع، فالمالكية استحسنوا الهجرَ شهراً، ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلاً عذراً للمُولي، وبعض الفقهاء لم يقيِّد ذلك بمدَّة.

وبناء على ذلك:

ننصح هذا الرجل أن يعاشر زوجته بالمعروف، وأن يصبر عليها، ما لم تتعدَّ حداً من حدود الله تعالى، وأن يحافظ عليها لأنها أمانةٌ عنده، وأن يؤدِّبها بالطرق التي أباحها الله تبارك وتعالى له، والتي من جملتها الهجرُ، على أن لا يتجاوز الهجرُ شهراً واحداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هجر نساءه شهراً، لأنه ربَّما إن زاد على ذلك أدى ـ لا قدَّر الله تعالى ـ إلى انحرافها.

فإن أصرَّت على نشوزها، ولم يؤثِّر العلاجُ الذي أباحه الله تعالى للرجل في علاج المرأة الناشز، فليطلِّقْهَا طلقةً واحدةً، وليحْذَرْ من الدعاء عليها، فإن دعا فدعاؤهُ غيرُ مستجاب. هذا، والله تعالى أعلم.