السؤال :
ما هو الفارق بين البلاء والابتلاء؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 6075
 2014-01-02

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: يَقولُ الإمامُ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الابْتِلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ مِنْ بَلَوْتُهُ وَمَحَّصْتُهُ؛ أَيْ: اسْتَخْرَجْتُ مَا عِنْدَهُ.

والابتِلاءُ قد يَكونُ في الخَيرِ كما قد يَكونُ في الشَّرِّ، وإذا أُطلِقَ بِدونِ تَقييدٍ كانَ في الشَّرِّ غالِباً، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾.

أمَّا البَلاءُ، فَيَكونُ في الخَيرِ بِشَكلٍ عامٍّ، قال تعالى في قِصَّةِ سَيِّدِنا إبراهيمَ معَ وَلَدِهِ عَلَيهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِين﴾.

قالَ بَعضُ المُفَسِّرينَ: إنَّ هذا لَهُوَ النِّعمَةُ الظَّاهِرَةُ حَيثُ سَلَّمَ اللهُ وَلَدَهُ منَ الذَّبحِ، وفَدَاهُ بالكَبشِ.

ومنهُ قَولُ سَيِّدِنا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أحَدِ الثَّلاثَةِ الذينَ خُلِّفوا في غَزوَةِ تَبوكَ، كما رواه الشيخان عَنْ عَبْدِ الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ: فوالله مَا أَعْلَمُ أَحَداً أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِباً.

ثانياً: والبَلاءُ والابتِلاءُ يُعرَفُ من خِلالِ مُتَعَلَّقِهِ، لأنَّهُ على أنواعٍ ثَمانِيَةٍ كما يَقولُ العُلَماءُ:

1ـ ابتِلاءُ بِدايَةِ الإيمانِ، قال تعالى في هذا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾.

2ـ ابتِلاءُ الثَّباتِ على الإيمانِ، قال تعالى في هذا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيب﴾.

3ـ ابتِلاءُ زِيادَةِ الإيمانِ، كابتِلاءِ سَيِّدِنا إبراهيمَ عَلَيهِ الصَّلاةُ السَّلامُ، قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِين﴾. وكابتِلاءِ سَيِّدِنا أيُّوبَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قال تعالى فيه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين﴾. وكَحَديثِ قِصَّةِ أصحابِ الأُخدودِ، وقَولِ الرَّاهِبِ للغُلامِ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِك مَا أَرَى، وَإِنَّك سَتُبْتَلَى، فَإِن ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ؛ يَقيناً ما كانَ هذا الابتِلاءُ من ذَنبٍ، بل كانَ لِزِيادَةِ الإيمانِ.

4ـ ابتِلاءُ الاختِبارِ والتَّمحيصِ، قال تعالى في هذا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون﴾. وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرَّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾.

5ـ ابتِلاءٌ للتَّشريعِ والتَّكليفِ، كابتِلاءِ السَّيِّدَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها بِحَادِثَةِ الإفكِ، وكابتِلاءِ سَيِّدِنا زَيدٍ والسَّيِّدَةِ زَينَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في زَواجِهِما، فقد جاءَت لنا من هذهِ الابتِلاءاتِ آياتُ تَشريعٍ وأحكامُ وَعدٍ ما لا يأتي إلا من مِثلِ هذه الابتِلاءاتِ العَظيمَةِ.

6ـ ابتِلاءُ التَّنبيهِ والتَّوجيهِ، قال تعالى في هذا: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾. وقال تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾. فَرَبُّنا عزَّ وجلَّ رَحيمٌ وَدودٌ لا يُريدُ لنا عِقاباً إلا تَربِيَةً أو تَنقِيَةً أو تَرقِيَةً.

7ـ ابتِلاءُ التَّمكينِ والإمامَةِ في الأرضِ، قال تعالى في هذا: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيم﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُون﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾.

8ـ ابتِلاءٌ للتَّطهيرِ من الذُّنوبِ والخَطايا، قال تعالى في ذلك: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.

وبناء على ذلك:

فالبَلاءُ والابتِلاءُ والفِتنَةُ والامتِحانُ والاختِبارُ ألفاظٌ مُختَلِفَةٌ، ولكنَّها تَشتَرِكُ في الدِّلالَةِ على مَعنىً واحِدٍ، ألا وهوَ الاختِبارُ.

والابتِلاءُ إذا أُطلِقَ يَكونُ في الشَّرِّ غالِباً، والبَلاءُ إذا أُطلِقَ يَكونُ في الخَيرِ غالِباً. هذا، والله تعالى أعلم.