السؤال :
جاء في صحيح الإمام مسلم عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشَاً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلَاً، فَأَوْقَدَ نَارَاً، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلَاً حَسَنَاً، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». فلماذا لو دخلوها لكانوا في النار، مع أنهم مأمورون بطاعة الأمير طاعة مطلقة؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 8993
 2018-07-01

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَخَيْرُ مَا يَشْرَحُ الحَدِيثَ الحَدِيثُ؛ هَذَا الحَدِيثُ الذي ذُكِرَ رَوَاهُ الإمام مسلم، وَجَاءَ في رِوَايَةِ ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى بَعْثٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَأْسِ غَزَاتِهِ، أَوْ كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، اسْتَأْذَنَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الجَيْشِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، فَكُنْتُ فِيمَنْ غَزَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، أَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارَاً لِيَصْطَلُوا، أَوْ لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعَاً، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟

قَالُوا: بَلَى.

قَالَ: فَمَا أَنَا بِآمِرِكُمْ بِشَيْءٍ، إِلَّا صَنَعْتُمُوهُ؟

قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ، إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ.

فَقَامَ نَاسٌ، فَتَحَجَّزُوا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ، قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَكُمْ.

فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَلَا تُطِيعُوهُ».

الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ في امْتِثَالِ أَمْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الحَدِيثَ عَلَى مَضْمُونِهِ.

لِذَلِكَ انْقَسَمَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ في هَذَا الحَدَثِ إلى قِسْمَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ أَمْرَ طَاعَةِ الأَمِيرِ عَلَى عُمُومِ الأَحْوَالِ، حَتَّى في حَالِ الغَضَبِ، أو في حَالِ الأَمْرِ بِالمَعْصِيَةِ.

فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ سَبَبَاً لِرَحْمَةِ الجَمِيعِ، وَإِنَّ صَادِقَ النِّيَّةِ لَا يَقَعُ إِلَّا في خَيْرٍ، وَلَو قَصَدَ الـشَّرَّ، فَإِنَّ اللهَ تعالى يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ المَعْرِفَةِ: مَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ وَقَاهُ اللهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ اللهُ.

وَمِنْ هَذَا حَفِظَ اللهُ تعالى مَنْ هَمَّ بِإِلْقَاءِ نَفْسِهِ في تِلْكَ النَّارِ، فَسَلَّمَهُ اللهُ تعالى مِنْهَا بِسَبَبِ هَذَا الاخْتِلَافِ الذي حَصَلَ، وَنَجَّاهُ اللهُ تعالى مِنْهَا.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي تِلْكَ النَّارَ التي أُوقِدَتْ، لِأَنَّهُمْ يَمُوتُونَ فِيهَا بِتَحْرِيقِهَا، فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاءً، وَلَيْسَ المُرَادُ أَنَّهُمْ يَخْلُدُونَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وبناء على ذلك:

فَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي لَو دَخَلُوهَا كَانُوا لَا يَخْرُجُونَ منْهَا، لِأَنَّهَا تُحْرِقُهُمْ فَتُمِيتُهُمْ، وَالمَيْتُ لَا يَقَعُ مِنْهُ الخُرُوجُ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ بِبَرَكِةِ تَصْدِيقِ الصَّحَابَةِ لِأَمْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ اللهُ تعالى الجَمِيعَ، فَمَنْ صَدَقَ اللهَ تعالى، وَقَاهُ اللهُ تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.