14ـ نحو أسرة مسلمة: أحكام النظر إلى المخطوبة

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فقد بدأنا في الدرس الماضي عن موضوع الخطبة من أجل إرادة الزواج، والموضوع جداً مهم مع زهد الناس في هذه القضيّة. الكثير من الناس بدأ لا يبالي في هذا الموضوع، الحكم في هذه القضية أصبح عند الكثير من الناس من خلال العادة، فالعادة تحكَّمت فينا، والبعض جعل شرع الله عز وجل في هذه القضية بعيداً، وعندما جعلنا الشرع بعيداً عن هذه القضية بدأنا نعضّ ليس على أصبعنا إنما على يدينا من الندم.

هل تعلمون أيها الإخوة بأن نسبة الطلاق تزيد على سبعين بالمئة من زواج يمضي عليه سنة واحدة، ما هي القضية؟ ربنا عز وجل يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، والزواج سنتي، وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم سر السعادة، وما من إنسان يتزوّج إلا وهو يريد السعادة، هل من المعقول ألا يمضي على الزواج سنة واحدة إلا ويكون الفراق والشقاق؟ أمر ليس بطبيعي أيها الإخوة، السر في هذا البداية عندما تكون صحيحة النهاية صحيحة، والبداية عندما تكون خطأ فالنهاية، {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}؟

نبدأ كما قلت في موضوع الخطبة، عندما يتقدّم الشاب من خطبة فتاة، أو عندما يعرض وليّ الفتاة ابنته على شاب، هل يا ترى هذا العرض وهذا الطلب موافق لآداب الشريعة، وموافق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟ في الغالب الأعمّ الخطبة اليوم إذا لم أقل أكثرها إنما تكون إما من خلال الجامعات، أو المدارس، أو من خلال خطبة فتاة رآها في الشارع، فتتبَّع أقدامها حتى وصلت إلى بيتها، أو الآن من طريق آخر وهو الإنترنت.

هذه البداية بداية خاطئة، جلُّنا يعرف أن الخطبة بهذا الشكل ليست بطريق صحيح، الخِطبة بالطريق الصحيح إما أن تكون عن طريق النساء، لأن المرأة هي التي تعرف المرأة، وإما عن طريق الرجال يتقدَّم الرجل من رجل آخر يطلب منه يد ابنته لولده، ولكن أخطأنا الطريق أيها الإخوة، وربما من شدة الخطأ أن الإنسان عندما يسمع بخطبة فلانة ربما أن يُسرع ليخرِّب هذا الموضوع ليكون هو الموجود عوضاً عن صاحبه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

روى البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبلَه أو يأذن له الخاطب. لو نقول الآن: تعاليم الإسلام لا تصلح لهذا القرن، بل نريد العادات والتقاليد التي جرت في ظننا عند الطبقة العالية في المجتمع، واليوم الغرب بهر أبصار الكثير من الناس، بالله عليكم هل تجدون مثل هذا الأدب عند هؤلاء الغربيين؟ لا ورب الكعبة، النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه، الإسلام بنى المجتمع متماسكاً، وهذا التماسك من جملة أسبابه إذا رأيتني أشتري أن لا تزاحمني، وإذا رأيت أو سمعت عن رجل يخطب امرأة فلا تتقدَّم أنت، لأن هذه الأفعال توغر الصدر، وإذا أوغرت الصدر صار القلب مليئاً بالحقد والحسد والتدابر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ) [رواه مسلم]. هذا الفعل يمزِّق كيان الأسرة والمجتمع، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب الأول الذي كان قبله، أو يأذن له، وأما ما عدا ذلك فلا يليق بالإنسان المسلم أن يتقدَّم، هذا إذا كانت الخطبة كما ذكرنا في الدرس على ألا تكون امرأة معتدّة، لأن المرأة المعتدّة يحرم على الرجل أن يخطبها، لأن هذه الخطبة توغر صدر الزوج المطلِّق، وتوغر صدر أهل المتوفّى، فيجب أن ينتظر الرجل حتى تنتهي فترة العدة /130/ يوماً، ثم بعد ذلك يتقدّم، ولا بأس بأن يعرِّض لها تعريضاً في عدة الوفاة، أما في عدّة الطلاق فالتعريض لا يجوز. ولكن ثقوا تماماً أيها الإخوة من خلال ما نطّلع عليه أن عقود الزواج تنعقد بعد الطلاق وقبل مضيّ العدة والعياذ بالله، عرضت عليّ قضية بعد أربعة أيام من الطلاق جرى العقد عليها، ونحن نتقن كل شيء إلا العلم بديننا، هل يا ترى عن جهل أم عن قصد؟ والأمر طبيعي عن الكثير من الناس.

لذلك حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموضوع، فما ينبغي أن تتقدّم من خطبة فتاة هي مخطوبة للغير، فكيف إذا كانت مطلّقة؟ من باب أولى وأولى ألا تتقدم لخطبتها إلا بعد مضيّ العدة، فإذا مضت العدة فلا مانع.

إذا خطب الإنسان على خطبة أخيه فهذا الفعل حرام، هب أنه لو تمّ هذا الأمر، خطب إنسان فتاة، وجاء إنسان بعده فخطب هذه الفتاة وعقد عليها، فصاحب هذا الفعل آثم، وعقد الزواج صحيح، وإن كان آثماً صار ظالماً، والله عز وجل يقول: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}، بالله عليك أتتوقع أن تستمر الحياة بشكل مطمئن عندما تكون البداية خاطئة؟ لا أبداً، لذلك ينبغي للمخطوبة أو أوليائها إذا ركنوا للخاطب الأول فلا يجوز لأحد أن يتقدّم إلا إذا اعتذروا إليه أو اعتذر هو، أو أذن الخاطب الأول للثاني. فإن أذن له فليتقدم لأن القاعدة الفقهية تقول: إذا زال المانع عاد الممنوع.

هذه الخطبة ينبغي أن تكون بطريق صحيح كما قلت عن طريق النساء، أو عن طريق الرجال من الرجال إلى الرجال، أما ما يفعله اليوم الكثير من الشباب فإنه بعيد عن شرع الله سبحانه وتعالى.

فإذا تمَّت الخطبة، جرت العادة أن يتقدّم بعد أن يكون التعارف فتجتمع العائلتان ويقرؤون الفاتحة، والكثير من الناس يظن أنه بمجرد قراءة الفاتحة كأنه صار عقداً، والخاطب يذهب ويأتي، ويرى المخطوبة ويرى أمها وخالتها وعمّتها، هل هذا يجوز شرعاً؟ وهل سألنا عن هذا الحكم الشرعي؟ هذه الأفعال كلُّها لا تجوز شرعاً، لأن الخطبة لا أثر لها في العلاقة بين هذا الرجل وتلك المرأة، وبالتالي لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المخطوبة إلا كما علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، تنظر إليها مرَّة واحدة بعد أن تعزم على الزواج بها، بأن تصفها لك أمك أو عمتك أو خالتك أو أختك، وهذا الوصف حصراً للخاطب، أما للأب أو الأخ فهذا لا يجوز شرعاً، لأن المرأة مستورة ومحجبة، وعندما توصف المرأة لغير الخاطب وقعنا في كبيرة من الكبائر من حيث لا نشعر، ولكن واقعنا اليوم، أنا أعجب اليوم عندما يتقدّم الإنسان من خطبة فتاة، من جملة الشروط التي تعارفها الناس أن أباه لا بد أن يرى المخطوبة، وهذا لا يجوز شرعاً، وهذا واقع في مجتمعنا، والله عز وجل يقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، هذا من جملة المخالفات الشرعية، حتى إني سمعت أن رجلاً تقدّم من خطبة فتاة، ورأى الخاطب المخطوبة كما أمر الإسلام ـ طبعاً لهذه الرؤية شروط، منها: ألا تكون هذه الرؤية إلا بوجود ولي لها أو بعض محارمها، ولا يجوز أن تكون أمّها موجودة، لأن الأم لا تكون محرمة على الخاطب إلا بعد العقد، لأن الرجل لو ترك خطبة هذه الفتاة ومات أب هذه الفتاة، أو طلق أمها، فيجوز للخاطب أن يتزوّج من هذه المرأة، فكيف تظهر أمام هذه الرجل؟ هذه مخالفة شرعية ـ، وبلغ هذا أباه فقال الولد لوالده: متى نذهب إلى أهل المخطوبة كما هو متعارف بين الناس للاتفاق على المهر وما شابه ذلك، فقال: كيف تتزوّج وأنا لم أرها بعد، هذه ستصبح زوجة ابني وستصبح محرّمة علي وحكمها كحكم بناتي، فهل من المعقول ألا أراها وأعرفها؟ فطلب أن يراها، وأهل الفتاة على بساطتهم قالوا: أهلاً وسهلاً هو مثل أبيها، فلما رآها الأب قال: هذه الفتاة لا تصلح معنا، رآها الخاطب وأبوه ثم قالوا: نعتذر، بالله عليكم أي دين هذا؟ وأي شرع هذا؟ نحن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [رواه البخاري]. من الذي يريد الزواج؟ هذا الشاب، فهو الذي يرى، لأن نسب الجمال تختلف، فما أراه حسناً قد تراه قبيحاً، والعكس صحيح، ولكن بعدنا عن دين الله عز وجل أوقعنا في مثل هذه الطامات.

لذلك فالخطبة لا أثر لها في العلاقة بين الخاطب والمخطوبة، ولكن مشكلتنا في الخطبة أن المعاصي فيها أكثر من الطاعة لله عز وجل. سابقاً كان عندنا تزمّت، إن صح التعبير: إفراط وتفريط، إذا تقدّم شاب لخطبة فلا يُسمح لأحد برؤيتها حتى ولا الخاطب، حتى إن أم الخاطب تقول له: لا يا بني أعراض الناس ليست لعبة، أنا التي انتقيتها لك وانتهت المسألة، كثير من الناس كان لا يرى مخطوبته إلا بعد عقد الزواج وفي ليلة الزفاف، حتى بعد العقد لا يسمح له برؤيتها، أمه وأبوه وأمها وأبوها يمنعون من ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأصحاب خطب فتاة: (هل نظرت إليها)؟ قال: لا، قال: (فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) [رواه الترمذي وابن أبي شيبة]. ولكن متى يكون النظر إليها؟ قبل السؤال عنها أم بعد؟ وتنظر إليها بعد أن تكون قد وقفت على مخطوبتين أو ثلاثة أم مخطوبة واحدة؟ حدثني بعضهم أن أمّه طرقت باب ثلاثة بيوت، وفي كل بيت البنت جميلة، فقالت له: ما رأيك؟ قال لها: أرى الثلاثة، هذا لا يجوز شرعاً. أنت عندما تكون عازماً على الزواج من امرأة واحدة، فتطرق الباب وتنظر إليها فإن أعجبتك فبها ونعمت، وإلا فتذهب إلى بيت ثانٍ، أما أن تنتقي لك أمك بنات عديدات ثم بعد تنظر إليهن وتنتقي، هل أنت تشتري سلعةً فتنتقي، لنتق الله عز وجل في أعراض الناس. بالله عليك كيف ترضى هذا لولدك؟ مع أنك لو علمت أن الخاطب لابنتك يفكّر في فلانة وفلانة، ليرى ابنتك والثانية والثالثة ثم ينتقي بعد ذلك، بالله عليكم هل هناك رجل فيه ذرّة من نخوة يرضى هذا؟ لا وربّ الكعبة، فكيف ترضى هذا لابنك؟ كيف تقول لزوجتك: اذهبي إلى بيت فلان ثم بعد ذلك ينظر ابنك إلى الثلاثة؟ هذا لا يجوز شرعاً، ولكن صدق ربنا القائل: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِين * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُون}.

لذلك فالخطبة لا أثر لها في العلاقة بين الزوجين، ترى المخطوبة بعد أن تسأل عنها، ولكن في الوقت الحاضر لماذا في الغالب الأعم تكون الرؤية ثم بعد ذلك السؤال؟ هل يا ترى إذا كنا في بيت الله نتكلم شيئاً، وإن خرجنا يكون الفعل شيئاً آخر؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان قرآناً يمشي على الأرض.

فإذا تقدَّمتَ من خطبة فتاة، فقبل أن تطلب رؤيتها، وقبل أن يؤذن لك بالرؤية، سل عنها، فإن كانت هذه الفتاة صاحبة دين وخُلُق ورضيتها إن أعطوك إياها زوجةً لك، عند ذلك استأذنْ لرؤيتها، فإذا استأذنت لرؤيتها فصلِّ صلاة الاستخارة، اليوم صارت صلاة الاستخارة معدومةً في المجتمع، وصار أكثر الناس إذا أراد أن يستخير يذهب إلى بعضهم فيقول له: استخر لنا، وحبذا لو أنه صلى صلاة الاستخارة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل)، لذلك قال بعض العلماء: إذا كانت صلاة الاستخارة شرعية التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج في ذلك، للحديث السابق، أما أن يذهب إليه فيطلب منه اسمه واسم أمه، واسمها واسم أمها، وشيئاً من أثرها، ثم يخرج ورقة وقلماً ويبدأ بعمليات حسابية. في الأسبوع الماضي قال لي بعضهم: أعطيت لفلان الاستخارة ولكني ما فهمت الجواب، قلت: لماذا؟ قال: قال لي: بداية وسط، والنهاية سيئة، قلت: كيف ذلك؟ قال: لا أدري، ويزعم هؤلاء أن هذا نجمه ترابي وهذا نجمه ناري أو هوائي! هل هذه الاستخارة؟ السنة فُقدت في أكثر بيوتنا، والذي يصلي صلاة الاستخارة هو الخاطب والمخطوبة، لا أبوه ولا أبوها، ولا أمه ولا أمها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا همَّ أحدكم بأمر فليركع ركعتين)، والذي همَّ هو الخاطب، ويكون الهمّ بعد أن يسأل وينظر إليها فتعجبه، ثم يستخير ربه عز وجل، ووالله أيها الإخوة إن فعلنا هذا والتزمناه، ثم جاء الخاطب وقال لأولياء الفتاة: أنا أعتذر لأن القلب ما انشرح ولأن الأمور تعسرت، عندما تكون خطبتنا منضبطة بضوابط الشريعة فالأمر أقل من طبيعي، ولكن عندما لم تكن من منضبطة بضوابط الشريعة فالنتائج وخيمة.

وصلاة الاستخارة أيضاً لا علاقة لها بالمنامات، لأنه بكل أسف كثير من الأحكام تبنى على المنامات، تصلي صلاة الاستخارة في أيّ وقت تشاء، ولا علاقة بالمنام، ولكنَّ الأمر مرتبط بأمري اثنين: الأول: انشراح القلب، والثاني: تيسير الأمور، فإن وجدت انقباضاً أو وجدت الفتاة انقباضاً في قلبها، أو رأينا في الأمور تعسيراً، فهذه إشارة من الله عز وجل أن تصرف الموضوع، وإن كانت الفتاة صاحبة دين وخلُق، لأنه ليس شرطاً أن تكون حياة صاحب الدين والخلق مع صاحبة الدين والخلق سعيدة، قالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعتب عليه في دين ولا خلق، لكن القلب ما مال، واعلم أن قلبك منفعل وليس بفاعل، فإذا رأيت انقباضاً في قلبك فاصرف هذا الموضوع، لأنك بعد أن عزمت على خطبة هذه الفتاة قلت: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ـ أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ ـ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ـ أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ ـ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي) [رواه البخاري]. والفتاة أيضاً تصلي صلاة الاستخارة، فإن لم ينشرح قلبها فلا مشكلة في الاعتذار.

لذلك ينبغي أن نتنبه إلى مسألة الاستخارة، هذا الخلط الموجود عندنا، فلانة تبيت الاستخارة، فتأخذ من الأثر وتبيّت، ثم بعد ذلك إما أن ترى أنهاراً أو جبالاً أو عقارب وحيات، ثم تقول: الأمر غير جيد، فما هذا الكلام؟ هل هذا ما علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هب لو أننا اخترنا اسم زيد مع زينب، إذا كانت المسألة مسألة حساب وأرقام وما تطابق من حيث الأرقام زيد مع زينب، فأي زيد يخطب أي زينب مهما كانوا ولو كانوا من أتقى وأصلح خلق الله فستكون النتيجة واحدة.

فإذا تمّت الخطبة، ووافقنا من حيث الخبر ومن حيث النظر وانشرح القلب وتيسّرت الأسباب، فلا يجوز أن يذهب الأب أو الأخ لرؤيتها، أو أن يطلب الخاطب رؤية أمها أو أخواتها أو أقاربها، لأن الخطبة لا علاقة لها من حيث الأحكام الشرعية. يقول بعض الناس: يريد أن يتعرّف عليها، اليوم في الوقت الحاضر إن شئنا وإن أبينا جلّ الذين يتزوّجون من الشباب أقل ما يمكن أن يقال فيه الحديث على الهاتف، يومياً أوقاتاً طويلة، ومن لم يكن عندهم التزام قليلاً يذهب ويأتي إلى البيت فقط لا خارج البيت، ومن لم يكن عندهم التزام أبداً يخرجون سويّة إلى السفر والمطاعم والفنادق والمنتزهات، لماذا؟ ليتعرفوا على بعضهم، هذا واقعنا، هناك تعارف بطرق غير مشروع، ولكن كم عمر هذا الزواج؟ لا يتجاوز السنة، ألست قد تعرّفت عليها؟ وأنت يا أخي يا من تقدّم بك العمر وربما ظفرت برؤيتها في أيام الخطبة أو ظفرت برؤيتها بعد عقد الزواج أليست حياتك مطمئنة طيبة؟ ولكن ما تعرّفت عليها!! إن كنت تظن أنك من خلال الخطبة ستتعرف عليها وهي كانت تظن كذلك، فتذكر قول الله تعالى: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم}، إذا غلبت الشهوة على الفتاة، ورأتك كما قالت النسوة في حق سيدنا يوسف: {مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيم}، وغلبت الشهوة عليك أيضاً، وسيطرت الشهوة على العقل، فلا الخاطب يعرف المخطوبة، ولا المخطوبة تعرف الخاطب، لأن هذا اللقاء ما هو إلا تفريغ شحنة، أو حب كما يقولون، وهذا اللقاء لا يعرِّفك عليها وهي لا تستطيع أن تعرفك، وبالتالي بعد الزواج يكشف القناع، واحفظوا كلمة يقولها العلماء: الحبُّ إذا نُكح فسد، بمجرد أن يتم الزواج انتهى الحب، وبدأنا الرجال قوَّامون على النساء، وبدأ كل واحد منهما يطالب بحقوقه، فأين حقوق الشرع في أيام الخطبة؟ أنت الآن لا تستطيع أن تدخل عليها إلا باسم الإسلام، فأين الإسلام في أيام الخطوبة؟

لذلك الخطبة لا أثر لها في العلاقة بين الزوجين، ومن خالف الشرع فهو الذي سيحصد نتيجة هذه المخالفة، فإذا رأيتها مرة واحدة وتمت الخطبة حرم رؤيتها بعد ذلك، فإن قلت: الحياء منعني، فتراها مرة ثانية، ثم ثالثة، وانتهى بعد ذلك، فإن أعجبتك من المرة الأولى حرم النظر مرة ثانية.

وكذلك الحديث على الهاتف لا يجوز، وقد يقول قائل: أنت كيف تتكلم مع النساء عندما يتصلنَ بك أو يأتين إلى دائرة الإفتاء؟ أقول: هل هذا الحديث مع المرأة الأجنبية كحديث الخاطب مع المخطوبة؟ صوت المرأة ليس بعورة، وحديث المرأة مع الرجل الأصل فيه أنه ليس بحرام، لقول الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ}، فكم يطول الحديث؟ لحظات بقدر الحاجة مع مراقبة الله عز وجل: {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، لأن الله حذر المرأة بقوله: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}. الخطبة كما قلت لا أثر لها في الزواج، فكيف تخضع بالقول إذاً؟ وكيف تتكلم مع الكلام الناعم الرقيق الذي يؤجج الشهوة؟ والأكثر والأسوأ حالاً أنه بعد أن تتم الخطوبة وانشرح القلب وإذا بهما يخرجان مع بعضهما، وبعضهم يقول: ما المانع من أخذ صورة تذكارية؟ وما المانع من أن تتزين هذه المخطوبة لخاطبها؟ مع أننا والله الذي لا إله غيره ما رأينا محارمنا ممن تضع زينة على وجهها قبل الزواج، لأن الأصل في هذه الزينة إنما هي للزوج، فلماذا تتزين هذه البنت؟ ينبغي أن يراها الخاطب في الرؤية الشرعية على طبيعتها بدون زينة، لأن الزينة لا تدوم، فينبغي أن يعرف هذه الفتاة على حقيقتها، لذلك قال الفقهاء: يحرم على المرأة أن تتنمَّص ولو كان الشعر الزائد المنفِّر فيحرم عليها أن تزيله، وهذا بالنسبة للبنت، ليراها الخاطب على طبيعتها، وبعد الزواج إذا أرادت أن تأخذ الشعر الزائد المنفِّر فلا حرج، أما ما تفعله بعض النساء بكل أسف أن تزيل حاجبها وترسمه رسماً!! فلتدفع الثمن، وهذا الزوج الذي يصر على امرأته أن تفعل هذا فليدفع الثمن، لأنه ما طلب هذا إلا من خلال ما رأى، إما من خلال الشارع وإما من أجهزة الإعلام، فكأنه يريد أن يجعل زوجته زوجة شارع، فما يرى في الشارع يريد أن يرى في بيته.

ثم بعد ذلك لننظر الآن إلى الواقع العملي، كم تدوم الخطبة؟ لماذا لا نجعل الخطبة بمقدار شهر فقط؟ يقول البعض: أجمل أيام العمر أيام الخطبة، لأنه يتوقّع حياة جحيم فيريد أن يعيش في هذه الفترة في مدينة أفلاطون في الخيال، لأنه يعلم أنه متى تزوّج انقلبت الحياة إلى جحيم، وما ذاك إلا لسوء الاختيار. لذلك كثير من الناس يطيلون الخطبة لسنة أو أكثر بحجة التعرّف على بعضهم، والخاطب لا يخسر شيئاً يجلس معها ويأكل ويشرب ويخرج ويدخل، وفي يوم من الأيام اختبرها في أمرٍ ما فظهرت أخلاقها السيئة، وكان قد قدَّم لها بعض الذهب والهدايا، وإذا به يريد أن يترك، فيريد أهل الفتاة أن لا يرجعوا شيئاً من الذهب والهدايا للخاطب.

جاءني رجل هو وخاطب ابنته فقال: هذا المجرم صار له ست سنوات خاطباً لابنتي، وقد قدَّم لها بعض الهدايا من الذهب واللباس، والآن يريد أن يترك، فهل يرجع له شيء؟ قلت: إن قلت لك يرجع له شيء أفترجع؟ قال: أتتوقع أنه يرجع له شيء؟ قلت: لا أتوقّع، ولكن سأعطيك حكماً شرعياً، يجب عليك أن تردّ له كل شيء، قال: أريد أن تستوعبني، جلس معها وهي تلبس نصف كم، ودون غطاء على رأسها، ومع الزينة، وهناك صور بينهما، فكل هذه تذهب مجاناً؟ قلت: لا، يجب أن يكون لهم ثمن، معصيتنا لله يجب أن ندفع عليها الثمن، لأنك أنت الذي سمحت له أن يجلس معها ويفعل ما يفعل فادفع ثمن هذه المعصية بأن تعيد له كل شيء. ثم قلت له: لا أدري من المجرم بينكما؟ واسمح لي أن أقول لك في نظر أنا أنت المجرم، قال: بل هو المجرم، قلت: لماذا؟ قال: لأن الاتفاق معه كان ستة أشهر فامتدت إلى ست سنوات، قلت: بعد ستة أشهر لماذا لم تفسخ هذه الخطوبة؟

أيها الإخوة: لماذا نقع في معصية لله؟ الإسلام ما أباح لك أن تأذن له أن يراها إلا مرة أو مرتين أو ثلاثة، ومعها أنت أو أحد محارمها، حتى لا يكون في الكلام شطط، {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، وأنت تجلس وتسمع الحديث، وهو ينظر فقط إلى الوجه والكفين، وتراقب الأمر. أما أن تترك الحبل على الغارب ويتكلم بما شاء، ثم تتعلق به ويتعلق بها!! فكل هذه المخالفات الشرعية ستدفع ثمنها، أن تعيد إليه كل شيء، وعليك أن تكثر من التوبة والاستغفار لله عز وجل. وفي نهاية المطاف أطرق رأسه وبدأ يبكي ويقول: أنا المجرم، عندما تركت الأمر لزوجتي وهي تلحّ عليَّ أن أتركهم يتعرّفون على بعضهم!! أنت في أمور الدينار والدرهم الرجال قوّامون على النساء، وفي الأحكام الشرعية أين رجولتك؟ ينبغي أن تكون وقّافاً عند حدود الله عز وجل.

أقول: هذه الهدية قُدِّمت لهذه المخطوبة لأنها ستكون زوجة في المستقبل، وما قُدِّمت بسبب الصداقة والصحبة، ولذلك إذا قُدِّمت الهدية من الخاطب تقبلها أنت ولا حرج، أما إذا قُدِّمت هدية لابنتك من صديق لها فماذا تفعل؟ ألا يخرج عقلك من رأسك؟ فهذا الخاطب لم يقدِّمها على أساس أنه صديق أو خليل، بل لأنها ستكون زوجة، فإذا بدا له أن يترك أو بدا لها أن تترك، فهذه الهدايا قُدِّمت من أجل الزواج، فإذا لم يتم الزواج أعيدت هذه الهدايا.

أما الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ). تلك الهدية التي تقدم على أساس من المودة والمحبة، أما هذه الهدية فلم تُقدَّم على هذا الأساس، وإنما قدِّمت للفتاة من أجل الزواج، فإذا لم يتم الزواج أعيدت الهدية. قال: آذاها في سمعتها ببقائه فترة طويلة، أقول: هو المجرم الذي سمح لهذا الخاطب أن يبقى هذه الفترة الطويلة.

لذلك أيها الإخوة: ينبغي علينا أن ننضبط بضوابط الشريعة، ولعلنا أن نتابع حديثنا عن الخطبة في الدرس القادم إن أحيانا الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين.

** ** **