151ـ خالد بن سعيد بن العاص وثباته

مع الصحابة وآل البيت رَضِيَ اللهُ عَنهُم

151ـ خالد بن سعيد بن العاص وثباته

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لِحِكْمَةٍ يُرِيدُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ ابْتِلَاءَهُ للمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَكُلَّمَا عَظُمَ الصِّدْقُ عَظُمَ الابْتِلَاءُ، حَتَّى يَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَحَتَّى يَظْهَرَ مَنْ كَانَ عَبْدَاً للهِ، مِمَّنْ كَانَ عَبْدَاً لِأَهْوَائِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَإِنْ كَانَ يُعْلِنُ أَنَّهُ عَبْدٌ للهِ تعالى، هَذَا الصِّنْفُ إِذَا ابْتُلِيَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَخَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ المُبِينُ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ المُبِينُ﴾.

وَقَدْ قِيلَ للإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أيُّهُمَا أَفْضَلُ الصَّبْرُ، أَو المِحْنَةُ، أَو التَّمْكِينُ؟

فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: التَّمْكِينُ دَرَجَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ إِلَّا بَعْدَ المِحْنَةِ، فَإِذَا امْتُحِنَ صَبَرَ، وَإِذَا صَبَرَ مُكِّنَ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ الابْتِلَاءَ هُوَ خَيْرٌ في حَقِّ العَبْدِ المُؤْمِنِ، لِأَنَّهُ يُظْهِرُ حَقِيقَةَ إِيمَانِهِ، وَحَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ للهِ تعالى، وَحَقِيقَةَ حِرْصِهِ عَلَى رِضَا اللهِ تعالى، وَلِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرَاً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرَّاً أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الحاكم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ وَثَبَاتُهُ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الابْتِلَاءُ يُظْهِرُ حَقَائِقَ النَّاسِ وَمَعَادِنَهُمْ، وَيُرَبِّي رِجَالَاً وَيُعِدُّهُمْ لِتَحَمُّلِ رِسَالَةِ اللهِ تعالى، يَقُولُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: النَّاسُ مَا دَامُوا في عَافِيَةٍ مَسْتُورُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِمْ بَلَاءٌ صَارُوا إلى حَقَائِقِهِمْ؛ فَصَارَ المُؤْمِنُ إلى إِيمَانِهِ، وَصَارُ المُنَافِقُ إلى نِفَاقِهِ.

وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ مِثَالٍ في الثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ، وَفي إِظْهَارِ العُبُودِيَّةِ للهِ تعالى، وَأَنَّهُمْ مَا كَانُوا عَبِيدَاً لدِينَارٍ وَلَا لِدِرْهَمٍ، وَلَا لِعَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَكَانُوا بِحَقٍّ مِمَّنْ قَالَ اللهُ تعالى فِيهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.

مِنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ العِظَامِ سَيِّدُنَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

روى الحاكم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ إِسْلَامُ خَالِدٍ قَدِيمَاً، وَكَانَ أَوَّلَ إِخْوَتِهِ أَسْلَمَ قَبْلُ، وَكَانَ بَدْءُ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمَ أَنَّهُ وَقَفَ بِهِ عَلَى شَفِيرِ النَّارِ كَأَنَّ أَبَاهُ يَدْفَعُهُ مِنْهَا، وَيَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ آخِذٌ بِحِقْوَتِهِ (بِإِزَارِهِ) لَا يَقَعُ، فَفَزِعَ مِنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٌّ، فَلَقِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُرِيدُ بِكَ خَيْرَاً، هَذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّكَ سَتَتْبَعُهُ وَتَدْخُلَ مَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ يَحْجِزُكَ أَنْ تَدْخُلَ فِيهَا وَأَبُوكَ وَاقِعٌ فِيهَا.

فَلَقِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِأَجْيَادَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِلَامَ تَدْعُو؟

فَقَالَ: «أَدْعُو إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتَخْلَعُ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عُبَادَةِ حَجَرٍ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَلَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدَهُ».

قَالَ خَالِدٌ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ـ بِإِسْلَامِهِ.

وَأَرْسَلَ أَبُوهُ فِي طَلَبِهِ مَنْ بَقِيَ مِنْ وَلَدِهِ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ وَرَافِعَاً مَوْلَاهُ، فَوَجَدَهُ فَأَتَوْا بِهِ أَبَاهُ أَبَا أُحَيْحَةَ فَأَنَّبَهُ وَبَكَّتَهُ وَضَرَبَهُ بِصَرِيمَةٍ فِي يَدِهِ حَتَّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: اتَّبَعْتَ مُحَمَّدَاً وَأَنْتَ تَرَى خِلَافَ قَوْمِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَعَيْبَةِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ.

فَقَالَ خَالِدٌ: قَدْ صَدَقَ وَاللهِ وَاتَّبَعْتُهُ.

فَغَضِبَ أَبُوهُ أَبُو أُحَيْحَةَ وَنَالَ مِنْهُ وَشَتَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ يَا لُكَعُ (مَعْنَاهُ: الصَّغِيرُ) حَيْثُ شِئْتَ وَاللهِ لَأَمْنَعَنَّكَ الْقُوتَ.

فَقَالَ خَالِدٌ: إِنْ مَنَعْتَنِي فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرْزُقَنِي مَا أَعِيشُ بِهِ.

فَأَخْرَجَهُ وَقَالَ لِبَنِيهِ: لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا صَنَعْتُ بِهِ مَا صَنَعْتُ بِهِ.

فَانْصَرَفَ خَالِدٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُكْرِمُهُ وَيَكُونُ مَعَهُ.

وروى الحاكم عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ مَرِضَ فَقَالَ: لَئِنْ رَفَعَنِي مِنْ مَرَضِي هَذَا لَا يُعْبَدُ إِلَهُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ بِبَطْنِ مَكَّةَ أَبَدَاً.

فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ لَا تَرْفَعْهُ، فَتُوُفِّيَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: فَالابْتِلَاءُ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ يَبْتَلِي بِهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَدَّعِي الإِيمَانَ، لِأَنَّ الادِّعَاءَ سَهْلٌ، لَكِنَّ إِثْبَاتَ صِحَّةِ هَذَا الادِّعَاءِ أَمْرٌ عَسِيرٌ، فَمِنَ السَّهْلِ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَدَّعِيَ مِلْكِيَّةَ عَمَارَةٍ بِأَكْمَلِهَا، لَكِنْ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ إِثْبَاتُ مِلْكِيَّتِهَا بِالدَّلَائِلِ الحَقَّةِ فَإِنَّهُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ صَادِقَاً في دَعْوَاهُ.

فَادِّعَاءُ الإِيمَانِ لَيْسَ أَمْرَاً هَيِّنَاً، وَذَلِكَ لِأَنَّ ثَمَرَةَ هَذَا الادِّعَاءِ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَالمُؤْمِنُ بِاللهِ حَقَّاً فَازَ في الدَّارَيْنِ، وَسَعِدَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ وَالحَيَاتَيْنِ، لِذَلِكَ مَا تَرَكَ اللهُ تعالى عَبْدَهُ المُؤْمِنَ يَدَّعِي الإِيمَانَ سُدَىً، قَالَ تعالى في صَدْرِ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاشْرَحْ صُدُورَنَا لِلحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ. آمين.

**   **   **

تاريخ الكلمة:

الخميس: 8/ ذو القعدة /1440هـ، الموافق: 11/ تموز / 2019م