كلمة شهر ذي الحجة 1447
238ـ الأيام ليست كلها سواء
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: أَيَّامُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا لَيْسَتْ كُلُّهَا سَوَاءً، وَالْأَوْقَاتُ وَالسَّاعَاتُ لَيْسَتْ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُنَاكَ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَسَاعَاتٌ كَرِيمَةٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَيَعُمُّ فِيهَا الْفَضْلُ، وَيَفِيضُ فِيهَا الْخَيْرُ الْإِلَهِيُّ.
وَمِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، الَّتِي يَقُولُ فِيهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» ـ يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ ـ.
قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟
قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
هَذِهِ الْأَيَّامُ الْمُبَارَكَاتُ وَاجِبٌ فِيهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ أَنْ يَشْغَلَهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ فِيهَا مِنْ مَوْلَاهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مِنْ كَثْرَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالصِّيَامِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَمِنْ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَتَفْرِيجِ الْكَرْبِ عَنْ مَكْرُوبٍ، وَتَنْفِيسِ الْهَمِّ عَنْ مَهْمُومٍ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَمَّنْ أَسَاءَ، وَاحْتِمَالِ الْأَذَى مِنَ الْآخَرِينَ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ.
وَكَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ حَرِيصِينَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا دَخَلَتْ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا، حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَلْنُرِ رَبَّنَا مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْرًا، فَالسَّعِيدُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِطَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ وَمُتَابَعَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ.
طُوبَى لِمَنِ اغْتَنَمَ وَقْتَهُ، وَاتَّقَى رَبَّهُ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: طُوبَى لِمَنِ اغْتَنَمَ وَقْتَهُ، وَاتَّقَى رَبَّهُ، طُوبَى لِمَنْ بُورِكَ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ، فَأَكْثَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ، وَالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، وَاسْتَفْرَغَ كُلَّ مَجْهُودِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
وَرَحِمَ اللهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ:
مَضَى أَمْسُكَ الْمَاضِي شَهيْداً مُعَدِّلًا *** وَأَصْبَحْتَ فِي يَوْمٍ عَلَيْكَ جَدِيدُ
فَـإِنْ كُنْتَ بِالأَمْسِ اقْتَرَفْتَ جِنَايَةً *** فَــثَنِّ بِإِحْسَانٍ وَأَنْتَ حَمِيـــــدُ
وَلَا تُرْجِ فِـعْلَ الصَّالِحَاتِ إِلَى غَـدٍ *** لَعَلَّ غَدًا يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيــــــدُ
وَقَدْ قِيلَ: سِيرُوا إِلَى اللهِ عُرْجًا وَمَكَاسِيرَ، وَلَا تَنْتَظِرُوا الصِّحَّةَ، فَإِنَّ انْتِظَارَ الصِّحَّةِ بَطَالَةٌ؛ وَالْعَاقِلُ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا دَامَتْ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ وَقَدْ قَالَ قَائِلُهُمْ فِي اغْتِنَامِ الْوَقْتِ:
وَعُدْ مِنْ قَرِيبٍ وَاسْتَجِبْ وَاجْتَنِبْ غَدًا *** وَشَمِّرْ عَنِ السَّاقِ اجْتِهَادًا بِنَهْضَـةِ
وَكُنْ صَـارِمًا كَالْوَقْتِ فَالْمَقْتُ فِي عَـسَى *** وَإِيَّاكَ مَـــهْلًا فَهِيَ أَخْطَرُ عِلَّــــةِ
وَسِرْ زَمَنًا وَانْهَضْ كَــسِيرًا فَــحَظُّكَ الْ *** بَطَالَةُ مَا أَخَّرْتَ عَزْمًا لِصِحَّــــــةِ
وَجُذَّ بِــسَيْفِ الْعَزْمِ سَـوْفَ فَــإِنْ تَجُـدْ *** تَجِدْ نَفْسًا فَالنَّفْسُ إِنْ جُدْتَ جَدَّتِ
خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: السَّعِيدُ مَنِ اغْتَنَمَ هَذِهِ الْأَيَّامَ الْعَشْرَ، وَتَقَرَّبَ فِيهَا إِلَى مَوْلَاهُ بِالطَّاعَاتِ، فَعَسَى أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ اللهِ تَعَالَى، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا».
فَمَنْ أَصَابَتْهُ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ اللهِ سَعِدَ سَعَادَةً يَأْمَنْ بَعْدَهَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى مِنَ اللَّفَحَاتِ.
لِنُكْثِرْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَمِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالصَّدَقَاتِ، وَلْنَتْرُكِ الْجَدَلِ الَّذِي أَفْسَدَ الْأَحْوَالَ، وَضَيَّعَ الْبِلَادَ وَالرِّجَالَ؛ وَلْنَكُنْ حَرِيصِينَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى سَلَامَةِ قُلُوبِنَا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِذَلِكَ. آمين.
** ** **
تاريخ الكلمة:
الاثنين: 1/ ذو الحجة /1447هـ، الموافق: 18/أيار / 2026م
لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقَاتِ، غَيْرَ الإِنْسَانِ خَاضِعَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُنْصَاعَةٌ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِاخْتِيَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ... المزيد
يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَنَشْكُرَهُ أَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَمَنَّ عَلَيْنَا ... المزيد
شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ شَهْرٌ لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامِهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلِ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو ... المزيد
فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، أَوْ مَعَ الغَافِلِينَ، أَوْ مِنْ مُجَالَسَةِ الغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، لِأَنَّ الغَفْلَةَ ... المزيد
الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، فَالْجَسَدُ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، الْجَسَدُ التُّرَابِيُّ مُدْرَكٌ بِالْبَصَرِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَمُدْرَكَةٌ بِالْبَصِيرَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْجَسَدِ، ... المزيد
الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الرَّبَّانِيِّينَ ـ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى ـ هُوَ أَدَبٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ... المزيد