14ــ العهد الرابع: التعلُّم والتعليم(1)

14ــ العهد الرابع: التعلُّم والتعليم(1)

 

مقدمة الدرس:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

يقول الإمام سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في العهد الرابع:

( أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندمن مطالعة كتب العلم وتعليمه للناس ليلاً ونهاراً، ما عدا العبادات المؤقتة والحوائج الضرورية) اهـ.

أقول أيها الإخوة الكرام:

إنَّ تعلم العلم وتعليمه للناس شعار من شعارات هذه الأمة، وميزة من ميزاتها، وقد أمر الله عز وجل سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالدعاء في أن يزيده الله تعالى علماً، فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.

ويقال عن هذه الأمة: أمة (اقرأ)؛ لأنها الأمينة على العالم كله، ومن هذا المنطلق يحرِّضنا الإمام الشعراني رحمه الله تعالى على الإدمان على المطالعة، وأن تستغرق المطالعةُ جميعَ أوقاتنا ليلاً ونهاراً، عدا أوقات الطاعات المحدَّدة وحوائجنا الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

لأنَّ الله تبارك تعالى ما أمرنا في القرآن العظيم بالدعاء له في أن يزيدنا من شيء إلا العلم النافع الذي يبقى معنا بعد موتنا، والله تعالى عندما خاطب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقوله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. هو القائل له: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.

وربُّنا عز وجل خاطب جميع المخلوقات بما فيهم الأنبياء والمرسلون من لدن سيدنا آدم الذي قال فيه مولانا: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}، إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي قال فيه مولانا عز وجل: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}، خاطب جميع مخلوقاته بقوله: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.

فليكن واحد منا حريصاً على طلب العلم مهما بلغ شأنه، لأن علم الله مطلق، وعلم العبد مقيَّد محدد قليل، والعلم له ثمار ينتفع منها العالم في الدنيا والآخرة.

من ثمار العلم:

أولاً: العلماء شهداء على الحق، لأنهم على بصيرة من أمرهم، قال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ}.

شرفٌ عظيم ومنقبةٌ كبيرة للعلماء، حيث يشهد العلماء لله تعالى مع الملائكة أنه لا إله إلا هو، وأنه تبارك وتعالى قائمٌ بالقسط.

ثانياً: يرفع الله أهل العلم في الدنيا والآخرة على سواهم درجات، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}. وسبب هذا الرفع أنهم قاموا بالدعوة إلى الله عز وجل، وأنَّهم وُرَّاثُ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ثالثاً: العلماء هم مصابيح الهدى، يستنير الناس بهم، ويحفظون بهم أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، وقصة الرجل من بني إسرائيل معروفة، حيث قتل تسعاً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على عابد، فسأله هل له من توبة؟ فكأنَّ العابد استعظم الأمر، فقال: لا، فقتله فأتمَّ به المائة، ثم سأل عن عالم آخر، فدُلَّ على عالم، فأخبره بقصته، فأجابه العالم بأنَّ له توبة، ولا شيء يحول بينه وبين التوبة، فأرشده إلى أهل بلدة صالحين ليخرج إليهم.

رابعاً: العلماء هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن حُمَيْد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله).

فالعلم هو إرث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ). فالعالم حاز أكبر الفضائل.

خامساً: العالم هو الميِّت الحي، لأن العلم يبقى بعد موت العالم، ويكون العلم في صحيفته، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ).

سادساً: العلم هو الطريق إلى الجنة، كما جاء الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ).

سابعاً: العالم هو الذي يحسده العقلاء حَسَدَ غِبْطة، كما جاء الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا).

أيُّهما أحبُّ إليك:

أيها الإخوة الكرام: ليسأل كلُّ واحد منا نفسه، العلم أم المال؟ ثم انظر إلى المقارنة بين العلم والمال لترى الفارق بينهما:

العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء.

العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله.

العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تُذهبه النفقات عدا الصدقة.

العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته إلا ما كان من صدقة جارية.

العلم يحكم على المال، فالعلم حاكم والمال محكوم عليه.

المال يحصل للبر والفاجر والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن.

العالم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.

صاحب المال قد يصبح معدماً فقيراً بين عشية أو ضحاها، والعلم لا يُخشى عليه الفناء إلا بتفريط صاحبه.

المال يدعو الإنسان للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.

10ـ المال قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، فكم اختطف من الأغنياء بسبب مالهم، أما العلم ففيه حياةٌ لصاحبه حتى بعد موته.

11ـ سعادة العلم دائمةٌ، وسعادة المال زائلةٌ.

12ـ العالم قدره وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله.

13ـ الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.

قصة أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى:

قال أبو يوسف رحمه الله: توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلَّفني صغيراً في حجر أمي، فأسلمتني إلي قصَّار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أسمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلي الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلي القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه.

فقال لها أبو حنيفة: قري يا رعناء، ها هو ذا يتعلَّم أكل الفالوذج بدهن الفستق.

فانصرفت عنه وقالت له: أنت يا شيخ قد خرفت وذهب عقلك !! .

فأكمل أبو يوسف فقال: ثم لزمت أبا حنيفة، وكان يتعهَّدني بماله، فما ترك لي خلة، فنفعني الله بالعلم ورفعني، حتى تقلَّدت القضاء، وكنت أجالس هارون الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدَّم إلي هارون الرشيد فالوذجاً بدهن الفستق، فضحكت.

فقال لي: مم ضحكت؟

فقلت: خيراً أبقى الله أمير المؤمنين.

قال: لتخبرني، وألحَّ عليَّ، فأخبرته بالقصة من أوَّلها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إنه العلم ليرفع وينفع ديناً ودنيا، وترحَّم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

يقول يحيى بن معاذ ـ أحد العارفين بالله ـ: العلماء أرحم بأمة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من آبائهم وأمهاتهم.

قالوا: كيف ذلك؟ العالم أرحم بتلميذه من الأب والأم بابنيهما؟‍

قال: إليكم الجواب، الآباء والأمهات يحفظون أولادهم من نار الدنيا، يخافون عليهم المرض، يخافون عليهم الحريق، يخافون عليهم الفقر، ولكن العلماء يحفظون أتباعهم من نار الآخرة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كلِّ داء، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، سبحان ربِّك ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  مقتطفات من كتاب العهود المحمدية للشعراني

05-12-2011 61644 مشاهدة
23ــ العهد الثامن: إكرام العلماء

يقول الإمام سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في العهد الثامن: (أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نكرم العلماء، ونجلَّهم ونوقرَهم، ولا نرى لنا قدرة على مكافأتهم، ولو أعطيناهم جميع ما نملك، أو خدمناهم ... المزيد

 05-12-2011
 
 61644
12-10-2011 56758 مشاهدة
22ــ العهد السابع: مجالسة العلماء

أخذ علينا العهد العام من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن لا نخليَ نفوسَنا من مجالسة العلماء ولو كنا علماء، فربَّما أعطاهم الله تعالى من العلم ما لم يعطنا. ... المزيد

 12-10-2011
 
 56758
05-10-2011 54914 مشاهدة
21ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(3)

ومنها ـ أي من فوائد تبليغ حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ وهو أعظمها فائدة: الفوزُ بدعائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لمن بلَّغ كلامه إلى أُمَّته ... المزيد

 05-10-2011
 
 54914
28-09-2011 54659 مشاهدة
20ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(2)

نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ... المزيد

 28-09-2011
 
 54659
21-09-2011 54885 مشاهدة
19ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(1)

أُخِذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أن نُسمع الناسَ الحديثَ إلَّا كلِّ قليل ... المزيد

 21-09-2011
 
 54885
06-07-2011 55081 مشاهدة
18ــ العهد الخامس: الرحلة في طلب العلم(2)

مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ... المزيد

 06-07-2011
 
 55081

البحث في الفتاوى

الفتاوى 4984
المقالات 2264
المكتبة الصوتية 3968
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 384898410
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :