18ـ أخلاق وآداب: هكذا تكون الرجال

18ـ أخلاق وآداب: هكذا تكون الرجال

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير رضي الله عنه خرج من المدينة متوجِّهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة، وكان مبدؤها هناك، فظنَّ أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد، فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها، وقالوا له: ألا نسقيك مرقداً حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟

فقال: لا! والله ما كنت أظنَّ أنَّ أحداً يشرب شراباً ويأكل شيئاً يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني لا أحسن بذلك، ولا أشعر به.

قال: فنشروا رجله من فوق الاكلة، من المكان الحي، احتياطاً أنه لا يبقى منها شيء، وهو نائم يصلي، فما تضوَّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزَّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت.

قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده، من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبَّهم إليه، فدخل دار الدوابِّ، فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزَّوه فيه، فقال: الحمد لله، كانوا سبعة فأخذت منهم واحداً، وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت.

فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الذي أصابته الأكلة فيه قال: {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} [الكهف: 63].

فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلِّمون عليه ويعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه.

فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس:

لعمرُك ما أهويتُ كفِّي لريبة *** ولا حملتني نحوَ فاحشةٍ رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها *** ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي

ولستُ بماشٍ ما حييت لمنكر *** من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي

ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة *** وأوثرُ ضيفي ما أقام على أهلي

وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ *** من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي

نعم إخوتي الكرام: هكذا تكون الرجال في ساعات الابتلاء، ومن جملة الابتلاء الألسنة الحداد، فما قابل سيدنا عروة رضي الله عنه السيئة بالسيئة، بل عفا وصفح، وتمثَّل قول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [المُلك: 2]، وقوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83].

اللهم وفِّقنا لأن نسير سير الرجال، ونقول يا رب كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجمهني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتَك هي أوسعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبَك، أو تُحِلَّ عليَّ سخطَك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه الطبراني في الدعاء. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 2011-07-04
 31266
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

14-01-2015 3919 مشاهدة
36ـ أخلاق وآداب: (12) أدباً من آداب في الطعام

فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابَاً عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ: ... المزيد

 14-01-2015
 
 3919
06-01-2014 24704 مشاهدة
35ـ أخلاق وآداب: بعض الأدعية النبوية (2)

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِب الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ ... المزيد

 06-01-2014
 
 24704
29-11-2013 24146 مشاهدة
34ـ آداب وأخلاق: بعض الأدعية النبوية (1)

أولاً: أدعِيَةٌ للمِهمومِ والمَكروبِ والمَحزونِ: ... المزيد

 29-11-2013
 
 24146
19-11-2013 26552 مشاهدة
33ـ آداب وأخلاق: مصيبة المصائب مع دعاة الإصلاح

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 19-11-2013
 
 26552
08-11-2013 25672 مشاهدة
32ـ آداب وأخلاق: عليك بالإيمان والتوبة وصنع المعروف

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 08-11-2013
 
 25672
07-09-2013 29848 مشاهدة
31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ ... المزيد

 07-09-2013
 
 29848

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5010
المقالات 2271
المكتبة الصوتية 4001
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385479014
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :