الانشغال بعيوب الآخرين

13602 - الانشغال بعيوب الآخرين

28-04-2025 1076 مشاهدة
 السؤال :
لَقَدْ أَتْعَبَنِي الانْشِغَالُ بِعُيُوبِ النَّاسِ، وَأَصْبَحَ لَدَيَّ نُفُورٌ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَّا القَلِيلَ، فَمَا نَصِيحَتُكُمْ لِي؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 13602
 2025-04-28

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ».

الَمعِيبُ فِي حَقِّ الإِنْسَانِ أَنْ يُدَقِّقَ فِي عَيْبِ أَخِيهِ، وَلَا يُدَقِّقَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ عُيُوبِ الآخَرِينَ، وَيَتَنَاسَى عُيُوبَهُ الَّتِي يَعْلَمُهَا، وَلَوِ اشْتَغَلَ الإِنْسَانُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ لَكَفَّ عَنِ اتِّبَاعِ عُيُوبِ الآخَرِينَ.

رَحِمَ اللهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ:

عَجِبْتُ لِمَنْ يَبْكِي عَـلَى مَوْتِ غَـيْرِهِ   ***   دُمُوعًا وَلَا يَبْكِي عَلَى مَوْتِهِ دَمَا

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنْ يَرَى عَيْبَ غَيْرِهِ   ***   عَظِيمًا وَفِي عَيْنَيْهِ عَنْ عَيْبِهِ عَمَى

وَيَقُولُ أَبُو حَاتِمٍ بْنُ حِبَّانَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الوَاجِبُ عَلَى العَاقِلِ لُزُومُ السَّلَامَةِ بِتَرْكِ التَّجَسُّسِ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، مَعَ الاشْتِغَالِ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعُيُوبِهِ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ أَرَاحَ بَدَنَهُ وَلَمْ يُتْعِبْ قَلْبَهُ، فَكُلَّمَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لِنَفْسِهِ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَرَى مِثْلَهُ مِنْ أَخِيهِ، وَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعُيُوبِ النَّاسِ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ عَمَى قَلْبُهُ وَتَعِبَ بَدَنُهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَرْكُ عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ مَنْ عَابَ النَّاسَ بِمَا فِيهِمْ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ عَابَهُمْ بِمَا فِيهِ، مَنْ عَابَ النَّاسَ عَابُوهُ. اهـ.

وَرَحِمَ اللهُ تَعَالَى القَائِلَ:

المَرْءُ إِنْ كَانَ عَـاقِلًا وَرِعًا   ***   أَشْغَلَهُ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَرَعُهُ

كَمَا العَلِيلُ السَّقِيمُ أَشْغَلَهُ   ***   عَنْ وَجَعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَجَعُهُ

وَيَقُولُ أَبُو البُخْتُرِيُّ العَنْبَرِيُّ:

يَمْنَعُنِي مِنْ عَيْبِ غَـيْرِيَ الَّذِي   ***   أَعْرَفُهُ عِـنْدِي مِنَ العَيْبِ

عَـيْبِي لَـهُمُ بِـالظَّنِّ مِـنِّي بَـدَا    ***   وَلَسْتُ مِنْ عَيْبِيَ فِي رَيْبِ

إِنْ كَانَ عَيْبِي غَابَ عَنْهُمْ فَقَدْ     ***   أَحْصَى عُيُوبِي عَالِمُ الغَيْبِ

جَاءَ فِي كِتَابِ المُجَالَسَةِ وَجَوَاهِرِ العِلْمِ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ يَقُولُ: لَقِيَ زَاهِدٌ زَاهِدًا، فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي، إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَقَالَ الْآخَرُ: لَوْ عَلِمْتَ مِنِّي مَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي؛ لَأَبْغَضْتَنِي فِي اللهِ.

فَقَالَ لَهُ الْأَوَّلُ: لَوْ عَلِمْتُ مِنْكَ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ؛ لَكَانَ لِي فِيمَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي شُغْلٌ عَنْ بُغْضِكَ.

قَبِيحٌ مِنَ الإِنْسَانِ أَنْ يَنْسَى عُيُوبَهُ    ***   وَيَذْكُرَ عَيْبًا فِي أَخِيهِ قَدِ اخْتَفَى

وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَـمَـا عَابَ غَيْرَهُ    ***   وَفِيهِ عُيُوبٌ لَـوْ رَآهَا قَدِ اكْتَفَى

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَالعَاقِلُ الَّذِي انْشَغَلَ بِعُيُوبِهِ عَنْ عُيُوبِ الآخَرِينَ، لِأَنَّ العَبْدَ سَوْفَ يُسْأَلُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنِ الآخَرِينَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ تَنْفِرُ مِنَ الآخَرِينَ بِسَبَبِ عُيُوبِهِمْ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَنْفِرَ مِنْ نَفْسِكَ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، أَنْتَ مَأْمُورٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. جَاهِدْ نَفْسَكَ لِمَا تَعْلَمُ مِنْهَا، وَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِالآخَرِينَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلِاشْتِغَالِ بِعُيُوبِ أَنْفُسِنَا. آمين. هذا، والله تعالى أعلم.

1076 مشاهدة
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  مسائل فقهية متنوعة

 السؤال :
 2026-01-16
 38
جَاءَ فِي وِرْدِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى العِبَارَةُ التَّالِيَةُ: أَقُولُ عَلَى نَـفْسِي وَعَلَى دِينِي، وَعَلَى أَهْلِي وَعَلَى أَوْلَادِي وَعَلَى مَالِي وَعَلَى أَصْحَابِي وَعَلَى أَدْيَانِهِمْ وَعَلَى أَمْوَالِهمْ أَلْفَ بِسْمِ اللهِ؛ فَمَا المَقْصُودُ بِأَدْيَانِهِمْ، أَلَيْسَ الدِّينُ وَاحِدًا؟
رقم الفتوى : 13910
 السؤال :
 2026-01-06
 75
أُمِّي صَاحِبَةُ دِينٍ وَخُلُقٍ وَاسْتِقَامَةٍ، إِلَّا أَنَّهَا تَأْمُرُنِي بِالاخْتِلَاطِ مَعَ نِسَاءِ إِخْوَتِي، وَتُرِيدُ مِنْ زَوْجَتِي أَنْ تَخْتَلِطَ مَعَ إِخْوَتِي، فَمَاذَا أَفْعَلُ
رقم الفتوى : 13893
 السؤال :
 2025-12-17
 209
أَلَيْسَ الْإِنْسَانُ حُرًّا فِي مَالِهِ، يَعْطِي لِأَوْلَادِهِ مَا شَاءَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ؟
رقم الفتوى : 13861
 السؤال :
 2025-05-14
 1417
امْرَأَةٌ تُرَبِّي طُيُورًا فِي بَيْتِهَا، خَرَجَتْ يَوْمًا وَنَسِيَتْ وَضْعَ الطَّعَامِ لَهُمْ حَتَّى مَاتُوا، فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهَا؟
رقم الفتوى : 13636
 السؤال :
 2025-05-14
 1663
مَا صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَالَ المَجْدُ اللُّغَوِيُّ: وَرُوِينَا عَنِ الأَصْمَعِيِّ قال: وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ مُقَابِلَ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا حَبِيبُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَالشَّيْطَانُ عَدُوُّكَ، فَإِنْ غَفَرْتَ لِي سُرَّ حَبِيبُكَ، وَفَازَ عَبْدُكَ، وَغَضِبَ عَدُوُّكَ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي غَضِبَ حَبِيبُكَ، وَرَضِيَ عَدُوُّكَ، وَهَلَكَ عَبْدُكَ وَأَنْتَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُغْضِبَ حَبِيبَكَ، وَتُرْضِيَ عَدُوَّكَ وَتُهْلِكَ عَبْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنَّ العَرَبَ الكِرَامَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ أَعْتَقُوا عَلَى قَبْرِهِ، وَإِنَّ هَذَا سَيِّدُ العَالَمِينَ فَأَعْتِقْنِي عَلَى قَبْرِهِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَقُلْتُ: يَا أَخَا العَرَبِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَكَ، وَأَعْتَقَكَ بِحُسْنِ هَذَا السُّؤَالِ؟
رقم الفتوى : 13634
 السؤال :
 2025-05-14
 1102
مَا نَصِيحَتُكُمْ لِإِنْسَانٍ يَشْعُرُ أَنَّهُ مَحْسُودٌ مِنْ أَقْرَانِهِ؟
رقم الفتوى : 13633

الفهرس الموضوعي

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5714
المقالات 3257
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 430007386
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :