لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ النَّافِعَةَ تَكُونُ بِمُعَاهَدَةِ الرَّحِمِ بِالزِّيَارَةِ، وَبِإِكْرَامِ كَرِيمِهِمْ، وَبِعِيَادَةِ سَقِيمِهِمْ، وَالتَّيْسِيرِ عَلَى مُعْسِرِهِمْ، وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَاسْتِغْلَالِ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ بِإِرْسَالِ الرَّسَائِلِ الَّتِي تُذَكِّرُ بِاللهِ تَعَالَى وَبِاليَوْمِ الآخِرِ، وَدَعْوَتِهِمْ لِلْأَخْلَاقِ، وَهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وَأَنْ تَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ، أَنَّ الأَقَارِبَ لَيْسُوا سَوَاءً فِي الصِّلَةِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِلَةَ الأَرْحَامِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ تَعَالَى، وَعَرَفَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾.
فَالمُؤْمِنُ الحَقُّ يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَوْ قَطَعُوهُ، لِأَنَّهُ يَصِلُهُمْ عِبَادَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا مُكَافَأَةً لَهُم، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
حَتَّى تَكُونَ صِلَةُ الرَّحِمِ نَافِعَةً، وَتَكُونَ سَبَبًا لِجَمْعِ الأَرْحَامِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ، لَا بُدَّ مِنَ الإِحْسَانِ لِلْمُسِيءِ، لِأَنَّهُ الدَّوَاءُ الشَّرْعِيُّ الوَحِيدُ لِإِصْلَاحِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحِمٌ؟
وَلَا يُوَفَّقُ لِهَذَا الأَمْرِ إِلَّا مَنْ أَرْخَصَ نَفْسَهُ فِي جَنْبِ اللهِ تَعَالَى، وَتَذَكَّرَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فَاحْذَرْ قَطِيعَةَ المُسِيءِ مِنْ أَرْحَامِكَ، لِأَنَّ الهَجْرَ يُؤَجِّجُ القَطِيعَةَ، وَيُوقِعُ المُسِيءَ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ.
فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَصِلَةُ الرَّحِمِ النَّافِعَةُ وَالَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِجَمْعِ الأَرْحَامِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، تَكُونُ بِالأَخْلَاقِ الفَاضِلَةِ السَّامِيَةِ العَالِيَةِ، مَعَ تَقْدِيمِ النُّصْحِ بِأُسْلُوبٍ حَكِيمٍ، وَبِالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ حِسًّا وَمَعْنًى، وَأَنْ لَا تُقَابَلَ الإِسَاءَةُ بِالإِسَاءَةِ، بَلْ بِالعَفْوِ وَالصَّفْحِ، لِأَنَّ الصِّلَةَ عِبَادَةٌ لله عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَتْ مُكَافَأَةً. هذا، والله تعالى أعلم.