الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَكَلِمَةُ الدِّينِ لُغَةً تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى وَمُتَعَدِّدَةٍ:
1ـ تُطْلَقُ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وَيُرَادُ مِنْهَا التَّوْحِيدُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾.
2ـ تُطْلَقُ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وَيُرَادُ مِنْهَا الحِسَابُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
3ـ تُطْلَقُ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وَيُرَادُ مِنْهَا الحُكْمُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾.
4ـ تُطْلَقُ هَذِهِ الكَلِمَةُ، وَيُرَادُ مِنْهَا المِلَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ يَعْنِي المِلَّةَ المُسْتَقِيمَةَ.
وَهَذِهِ المَعَانِي كُلُّهَا جَاءَتْ فِي اللُّغَةِ:
أَمَّا كَلِمَةُ الدِّينِ اصْطِلَاحًا فَتَعْنِي مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَحْكَامٍ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي نِهَايَةِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَالمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ الدِّينِ لُغَةً وَشَرْعًا هُوَ مَا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ أَحْكَامٍ، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِالعَقِيدَةِ، أَوْ بِالعِبَادَةِ، أَوْ بِالمُعَامَلَةِ، أَوْ بِالأَخْلَاقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَأَمَّا بِخُصُوصِ قَوْلِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ البَسْمَلَةِ وَالدُّعَاءِ (وَعَلَى أَدْيَانِهِمْ) أَيْ: طَاعَاتُهُمُ الظَّاهِرَةُ وَالبَاطِنَةُ، وَعِبَادَاتُهُمُ الجَلِيَّةُ وَالخَفِيَّةُ، وَإِيمَانُهُمْ، وَمُعَامَلَاتُهُمْ، وَأَخْلَاقُهُمْ، وَهَكَذَا.
وَالضَّمِيرُ: (هُمْ) يَرْجِعُ عَلَى الأَهْلِ وَالأَوْلَادِ وَالأَصْحَابِ.
وَالمَعْنَى: أَسْأَلُكَ يَا اللهُ أَنْ تَحْفَظَ طَاعَاتِهِمْ وَقُرُبَاتِهِمْ، وَعِبَادَاتِهِمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، مِنْ كُلِّ زَيْغٍ وَضَلَالٍ وَانْحِرَافٍ، وَمِنَ الرِّيَاءِ، وَمِنَ الانْحِرَافِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقَةً للشَّرْعِ، مَعَ كَمَالِ الإِخْلَاصِ، وَأَنْ لَا يُرِيدُوا مِنْ هَذِهِ العِبَادَاتِ إِلَّا وَجْهَ اللهِ تَعَالَى.
فَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَنْ أَرَادَ مِنَ الدِّينِ الدُّنْيَا، وَهُنَاكَ مَنْ أَرَادَ بِهِ اللهَ تَعَالَى، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
فَالإِمَامُ يَسْأَلُ اللهَ لِكُلِّ مَنْ يَلُوذُ بِهِ أَنْ يَحْفَظَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ دِينَهُمْ، بِحَيْثُ تُوَافِقُ الشَّرْعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًَا. هذا، والله تعالى أعلم.