وَصيَّةٌ ِللسَّيِّدِ محمد همام نجَّار بن هيثم
بِمُناسَبَةِ حِفظِهِ القُرآنَ العَظيمَ
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَيَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ تَزِيدُ المُؤْمِنَ إِيمَانَاً، وهيَ أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى اللهِ تعالى، روى الترمذي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
قَالَ: «الْحَالُّ الْـمُرْتَحِلُ».
قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْـمُرْتَحِلُ؟
قَالَ: «الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ».
اِبْنَ أَخِي محمد همام: اِعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ تعالى مَنَّ عَلَيْكَ بِحِفْظِ القُرْآنِ العَظِيمِ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَدَبَّرَ القُرْآنَ العَظِيمَ، يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَن أَرَادَ عِلْمَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ فَلْيُثَوِّرِ القُرْآنَ. أَي: لِيَتَفَكَّرْ في مَعَانِيهِ. هذا أولاً.
ثانياً: أَكْثِرْ من تِلاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، لأَنَّهُ مَا تَقَرَّبَ المُقَرَّبُونَ إلى اللهِ بِمِثْلِ القُرْآنِ العَظِيمِ، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ: «مَا أُذِنَ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ فَوْقَ رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ ـ يَعْنِي الْقُرْآنَ ـ».
وروى الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ: «يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ».
ويُرْوَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ قَالَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، مَا أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ الْـمُتَقَرِّبُونَ بِهِ إِلَيْكَ؟
فَقَالَ: كَلَامِي يَا أَحْمَدُ.
فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، بِفَهْمٍ أَمْ بِغَيْرِ فَهْمٍ؟
فَقَالَ: بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ.
ثالثاً: اُنْظُرْ ماذا زَرَعَ القُرْآنُ في قَلْبِكَ؟ لأَنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعُ المُؤْمِنِ، كَمَا أَنَّ الغَيْثَ رَبِيعُ الأَرْضِ.
رابعاً: اِعْلَمْ بِأَنَّ الذي يَحْفَظُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بِهِ كَأَنَّمَا اسْتُدْرِجَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، إلا أَنَّهُ لا يُوحَى إِلَيْهِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَرَى أَنَّ أَحَدَاً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيتَ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذلكَ فَقَد عَظَّمْتَ مَا صَغَّرَ اللهُ، وصَغَّرْتَ مَا عَظَّمَ اللهُ، فَلَا تُسَفِّهْ نَفْسَكَ فِيمَنْ يَسْفَهُ، أَو تَغْضَبْ فِيمَنْ يَغْضَبُ، أَو تَحْقِدْ فِيمَنْ يَحْقِدُ، ولَكِنْ اعْفُ واصْفَحْ لِفَضْلِ القُرْآنِ.
خامساً: تَذَكَّرْ حَدِيثَ أُمِّنَا السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها الذي رواه الإمام أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ.
وأَخِيرَاً يَا ابْنَ أَخِي، اِسْمَعْ إلى كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِنْدَمَا يَقُولُ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا النَّاسُ يُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إذا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْلِطُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ، ويَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ بَاكِيَاً مَحْزُونَاً حَكِيمَاً حَلِيمَاً عَلِيمَاً سِكِّيتَاً، ويَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ لا يَكُونَ جَافِيَاً، ولا غَافِلَاً، ولا صَخَّابَاً، ولا صَيَّاحَاً، ولا حَدِيدَاً.
أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُثَبِّتَنَا وإِيَّاكَ بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، واذْكُرْنِي بِدَعْوَةٍ صَالِحَةٍ بَعْدَ كُلِّ تِلاوَةٍ إِنْ قَدَرْتَ.
أحمد شريف النعسان
الثلاثاء: 3/ذو القعدة /1436هـ
18/آب / 2014م
اضافة تعليق |
يَقُولُ سَيِّدُنَا عُمَرُ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: مَنِ اتَّقَى اللهَ لَمْ يَشِفِ غَيْظَهُ، وَمَنْ خَافَ اللهَ لَمْ يَفْعَلْ مَا يرِيدُ، وَلَوْلَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَكَانَ غَيْرَ مَا تَرَوْنَ. كَذَا فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ. ... المزيد
الْعَاقِلُ هُوَ الَّذِي يَتَوَسَّدُ المَوْتَ إِذَا نَامَ، وَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ إِذَا قَامَ، كَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الآخِرَةِ، فَأَخَذَ يَسْعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَيَسْتَحْضِرُ ... المزيد
فَالنَّجَاحُ سُنَّةٌ فِي هَذَا الكَوْنِ، أَرَادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ تَكُونَ غَايَةً لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ؛ وَمِنْ تَمَامِ فَضْلِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ هَذَا الكَوْنَ قَبْلَ خَلْقِهِمْ، وَجَعَلَهُ مُسَخَّرًا ... المزيد
فَإِنَّ التَّخَرُّجَ مِنَ الجَامِعَةِ وَالتَّفَوُّقَ فِي الدِّرَاسَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَأْخُذُ العَزِيمَةَ فِي الدِّرَاسَةِ، وَلَوْلَا العَزْمُ وَالعَزِيمَةُ لَمَا كَانَ النَّجَاحُ وَالتَّفَوُّقُ فِي ... المزيد
فَقَدْ أَحَاطَ الإِسْلَامُ الأُسْرَةَ بِسِيَاجِ الكَرَامَةِ وَاعْتَبَرَ عَقْدَ الزَّوَاجِ مِيثَاقًا غَلِيظًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. فَالْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ عَلَاقَةٌ كَرِيمَةٌ، وَالحُقُوقُ الزَّوْجِيَّةُ ... المزيد
الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ الَّذِي رَسَخَ إِيمَانُهُ فِي قَلْبِهِ أَيَّامَ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَالزَّلَازِلِ يَزْدَادُ إِيمَانًا إِلَىٰ إِيمَانِهِ، وَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ ... المزيد