106ـ سيرته    في سكوته

106ـ سيرته    في سكوته

 

من كتاب سيدنا محمد رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

106ـ سيرته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في سكوته

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا

كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا

يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ سِرَاجُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: سِيرَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في سُكُوتِهِ:

وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ:

قَالَ الحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَسَأَلْتُ أَبِي ـ عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

فَقَالَ: كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعَ: عَلَى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالتَّفْكيرِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: الحُكْمِ، وَالحَذَرِ، وَالتَّدَبُّرِ، وَالتَّفَكُّرِ.

فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَفِي تَسْوِيةِ النَّظَرِ، وَالِاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَأَمَّا تَذَكُّرُهُ ـ أَوْ قَالَ: تَفَكُّرُهُ ـ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى.

وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ وَالصَّبْرِ (وَفِي نُسْخَةٍ: جُمِعَ لَهُ الحِلْمُ في الصَّبْرِ، قَالَ الخَفَاجِيُّ: أَيْ مَعَ الصَّبْرِ عَلَى أُمُورِ النَّاسِ وَالأُمَّةِ، فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَعَ حِلْمِهِ صَابِرَاً لَا يَضْجَرُ وَلَا يَقْلَقُ. اهـ).

فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَسْتَفِزُّهُ.

وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعَ: أَخْذُهُ بِالْحُسْنَى، وَالْقِيَامُ فِيمَا جُمِعَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَفِي رِوَايَةٍ للطَّبَرَانِيِّ، كَمَا في مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وُجُمِعَ لَهُ الحَذَرُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في أَرْبَعَ: أَخْذُهُ بِالحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ، وَتَرْكُهُ القَبِيحَ لِيُتَنَاهَى عَنْهُ، وَاجْتِهَادُهُ الرَّأْيَ فِيمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ، وَالقِيَامُ فِيمَا جَمَعَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ (يَعْنِي أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فِيمَا يُصْلِحُ الأُمَّةَ، وَيَجْمَعُ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ وَسَعَادَتَهُمَا.

وَهَذَا الحَدِيثُ ـ كَمَا قَالَ العَلَّامَةُ الزُّبَيْدِيُّ في شَرْحِ الإِحْيَاءِ ـ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمَائِلِ، وَالبَغَوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَه. اهـ.

وَقَدْ أَوْرَدَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في تَارِيخِ الإِسْلَامِ بِرِوَايَاتٍ، وَالحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في البِدَايَةِ أَيْضَاً مَعْزُوَّاً للطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ).

وَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِذَا تَدَبَّرَ هَذِهِ الأَوْصَافَ الكَامِلَةَ، وَالأَخْلَاقَ الفَاضِلَةَ، وَالخِصَالَ الحَمِيدَةَ، وَالمَزَايَا الرَّشِيدَةَ، التي تَأَصَّلَتْ في سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعَتْ كُلُّهَا فِيهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا، وَأَعْلَى مُسْتَوَيَاتِهَا، إِذَا تَدَبَّرَ ذَلِكَ: عَلِمَ يَقِينَاً أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً الذي اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، لَيْسَ هُوَ إِنْسَانَاً كَغَيْرِهِ مِنْ بَنِي الإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِنْسَانٌ مُخَصَّصٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ، بِخَصَائِصَ أَكْرَمَهُ اللهُ بِهَا، وَمُمَيَّزٌ عَلَى غَيِرِهِ بِمَزَايَا مَنَحَهُ اللهُ إِيَّاهَا، وَأَنَّ قَضِيَّتَهُ إِنَّمَا هُوَ نَبِيُّ اللهِ وَرَسُولُهُ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَدَبِ الأُدَبَاءِ، وَلَا مِنْ بَابِ حِكْمَةِ الحُكَمَاءِ، وَلَا نَجَابَةِ النُّجَبَاءِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ أَنَّهُ: رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ. آمين.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنْ آدَابِهِ العَامَّةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَقَارُهُ العَظِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ وَقَارَاً، وَأَعْظَمَهُمْ أَدَبَاً، وَأَرْفَعَهُمْ فَخَامَةً وَكَرَامَةً.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ في مَرَاسِيلِهِ عَنْ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَوْقَرَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ، لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئَاً مِنْ أَطْرَافِهِ.

قَالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يَعْنِي أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَا يُظْهِرُ شَيْئَاً مِنْ أَطْرَافِ جِسْمِهِ الشَّرِيفِ، وَقَارَاً مِنْهُ.

وَقَالَ العَلَّامَةُ القَارِي في مَعْنَى: لَا يَكَادُ يُخْرِجُ شَيْئَاً مِنْ أَطْرَافِهِ: أَيْ: مِنْ بُزَاقِ فَمِهِ، أَو مُخَاطِ أَنْفِهِ، أَو قَطْعِ ظُفْرِهِ. اهـ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَه عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى الْحَسَنِ ـ أَيْ: البَصْرِيِّ ـ نَعُودُهُ حَتَّى مَلَأْنَا الْبَيْتَ، فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلَأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ.

فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَرَحِّبُوا بِهِمْ، وَحَيُّوهُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ» انْظُرْ مُقَدِّمَةَ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه في فَضْلِ العِلْمِ وَقَالَ في الزَّوَائِدِ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاتِّبَاعِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين.

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 4/ رجب /1440هـ، الموافق: 11/ آذار / 2019م

الشيخ أحمد شريف النعسان
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  من كتاب سيدنا محمد رسول الله   

08-07-2019 23 مشاهدة
124ـ اسْتِفْتَاحُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ اللَّيْلِ

اسْتِفْتَاحُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ اللَّيْلِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يُطِيلُ في اسْتِفْتَاحِهِ الصَّلَاةَ في اللَّيْلِ، بِأَنْوَاعٍ مِنْ صِيَغِ ... المزيد

 08-07-2019
 
 23
04-07-2019 15 مشاهدة
123ـ إطالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في صلاة الليل

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا ... المزيد

 04-07-2019
 
 15
01-07-2019 23 مشاهدة
122ـ أذكاره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حين يستيقظ لصلاة الليل

أَذْكَارُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حِين يَسْتَيْقِظُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، يَمْسَحُ ... المزيد

 01-07-2019
 
 23
27-06-2019 18 مشاهدة
121ـ وقت قيامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ متهجداً

وَقْتُ قِيَامِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُتَهَجِّدَاً: رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى ... المزيد

 27-06-2019
 
 18
24-06-2019 29 مشاهدة
120ـ حول تهجده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

حَوْلَ تَهَجُّدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامَاً مَحْمُودَاً﴾. قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ: الهُجُودُ هُوَ ... المزيد

 24-06-2019
 
 29
21-06-2019 24 مشاهدة
119ـ كان يكره التكلف في العبادات

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ ... المزيد

 21-06-2019
 
 24

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5037
المقالات 2312
المكتبة الصوتية 4005
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 386020095
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :