123ـ إطالته    في صلاة الليل

123ـ إطالته    في صلاة الليل

من كتاب سيدنا محمد رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

123ـ إطالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في صلاة الليل

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

حَدِيثُهُ، أَوحَدِيثٌ عَـنْهُ يُطْرِبُني   ***   هَذَا إِذَا غَابَ، أَوْ هَذَا إِذَا حَضَرَا

كِـلَاهُمَا حَـسَنٌ عِـنْدِي أُسَرُّ بِهِ   ***    لَكِنَّ أَحْلَاهُمَا مَا وَافَقَ الـــنَّظَرَا

يَقُولُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ عَبْدُ اللهِ سِرَاجُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ: سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: إِطَالَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ:

كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يُطِيلُ القِرَاءَةَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ فِيهَا وَالسُّجُودَ، وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ في سُجُودِهِ.

رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ ـ أَيْ: تَشَقَّقَتْ مِنْ كَثْرَةِ القِيَامِ ـ.

وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ» بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ـ أَيْ: تَشَقَّقَ ـ.

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: إِذْ حَصَلَ الانْتِفَاخُ وَالوَرَمُ، وَحَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ.

وَجَاءَ في رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟

قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدَاً شَكُورَاً» صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَالمَعْنَى: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي لِمَا غُفِرَ لِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدَاً شَكُورَاً؟ بَلْ: إِنَّ المَغْفِرَةَ هِيَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرَاً، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِالجَهْدِ في العِبَادَةِ، وَمَشَقَّةِ البَدَنِ فِيهَا.

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَحُمِلَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إلى المَلَلِ، لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ كَانَتْ أَكْمَلَ الأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ الشَّرِيفِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ـ بَلْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».

فَأَمَّا غَيْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَشِيَ المَلَلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَكِدَّ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا».

قَالَ الحَافِظُ القَسْطَلَانِيُّ: لَكِنْ رُبَّمَا دَسَّتِ النَّفْسُ أَو الشَّيْطَانُ عَلَى المُجْتَهِدِ في العِبَادَةِ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ، خُصُوصَاً إِذَا كَبِرَ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ ضَعُفْتَ وَكَبِرتَ، فَأَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَمَلُكَ بِالكُلِّيَّةِ ـ قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ جَمِيلَاً، لَكِنْ فِيهِ دَسَائِسُ، فَإِنَّهُ إِنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ يَكُونُ اسْتِدْرَاجَاً، يَؤُولُ بِهِ إلى تَرْكِ العَمَلِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً، إلى أَنْ يَنْقَطِعَ العَمَلُ بِالكُلِّيَّةِ، وَمَا تَرَكَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ المَغْفُورُ لَهُ شَيْئَاً مِنْ عَمَلِهِ بَعْدَ كِبَرِهِ. اهـ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: ـ أَيْ: ظَنَنْتُ ـ يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلَاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ.

ـ وَفِي رِوَايَةٍ للنَّسَائِيِّ: لَا يَمُرُّ بِآيَةِ تَخْوِيفٍ، أَوْ تَعْظِيمٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا ذَكَرَهُ ـ.

ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوَاً مِنْ قِيَامِهِ (أَيْ: قَرِيبَاً في الطُّولِ مِنْ قِيَامِهِ) ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قَامَ طَوِيلَاً قَرِيبَاً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبَاً مِنْ قِيَامِهِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاتِّبَاعِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين.

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 2/ ذو القعدة /1440هـ، الموافق: 5/ تموز / 2019م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  من كتاب سيدنا محمد رسول الله   

03-12-2019 13 مشاهدة
158ـ حفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم

لَقَدْ حَفِظَ اللهُ تعالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ في مَنْشَئِهِ وَمَرْبَاهُ، فَشَبَّ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشْرَفِ الأَحْوَالِ، وَأَكْرَمِ الخِصَالِ، يَكْلَؤُهُ اللهُ تعالى وَيَحُوطُهُ ... المزيد

 03-12-2019
 
 13
29-11-2019 22 مشاهدة
157ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ صغره (4)

وَتَقَدَّمَ في بَحْثِ تَوَاضُعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ: فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ سَمِعَ مَا ذَكَرْتَ، فَبَعَثَنِي ... المزيد

 29-11-2019
 
 22
29-11-2019 25 مشاهدة
156ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ صغره (3)

وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلَاً فَأَغْنَى﴾. فَالمَعْنَى: وَجَدَكَ ذَا عَيْلَةٍ ـ أَيْ: إِقْلَالٍ ـ أَوْ ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ رَبُّكَ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَفَتَحَ عَلَيْكَ أَبْوَابَ الرِّزْقِ وَالخَيْرِ الكَثِيرِ. ... المزيد

 29-11-2019
 
 25
21-11-2019 38 مشاهدة
155ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ صغره (2)

الوَجْهُ الثَّانِي: مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ رَوَاهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ إِسْحَاقَ، كَمَا في شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ وَغَيْرِهِ ـ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ... المزيد

 21-11-2019
 
 38
20-11-2019 40 مشاهدة
154ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ صغره

ذَكَرَ سُبْحَانَهُ عِنَايَتَهُ بِحَبِيبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ صِغَرِ سِنِّهِ، وَتَعَهُّدَهُ إِيَّاهُ، وَرِعَايَتَهُ لَهُ، تَنْبِيهَاً إلى أَنَّ اللهَ تعالى الذي تَوَلَّاهُ بِعِنَايَتِهِ مُنْذُ صِغَرِهِ، ... المزيد

 20-11-2019
 
 40
15-11-2019 57 مشاهدة
153ـ عناية الله به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2)

وَهَكَذَا نَشَأَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في بَيْتِ عِزٍّ وَشَرَفٍ، عَزِيزَاً مُكَرَّمَاً، مُعَظَّمَاً، مَحْفُوفَاً بِعِنَايَةِ اللهِ تعالى، وَمُطَيَّبَاً بِعِنَايَتِهِ سُبْحَانَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تعالى ... المزيد

 15-11-2019
 
 57

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5128
المقالات 2454
المكتبة الصوتية 4037
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 387835880
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :