232ـ توقير العلماء الربانيين من توقير الله تعالى

232ـ توقير العلماء الربانيين من توقير الله تعالى

كلمة شهر جمادى الأولى 1447

232ـ توقير العلماء الربانيين من توقير الله تعالى

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الرَّبَّانِيِّينَ ـ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى ـ هُوَ أَدَبٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

تَوْقِيرُ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَوْقِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا﴾.

فَكُلُّ مَا يَشْرُفُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ حَقَّهُ التَّعْظِيمُ وَالتَّوْقِيرُ.

رَوَى الحَاكِمُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا».

هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ هُمْ وُرَّاثُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، هُمْ حُرَّاسُ الـشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ.

وَيَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: حقٌّ عَلَى العَاقِلِ أَنْ لَا يَسْتَخفَّ بِثَلَاثَةٍ: العُلَمَاءِ وَالسَّلاَطِيْنِ وَالإِخْوَانِ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطَانِ ذَهَبَتْ دُنيَاهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالإِخْوَانِ ذَهَبَتْ مُرُوءتُهُ.

وَيَقُولُ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ. اهـ.

هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ هُمْ أَتْبَاعُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، السَّائِرُونَ عَلَى هَدْيِهِ، وَالنَّاهِلُونَ مِنْ عِلْمِهِ، وَالْمُتَخَلِّقُونَ بِأَخْلَاقِهِ، لَا يُقَابِلُونَ الإِسَاءَةَ بالإِسَاءَةِ، بَلْ يَتَّصِفُونَ بِصِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وَيَمْتَثِلُونَ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا حَالَهُمْ وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ؟

كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا حَالَهُمْ وَاللهُ تَعَالَى يُخَاطِبُهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾؟

كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا حَالَهُمْ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى قَوْلًا وَفِعْلًا وَسُلُوكًا؟

كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا حَالَهُمْ وَهُمْ وَرَثَةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

كَيْفَ لَا يَكُونُ هَذَا حَالَهُمْ بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُمُ اللهُ تَعَالَى دَرَجَاتٍ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

فَلَهُمْ مَكَانَةٌ عَالِيَةٌ بِرَفْعِ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ، وَمَنْ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْفِضَهُ؟

وَلَكِنْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: لَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إِلَّا ذَوُوهُ.

يُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ عَلَيْكَ إِذَا أَتَيْتَهُ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الْقَوْمِ عَامَّةً، وَتَجْلِسَ قُدَّامَهُ، وَلَا تُشِرْ بِيَدَيْكَ، وَلَا تَغْمِزْ بِعَيْنَيْكِ، وَلَا تَقُلْ: قَالَ فُلَانٌ خِلَافَ قَوْلِكَ، وَلَا تَأْخُذْ بِثَوْبِهِ، وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ.

وَيَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَا أَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا الْقُرْآنِ أَوِ النَّحْوِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا كُنْتُ أَسْتَفِيدُ إِلَّا اسْتَعْمَلْتُ فِيهِ الْأَدَبَ، وَكَانَ ذَلِكَ طَبْعِي إِلَى أَنْ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَرَأَيْتُ مِنْ مَالِكٍ مَا رَأَيْتُ مِنْ هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ الْعِلْمَ، فَازْدَدْتُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى رُبَّمَا كُنْتُ أَكُونُ فِي مَجْلِسِهِ فَأَصَفِّحُ الْوَرَقَةَ تَصَفُّحًا رَفِيقًا؛ هَيْبَةً لَهُ لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا.

وَيَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أُمِرْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمُ مِنْهُ.

وَرَحِمَ اللهُ تَعَالَى الْإِمَامَ أَحْمَدَ حِينَ ذُكِرَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَّكِئًا مِنْ عِلَّةٍ فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأَ.

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَكِبَ يَوْمًا، فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: تَنَحَّ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا أُمِرْنَا أن نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا.

فَقَالَ زَيدٌ: أَرِنِي يَدَكَ.

فَأَخرَجَ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا، فَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أن نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيتِ نَبِيِّنَا. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَرَحِمَ اللهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ:

الـنَّاسُ فِي صُـورَةِ التَّشْبِيهِ أَكْفَاءُ   ***   أَبُــوهُــمْ آدَمٌ وَالْأُمُّ حَـــــــوَّاءُ

فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ شَـرَفٌ   ***   يُـفَاخِـــرُونَ بِهِ فَــــالـطِّينُ وَالْمَاءُ

مَـا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْـعِلْمِ إِنَّهُمُ   ***   عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْــــتَهْدَى أَدِلَّاءُ

وَقَدْرُ كُـلِّ امْرِئٍ مَـا كَانَ يُحْسِنُهُ   ***   وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْــــعِلْمِ أَعْدَاءُ

فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَــيًّا بِهِ أَبَـــدًا    ***   فَـالنَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ

أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ أَنْ تَدُلَّنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، الَّذِينَ إِذَا رَأَيْنَاهُمْ ذَكَّرْنَا اللهَ تَعَالَى، وَالَّذِينَ إِذَا تَكَلَّمُوا زَادُونَا عِلْمًا نَافِعًا، وَإِذَا رَأَيْنَا أَفْعَالَهُمْ رَأَيْنَا فِيهِمْ أَخْلَاقَ وَأَفْعَالَ وَأَحْوَالَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. آمين آمين آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 1/ جمادى الآخرة /1447هـ، الموافق: 21/تشرين الثاني / 2025م

 2025-11-24
 1230
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  كلمة الشهر

19-06-2026 203 مشاهدة
239ـ فوائد من الهجرة النبوية الشريفة

فَقَدْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَةٍ مُبَارَكَةٍ مُنَوَّرَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالرَّحْمَةِ وَالْأَخْلَاقِ، مَلَأَتْ دَعْوَتُهُ الْقُلُوبَ نُورًا، وَزَادَتِ الْعُقُولَ ... المزيد

 19-06-2026
 
 203
20-05-2026 361 مشاهدة
238ـ الأيام ليست كلها سواء

أَيَّامُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا لَيْسَتْ كُلُّهَا سَوَاءً، وَالْأَوْقَاتُ وَالسَّاعَاتُ لَيْسَتْ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُنَاكَ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَسَاعَاتٌ كَرِيمَةٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَيَعُمُّ فِيهَا الْفَضْلُ، ... المزيد

 20-05-2026
 
 361
23-04-2026 786 مشاهدة
237ـ البهائم العجماوات تميز بين أولياء الله وأعدائه

لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقَاتِ، غَيْرَ الإِنْسَانِ خَاضِعَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُنْصَاعَةٌ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِاخْتِيَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ... المزيد

 23-04-2026
 
 786
30-03-2026 1054 مشاهدة
236ـ كان صلى الله عليه وسلم في محط العناية

يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَنَشْكُرَهُ أَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَمَنَّ عَلَيْنَا ... المزيد

 30-03-2026
 
 1054
02-03-2026 884 مشاهدة
235ـ تأثير الصوم على الجوارح

شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ شَهْرٌ لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامِهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلِ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو ... المزيد

 02-03-2026
 
 884
20-01-2026 1468 مشاهدة
234ـ أخطر شيء في حياة الإنسان

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، أَوْ مَعَ الغَافِلِينَ، أَوْ مِنْ مُجَالَسَةِ الغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، لِأَنَّ الغَفْلَةَ ... المزيد

 20-01-2026
 
 1468

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5721
المقالات 3263
المكتبة الصوتية 4884
الكتب والمؤلفات 21
الزوار 437831904
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2026 
برمجة وتطوير :