كلمة شهر ذي القعدة 1447
237ـ البهائم العجماوات تميز بين أولياء الله وأعدائه
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لِنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقَاتِ، غَيْرَ الإِنْسَانِ خَاضِعَةٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُنْصَاعَةٌ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِاخْتِيَارِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وَخَيَّرَهَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي تَحَمُّلِ الأَمَانَةِ فَاعْتَذَرَتْ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ خَشْيَةً مِنْ تَحَمُّلِ أَمَانَةِ التَّكْلِيفِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، إِمَّا الثَّوَابُ، وَإِمَّا العِقَابُ.
جَمِيعُ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ غَيْرَ الإِنْسَانِ تَعْلَمُ أَنَّ سَيِّدَِنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، رَسُولُ اللهِ، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ».
البَهَائِمُ العَجْمَاوَاتُ تُمَيِّزُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللهِ وَأَعْدَائِهِ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنَ العَجِيبِ أَنَّ البَهَائِمُ وَالدَّوَابَّ تَخَافُ مِنْ يَوْمِ القِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أَنْصَتَتْ مُسْتَمِعَةً هَلْ سَتَقُومُ السَّاعَةُ، لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ السَّاعَةَ سَتَكُونُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ (أَيْ: مُصْغِيَةٌ مُسْتَمِعَةٌ؛ يُقَالُ أَصَاخَ وَأَسَاخَ) يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ».
بَلِ الأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا تَسْتَرِيحُ مِنَ العَبْدِ الفَاجِرِ الَّذِي أَتْعَبَ أَوْلِيَاءَ اللهِ تَعَالَى فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟
فَقَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ».
سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ! الدَّوَابُّ وَالبَهَائِمُ العَجْمَاوَاتُ تَنْزَعِجُ مِنْ وُجُودِ العَبْدِ الفَاجِرِ الَّذِي بَارَزَ اللهَ تَعَالَى، وَعَادَىْ أَوْلِيَاءَ اللهِ وَآذَاهُمْ، فَإِذَا مَاتَ اسْتَرَاحَتْ مِنْهُ؛ مِنْ أَيْنَ جَاءَهَا هَذَا التَّمْيِيزُ، بَيْنَ الوَلِيِّ وَالفَاجِرِ؟
هَذِهِ البَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ العَجْمَاوَاتُ تَعْلَمُ أَنَّ الضَّرْبَ بِغَيْرِ حَقٍّ ظُلْمٌ، رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا ـ وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا ـ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ».
فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ!
فَقَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ـ وَمَا هُمَا ثَمَّ ـ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي».
فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ!
قَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُـ وَمَا هُمَا ثَمَّ ـ» أَيْ: وَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا حَاضِرَيْنِ هُنَاكَ.
هَذِهِ البَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ تُقَدِّرُ فَضْلَ العُلَمَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالدُّعَاةِ وَالمُصْلِحِينَ وَمُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرِثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
مِنْ هَذِهِ البَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ العَجْمَاوَاتُ الدِّيكُ الَّذِي يُوقِظُ أَوْلِيَاءَ اللهِ تَعَالَى وَأَحْبَابَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ نَهَى سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبِّهِ، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ».
قَالَ أَبُو النَّضْرِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ.
خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: خُلِقْنَا لِعِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ أَجَلِّ وَأَعْظَمِ هَذِهِ العِبَادَةِ، الدُّعَاءُ لِأَهْلِ التَّقْوَى وَلِأَهْلِ الصَّلَاحِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ تَعَالَى حَقًّا، وَهُمُ الصَّفْوَةُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ تَعَالَى لِحَمْلِ رِسَالَتِهِ وَتَبْلِيغِهَا لِلْأُمَّةِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ شَرَفٌ لِلدَّاعِي، حَيْثُ يَنْسَجِمُ مَعَ الكَوْنِ كُلِّهِ مِنْ فَرْشِهِ إِلَى عَرْشِهِ، فَالكَوْنُ كُلُّهُ يُصَلِّي ـ أَيْ: يَدْعُو ـ لِمُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلِيَاءُ اللهِ تَعَالَى هُمُ المُعَلِّمُونَ لِلنَّاسِ الخَيْرَ، فَمَنْ إِذًا؟
وَلْيَسْعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ الخَيْرَ لِيَحْظَى بِدُعَاءِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ وَأَيُّ خَيْرٍ أَعْظَمَ مِنَ الاتِّبَاعِ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟
اللَّهُمَّ خَلِّقْنَا بِأَخْلَاقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَأَدِّبْنَا بِآدَابِهِ، وَارْزُقْنَا السَّيْرَ عَلَى شَرْعِهِ وَنَهْجِهِ حَتَّى نَلْقَاكَ وأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا. آمين.
** ** **
تاريخ الكلمة:
السبت: 1/ ذو القعدة /1447هـ، الموافق: 18/نيسان / 2026م
أَيَّامُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا لَيْسَتْ كُلُّهَا سَوَاءً، وَالْأَوْقَاتُ وَالسَّاعَاتُ لَيْسَتْ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُنَاكَ أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَسَاعَاتٌ كَرِيمَةٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَيَعُمُّ فِيهَا الْفَضْلُ، ... المزيد
يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَنَشْكُرَهُ أَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَمَنَّ عَلَيْنَا ... المزيد
شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ شَهْرٌ لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامِهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلِ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو ... المزيد
فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، أَوْ مَعَ الغَافِلِينَ، أَوْ مِنْ مُجَالَسَةِ الغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَعَنْ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، لِأَنَّ الغَفْلَةَ ... المزيد
الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، فَالْجَسَدُ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، الْجَسَدُ التُّرَابِيُّ مُدْرَكٌ بِالْبَصَرِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَمُدْرَكَةٌ بِالْبَصِيرَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْجَسَدِ، ... المزيد
الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الرَّبَّانِيِّينَ ـ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى ـ هُوَ أَدَبٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ... المزيد