السؤال :
إذا صلّى أحد صلاة المغرب ثم نام، واستيقظ قرابة الساعة الثانية عشرة ليلًا، فأدّى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء يريد أن يصلي نافلة الليل، فهل تُعَدّ هذه الصلاة من صلاة التهجّد أم من قيام الليل بشكل عمومي؟ وهل يشترط لصلاة التهجّد أن ينام الإنسان بعد أداء صلاة العشاء ثم يستيقظ لها؟ أم أن من نام قبل صلاة العشاء ثم استيقظ وصلّى العشاء، يمكنه بعد ذلك أن يصلّي صلاة التهجّد؟ يرجى توضيح هذه المسألة مشكورين..
 الاجابة :
رقم الفتوى : 13835
 0000-00-00

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: صَلاةُ التَّهَجُّدِ، هِيَ صَلاةُ تَطَوُّعٍ في اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ العَرَبِيِّ: في مَعْنَى التَّهَجُّدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الأَوَّلُ: أَنَّهُ النَّوْمُ، ثُمَّ الصَّلاةُ، ثُمَّ النَّوْمُ، ثُمَّ الصَّلاةُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ الصَّلَاةُ بَعْدَ النَّوْمِ.

والثَّالِثُ: أَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ.

ثُمَّ قَالَ عَن الأَوَّلِ: إِنَّهُ من فَهْمِ التَّابِعِينَ الذينَ عَوَّلُوا على أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ وَيُصَلِّي، وَيَنَامُ وَيُصَلِّي؛ وَالأَرْجَحُ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ الرَّأْيُ الثَّانِي.

والتَّهَجُّدُ في حَقِّ الأُمَّةِ سُنَّةٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ، وَمَنْهَاةٌ عَن الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَن الْجَسَدِ» رواه الحاكم والترمذي عَنْ بِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والمُرَادُ بِهَا: التَّهَجُّدُ.

وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، روى الحاكم وأبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ (يَعْنِي: أَيُّ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ أَرْجَى لِلدَّعْوَةِ وَأَوْلَى لِلِاسْتِجَابَةِ).

قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ»

وروى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».

وَعَدَدُ رَكَعَاتِهَا: أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا اثْنَا عَشَرَ رَكْعَةٍ.

ثانياً: قِيَامُ اللَّيْلِ هُوَ قَضَاءُ اللَّيْلِ وَلَوْ سَاعَةً بالصَّلاةِ أَو غَيْرِهَا؛ وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، أَنَّهُ يَحْصُلُ بِصَلاةِ العِشَاءِ جَمَاعَةً، وَالعَزْمِ على صَلاةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» رواه الإمام مسلم عَن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَاتَّفَقَ الفُقهَاءُ على مَشْرُوعِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ والحَنَابِلَةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ، وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهَاءِ في أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لا يَكُونُ إلا بَعْدَ صَلاةِ العِشَاءِ، سَوَاءٌ سَبَقَهُ نَوْمٌ أو لَمْ يَسْبِقْهُ.

أَمَّا عَدَدُ رَكَعَاتِهِ: فَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ.

وبناء على ذلك:

فَصَلاةُ التَّهَجُّدِ لا تَكُونُ إلا بَعْدَ النَّوْمِ، وَلَوْ رَقْدَةً، وَصَلاةُ قِيَامِ اللَّيْلِ تَكُونُ بَعْدَ صَلاةِ العِشَاءِ، سَوَاءٌ سَبَقَهُ نَوْمٌ أو لَمْ يَسْبِقْهُ نَوْمٌ. هذا، والله تعالى أعلم.