السؤال :
جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ». قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. فَكَيْفَ يَدْعُو سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَاحِبُ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 13919
 2026-01-22

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

وَرَوَى الإِمَامُ الحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ».

هَذَا هُوَ خُلُقُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءُ عَلَى رَجُلٍ أُصِيبَ بِدَاءٍ خَطِيرٍ وَهُوَ الكِبْرُ، وَلَأَنْ يَذْهَبَ الكِبْرُ مِنْ قَلْبِهِ بِذَهَابِ يَدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَبْقَى الكِبْرُ فِي قَلْبِهِ وَتَبْقَى يَدُهُ.

فَهَذَا الَّذِي دَعَا عَلَيْهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِ عَلَى طَاعَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ، قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الكِبْرِ، وَأَنْ يَسْتَقِيمَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ، وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ كَانَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ خَيْرًا فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ ذَهَابَ يَدِهِ كَانَ سَبَبًا لِذَهَابِ الكِبْرِ مِنْ قَلْبِهِ. هَذَا أَوَّلًا.

ثَانِيًا: هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ فِيهِ فَوَائِدُ عِدَّةٌ؛ مِنْهَا:

الأُولَى: وُجُوبُ تَعْظِيمِ أَمْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالإِسْرَاعِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

الثَّانِيَةُ: مِنْ خِلَالِ هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ نَعْلَمُ عَظِيمَ أَمْرِ الكِبْرِ وَخُطُورَتِهِ، لِأَنَّ دُعَاءَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَانَ بِسَبَبِ الكِبْرِ الَّذِي مَنَعَهُ مِنِ امْتِثَالِ الأَمْرِ.

فَالكِبْرُ أَمْرُهُ عَظِيمٌ وَخَطِيرٌ، رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ».

لِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ إِلَى قَلْبِهِ، عِنْدَمَا يَسْمَعُ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى، وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ غَضَاضَةً فِي الانْصِيَاعِ لِلْحَقِّ، أَوِ العَمَلِ بِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ تَسْلِيمًا، فَعَلَيْهِ بِالإِسْرَاعِ لِعِلَاجِ هَذَا الكِبْرِ، وَأَنْ يُسْرِعَ لِتَطْهِيرِ قَلْبِهِ، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ فِتْنَةٌ، أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

الثَّالِثَةُ: صَاحِبُ الكِبْرِ يَفْضَحُهُ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَلَا يَسْتُرُ اللهُ تَعَالَى العَبْدَ المُتَكَبِّرَ، بَلْ يُعَجِّلُ اللهُ تَعَالَى العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ المُتََكَبِّرِ عَلَى الحَقِّ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ حَضْرَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَحْمَتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عِلَاجًا لِدَاءٍ اسْتَعْصَى عَلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ الكِبْرُ، فَإِذَا ذَهَبَتْ يَدُهُ وَمَعَ ذَهَابِ اليَدِ ذَهَبَ الكِبْرُ، فَهَذَا عَيْنُ الرَّحْمَةِ.

وَإِذَا لَمْ يَذْهَبِ الكِبْرُ بِذَهَابِ يَدِهِ فَكَانَ عِقَابًا لَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَيُذِيقُهُ اللهُ تَعَالَى عَذَابَ الْحَرِيقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. هذا، والله تعالى أعلم.