طباعة |
![]() |
54- خطبة الجمعة: ابدأ عامك واختمه بطاعة الله عز وجل | |
54ـ خطبة الجمعة: ابدأ عامك واختمه بطاعة الله عز وجل مقدمة الخطبة: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فَيَا عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}. يَا أُمَّةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، رَبُّنَا جَعَلَ أُمَّتَنَا مُتَمَيِّزَةً، جَعَلَهَا أُمَّةً يُقْتَدَى بِهَا، وَلَا تَقْتَدِي بِأَحَدٍ، أُمَّتُنَا جَعَلَهَا مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ خَيْرَ الأُمَمِ بِمَا أُكْرِمَتْ مِنْ تَـشْرِيعٍ عَظِيمٍ ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وَلَكِنْ وَبِكُلِّ أَسَفٍ هَذِهِ الأُمَّةُ تَخَلَّتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَبَادِئِهَا وَتَشْرِيعَاتِ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ اتِّبَاعًا لِشَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ التَّأْرِيخُ، فَالقَلِيلُ مِنَّا الَّذِي يُؤَرِّخُ بِالتَّارِيخِ الهِجْرِيِّ، وَلَكِنَّ الكَثِيرَ وَبِكُلِّ أَسَفٍ يُؤَرِّخُ بِالتَّارِيخِ المِيلَادِيِّ الَّذِي تَبَنَّتْهُ النَّصَارَى، وَالَّذِي عِنْدَمَا سَمِعَتِ الكَنِيسَةُ بِأَنَّ القَوْمَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا تَارِيخًا لِلْبَشَرِيَّةِ مِنْ خِلَالِ السَّنَةِ الهِجْرِيَّةِ قَامَتْ قَائِمَتُهَا وَلَمْ تَقْعُدْ، وَنَحْنُ الأَمْرُ عِنْدَنَا يَسِيرٌ. وَهَذِهِ الأَشْهُرُ الَّتِي نُؤَرِّخُ بِهَا لَا نَعْلَمُ لَهَا أَسَاسًا. وَمَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لَنَا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَـشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. جَعَلَكُمْ أُمَّةً مُتَمَيِّزَةً لِيُقْتَدَى بِكُمْ، لِأَنَّهُ بِالنَّهَارِ وَبِالشَّمْسِ لَا يُعْرَفُ عَدَدُ الأَيَّامِ وَلَا عَدَدُ الأَشْهُرِ وَلَا عَدَدُ السَّنَوَاتِ، وَإِنَّمَا مِنْ خِلَالِ القَمَرِ يُعْرَفُ عَدَدُ الأَشْهُرِ وَالأَعْوَامِ. فَأُنَاشِدُكُمُ اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى التَّأْرِيخِ بِالشَّهْرِ العَرَبِيِّ، وَنَحْنُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ مِنْ هَذَا العَامِ الجَدِيدِ، فِي شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ، أَنْ نَعْتَزَّ بِإِسْلَامِنَا، إِنْ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِضَلَالِهِمْ وَبِانْحِرَافِهِمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِالاعْتِزَازِ بِدِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. يَا عِبَادَ اللهِ: مِنْ بَدِيعِ حِكْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَمَا قَالَ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. جَعَلَ آخِرَ شَهْرٍ فِي السَّنَةِ الهِجْرِيَّةِ شَهْرًا مُحَرَّمًا، وَجَعَلَ الشَّهْرَ الأَوَّلَ مِنَ العَامِ الَّذِي نَسْتَقْبِلُهُ شَهْرًا مُحَرَّمًا، جَعَلَ آخِرَ العَامِ فِي طَاعَةٍ، وَاسْتَهَلَّ العَامَ الجَدِيدَ فِي طَاعَةٍ جَدِيدَةٍ، فَآخِرُ الأَشْهُرِ مِنَ السَّنَةِ الهِجْرِيَّةِ هُوَ شَهْرُ ذِي الحِجَّةِ حَيْثُ يَكُونُ المُسْلِمُونَ فِي الدِّيَارِ المُقَدَّسَةِ يُؤَدُّونَ أَعْظَمَ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ هَذَا الدِّينِ أَلَا وَهُوَ الحَجُّ، وَيَسْتَقْبِلُونَ عَامًا جَدِيدًا بِشَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ الَّذِي قَالَ فِيهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَمَا يَرْوِي الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ». إِذَا كُنَّا يَا عِبَادَ اللهِ نُكْثِرُ الصَّوْمَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ الَّذِي هُوَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَفِي شَهْرِ شَعْبَانَ الَّذِي يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَمَا أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَذَلِكَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، الصِّيَامُ فِيهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَعْدِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ يَا عِبَادَ اللهِ. هَذَا الشَّهْرُ العَظِيمُ المُبَارَكُ شَهْرُ المُحَرَّمِ، آخِرُ العَامِ شَهْرٌ مُحَرَّمٌ، وَبِدَايَةُ العَامِ شَهْرٌ مُحَرَّمٌ، خَتَمْتَ عَامَكَ بِطَاعَةٍ، وَاسْتَقْبَلْتَ عَامًا جَدِيدًا بِطَاعَةٍ، فَهَنِيئًا لَكَ إِذَا كَانَتْ بِدَايَتُكَ عَلَى طَاعَةٍ وَخَتَمْتَ عَامَكَ بِطَاعَةٍ، وَالوَيْلُ وَالحَسْرَةُ لِمَنْ بَدَأَ عَامَهُ بِمَعْصِيَةٍ وَخَتَمَ العَامَ المُنْصَرِمَ بِمَعْصِيَةٍ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. يَا أُمَّةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ نَسْتَقْبِلُ عَامًا هِجْرِيًّا جَدِيدًا، أُنَاشِدُكُمُ اللهَ أَنْ تَتَذَكَّرُوا وَتَحْفَظُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. هَلْ بِوُسْعِنَا يَا عِبَادَ اللهِ أَنْ نَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ التُّجَّارُ اليَوْمَ، التُّجَّارُ قَبْلَ نِهَايَةِ العَامِ المُنْصَرِمِ وَمَعَ بِدَايَةِ العَامِ الجَدِيدِ يَقْضُونَ أَيَّامًا عِدَّةً فِي جَرْدِ الحِسَابَاتِ، وَسَامِحُونِي أَنْ أَقُولَ: رُبَّمَا أَنْ يَكُونَ جَرْدُ الحِسَابَاتِ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا عِدَّةً عَلَى حِسَابِ صَلَوَاتِهِمْ، وَعَلَى حِسَابِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَعَلَى حِسَابِ الزَّوْجَةِ وَالأَوْلَادِ، وَعَلَى حِسَابِ حُضُورِ مَجَالِسِ العِلْمِ، يَتَفَرَّغُونَ تَفَرُّغًا كَامِلًا مِنْ أَجْلِ جَرْدِ الحِسَابَاتِ، حَتَّى يَعْرِفَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ نَفْسَهُ هَلْ هُوَ رَابِحٌ أَمْ خَاسِرٌ؟ لِيَتَلَافَى التَّقْصِيرَ إِنْ كَانَ خَاسِرًا لِيَكُونَ رَابِحًا، لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ خَاسِرًا، وَإِذَا اسْتَوَى العَامُ المُنْصَرِمُ مَعَ العَامِ الَّذِي قَبْلَهُ بِدُونِ أَنْ يُحَقِّقَ رَبْحًا فَإِنَّهُ يُعُدُّ نَفْسَهُ فِي خَسَارَةٍ، وَيَتَأَلَّمُ عِنْدَمَا يَجِدُ الخَسَارَةَ، وَيَتَأَلَّمُ عِنْدَمَا يَجِدُ أَمْوَالَهُ قَدْ ضُيِّعَتْ وَأَكَلَهَا النَّاسُ عَلَيْهِ، يَتَأَلَّمُ عَلَى شَيْءٍ فَانٍ. يَا إِخْوَتِي وَيَا أَحِبَّتِي فِي اللهِ: هَلِ انْتَفَعْنَا مِنْ طَرِيقَةِ التُّجَّارِ فِي أَنْ نَرْجِعَ لِحِسَابِ أَنْفُسِنَا، لِنَجْعَلَ عَمَلِيَّةِ جَرْدٍ لِأَعْمَالِنَا فِي العَامِ المُنْصَرِمِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ ابْنُ آدَمَ: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. وَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. عَمَلُكَ يُسَجَّلُ عَلَيْكَ، فَهَلْ بِوُسْعِكَ يَا عَبْدَ اللهِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى صَحِيفَةِ أَعْمَالِكَ وَأَنْتَ تَتَذَكَّرُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. هَذِهِ الأَشْهُرُ وَجَّهَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. هَلْ رَجَعْتَ إِلَى سِجِلِّ أَعْمَالِكَ وَتَذَكَّرْتَ الأَيَّامَ المُنْصَرِمَةَ، اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا قَدْ مَضَتْ وَسُجِّلَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ، وَأَنْتَ الآنَ بِوُسْعِكَ أَنْ تُصَحِّحَ أَعْمَالَكَ، وَكَيْفَ تُصَحِّحُ هَذِهِ الأَعْمَالَ؟ أَنْ تَرْجِعَ وَتُقَلِّبَ أَيَّامَكَ المَاضِيَةَ، إِنْ وَجَدْتَ الطَّاعَةَ فَقُلْ يَا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَإِنْ وَجَدْتَ الظُّلْمَ لِنَفْسِكَ أَوْ لِغَيْرِكَ فَبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ، وَخَاصَّةً وَقَدْ سَمِعْتَ مِنِّي فِي الأُسْبُوعِ المَاضِي وَالَّذِي قَبْلَهُ مَا هِيَ نَتِيجَةُ الظَّالِمِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. ارْجِعْ وَتَدَارَكْ نَفْسَكَ بِعَمَلِيَّةِ الحِسَابِ، لِأَنَّكَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا إِنْ حَاسَبْتَ نَفْسَكَ فَبِوُسْعِكَ أَنْ تَمْحُوَ كُلَّ خَطِيئَةٍ، بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ وَالنَّدَمِ وَإِعَادَةِ الحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَنْتَهِي أَجَلُكَ يَا عَبْدَ اللهِ؟ دَقَّاتُ قَلْبِكَ الآنَ تَعْمَلُ، وَكُلُّ دَقَّةٍ سَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا تَدْرِي مَتَى تَكُونُ آخِرُ دَقَّةٍ عِنْدَكَ، فَإِذَا جَاءَتِ الدَّقَّةُ الأَخِيرَةُ لِقَلْبِكَ وَتَوَقَّفَ طُوِيَتْ صَحِيفَةُ أَعْمَالِكَ، وَعِوَضًا مِنْ أَنْ تُحَاسِبَ نَفْسَكَ فِي الدُّنْيَا فَتَسْتَدْرِكَ نَفْسَكَ بِإِعَادَةِ الحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا وَالتَّوْبَةِ للهِ، سَوْفَ يُحَاسِبُكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الحِسَابِ لَا يَنْفَعُكَ النَّدَمُ وَلَا البُكَاءُ، وَرُبَّمَا لَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ لَا تَنْفَعَكَ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ. أَلَمْ يَقُلْ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. انْتَبِهْ إِلَى نَفْسِكَ يَا أَخِي، قَبْلَ أَنْ يُحَاسِبَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاسِبْ نَفْسَكَ، يَقُولُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. مَضَى عَامٌ كَامِلٌ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا مَضَتْ عَلَيْكَ، كَمْ صَلَاةٍ فَاتَتْكَ؟ وَكَمْ صَلَاةٍ مَعَ الجَمَاعَةِ فَاتَتْكَ؟ وَكَمْ مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ فَاتَتْكَ؟ وَهَلْ قَضَيْتَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ؟ وَكَمْ سَاعَةٍ قَضَيْتَهَا فِي هَذَا العَامِ المُنْصَرِمِ مِنْ خِلَالِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾؟ كَمْ مِنْ سَاعَةٍ وَمِنْ يَوْمٍ وَمِنْ شَهْرٍ وَأَنْتَ تَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَفِي غَفْلَةٍ عَنِ اللهِ، وَأَنْتَ تَلْعَبُ القِمَارَ وَوَرَقَ الشِّدَّةِ وَتَلْعَبُ بِالطَّاوِلَةِ، وَأَنْتَ أَمَامَ التِّلْفَازِ عَلَى القَنَوَاتِ الَّتِي جُرِّدَتْ وَبِكُلِّ أَسَفٍ مِنَ القِيَمِ وَالأَخْلَاقِ؟ كَمْ مِنْ سَاعَةٍ وَأَيَّامٍ وَأَشْهُرٍ قَضَيْتَهَا عَلَى مَوَاقِعِ الإِنْتَرْنِتِّ؟ وَكَمْ مِنْ سَاعَةٍ قَضَيْتَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ هَلَّا حَاسَبْتَ نَفْسَكَ، وَرَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. كَمْ مَرَّةً نَافَقْتَ لِصَاحِبِ مَالٍ وَلِصَاحِبِ جَاهٍ وَسُلْطَانٍ؟ ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. هَلَّا حَاسَبْنَا أَنْفُسَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، هَلْ أَدَّيْتَ زَكَاتَكَ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ؟ هَلْ أَكْثَرْتَ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَكِّرْ يَا أَخِّي وَأَنْتَ الَّذِي أَكَلْتَ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ رُبَّمَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ طُنٍّ مِنَ الطَّعَامِ مِنْ رِزْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ تَقَوَّى بَدَنُكَ، سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَيَدُكَ وَرِجْلُكَ وَفُؤَادُكَ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَقَوَّى هَذَا البَدَنُ؟ هَلْ تَقَوَّيْتَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ أَمْ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ؟ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ كَمْ مَرَّةً أَكَلْتَ الرِّشْوَةَ؟ وَكَمْ مَرَّةً أَكَلْتَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ؟ هَلْ أَعَدْتَ الحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا، لَا تَنْسَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. كَمْ مَرَّةً سَبَبْتَ زَوْجَتَكَ؟ وَكَمْ مَرَّةً تَكَلَّمْتَ مَعَهَا بِكَلِمَاتٍ لَا تَلِيقُ أَنْ تَصْدُرَ مِنْ إِنْسَانٍ عَاقِلٍ نَحْوَ أُمِّ أَوْلَادِهِ؟ كَمْ مَرَّةً ظَلَمْتَ زَوْجَتَكَ؟ وَكَمْ مَرَّةً قَهَرْتَهَا؟ عَامٌ مُنْصَرِمٌ أَحْصَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَنَسُوهُ، هَلَّا فَكَّرْتَ يَا عَبْدَ اللهِ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ كَمْ مَرَّةً خَتَمْتَ القُرْآنَ العَظِيمَ؟ وَكَمْ مَرَّةً سَبَّحْتَ بِحَمْدِ اللهِ؟ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْكَ أَنْ تُكْثِرَ مِنَ التَّسْبِيحِ، كَمْ مَرَّةً صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟ عَامٌ كَامِلٌ كَمْ مَجْلِسٍ لِلْعِلْمِ حَضَرْتَ فِيهِ؟ فَكِّرْ فِي نَفْسِكَ يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ حَرِيصًا عَلَى مَا يَفْنَى، كُنْ حَرِيصًا عَلَى مَا يَبْقَى، فَكِّرْ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ كَمْ مَرَّةً وَصَلْتَ رَحِمَكَ وَكَمْ مَرَّةً قَطَعْتَهَا؟ فَكِّرْ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ، كَمْ أَصْلَحْتَ بَيْنَ المُتَخَاصِمِينَ وَكَمْ أَفْسَدْتَ بَيْنَهُمْ؟ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فِي العَامِ المُنْصَرِمِ رَزَقَكَ اللهُ الكَثِيرَ كَمْ صَرَفْتَ عَلَى دُخَانِكَ وَكَمْ تَصَدَّقْتَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَكِّرْ يَا أَخِي، صَرَفْتَ المَالَ فِي شُرْبِ الدُّخَانِ، وَصَرَفْتَ الوَقْتَ فِي لَعِبِ الوَرَقِ، وَرُبَّمَا يَتَسَاءَلُ البَعْضُ مَا هُوَ حُكْمُ اللَّعِبِ بِالوَرَقِ وَالطَّاوِلَةِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾. مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ يَا مَنْ يُضَيِّعُ الوَقْتَ وَالمَالَ؟ إِنْسَانٌ مِثْلُكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَقْرَأُ أَكْثَرَ مِنْ جُزْءٍ مِنَ القُرْآنِ، وَأَنْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَـقْضِي أَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ بِلَعِبِ الوَرَقِ، رَزَقَكَ اللهُ المَالَ الكَثِيرَ صَرَفْتَهُ فِي الغَفْلَةِ وَاللَّهْوِ وَمَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا أَبْقَيْتَ لِنَفْسِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ أَمَا تَعْرِفُونَ يَا عِبَادَ اللهِ بِأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ شَاةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَمُوتَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَبَحْنَاهَا فَقَسَمْنَاهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، «مَا فَعَلَتْ شَاتُكُمْ؟» قَالَتْ: أَرَادَتْ أَنْ تَمُوتَ فَذَبَحْنَاهَا، فَقَسَمْنَاهَا وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَنَا مِنْهَا إِلَّا كَتِفُ الشَّاةِ، قَالَ: «كُلُّهَا لَكُمْ إِلَّا الْكَتِفَ» رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى. وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟» رَوَاهُ مُسْلمٌ؟ رَزَقَكَ اللهُ المَالَ فَتَعْصِي اللهَ فِيهِ وَلَا تَصْرِفُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، سَلُوا المُدَخِّنِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَمْ يَتَصَدَّقُ؟ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَهُ الاسْتِعْدَادُ أَنْ يَدْفَعَ خَمْسِينَ لَيْرَةً وَأَكْثَرَ لِيَحْرِقَ نَفْسَهُ وَيَحْرِقَ المَالَ وَيُؤْذِيَ المُجْتَمَعَ، وَيَذْهَبَ هَذَا المَالُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الإِسْلَامَ لَيْلًا وَنَهَارًا. يَا عِبَادَ اللهِ: رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُكْتَبُ عَلَيْنَا وَسَيُعْرَضُ عَلَيْنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. أَنْصَحُكَ يَا أَخِي وَأَنْصَحُ نَفْسِي أَنْ نَقْرَأَ كِتَابَنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا لِأَنَّنَا بِوُسْعِنَا أَنْ نُصَحِّحَ، أَمَّا إِذَا لَمْ نَقْرَأِ الكِتَابَ إِلَّا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ قَرَأْتَهُ فِي تِلْكَ الدَّارِ وَلَمْ تَقْرَأْهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ سَوْفَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَنَّكَ مِنَ الأَشْقِيَاءِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. يَا عِبَادَ اللهِ: هَذَا عَامٌ جَدِيدٌ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَهَلْ نُعَاهِدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَكُونَ عَلَى قَدَمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟ أَنْ نَعْتَبِرَ مِنَ الإِخْوَةِ التُّجَّارِ، أَنْ نَجْرُدَ أَعْمَالَنَا، فَمَا وَجَدْنَا مِنْ خَيْرٍ حَمِدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا وَجَدْنَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَغْفَرْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَلْنُكْثِرْ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، وَلْنُكْثِرْ مِنَ التَّوْبَةِ. أَقُولُ هَذَا القَوْلَ وَكُلٌّ مِنَّا يَسْتَغْفِرُ اللهَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. ** ** ** |
|
جميع الحقوق محفوظة © 2025 https://www.naasan.net/print.ph/ |