228ـ المعصية نوعان

كلمة شهر صفر 1447

228ـ المعصية نوعان

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: المَعْصِيَةُ نَوْعَانِ، مَعْصِيَةٌ فَرْدِيَّةٌ، وَمَعْصِيَةٌ جَمَاعِيَّةٌ.

فَالمَعْصِيَةُ الفَرْدِيَّةُ يَرْتَكِبُهَا صَاحِبُهَا مُسْتَتِرًا، يَتَوَارَى عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ، لَا يُجَاهِرُ بِهَا افْتِخَارًا وَتَحَدِيدًا لِمَشَاعِرِ المُسْلِمِينَ عَامَّةً، يَرْتَكِبُهَا وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَأَنَّهُ يَنْتَهِكُ حُرُمَاتِ اللهِ تَعَالَى، فَيَتَوَارَى بِفِعْلَتِهِ تِلْكَ عَنِ الْأَنْظَارِ، وَيَصُدُّهُ الحَيَاءُ عَنِ المُجَاهَرَةِ بِهَا، وَإِذَا افْتُضِحَ أَمْرُهُ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْتِمَاسِ المَعَاذِيرِ الَّتِي يَعْتَذِرُ بِهَا عَادَةً المُقَصِّرُونَ، وَيُعْلِنُ تَوْبَتَهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُرْدِفُ الْـمَعْصِيَةَ وَالسَّيِّئَةَ بِالحَسَنَاتِ، مُسْتَحْضِرًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾. وَإِذَا صَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ صَارَ مِنَ المَحْبُوبِينَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْقَائِلِ: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. وَيُنْسِي اللهُ تَعَالَى النَّاسَ مَا كَانَ قَدْ بَدَرَ مِنْهُ، وَيَنْشُرُ حَسَنَاتِهِ.

المَعْصِيَةُ الفَرْدِيَّةُ خَطْبُهَا يَسِيرٌ، لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى فَاعِلِهَا، وَرُبَّمَا يَعُودُ ضَرَرُهَا عَلَى دَائِرَتِهِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ فِيهَا.

أَمَّا المَعْصِيَةُ الجَمَاعِيَّةُ، يَرْتَكِبُهَا فَاعِلُهَا جِهَارًا نَهَارًا عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، وَيَكُونُ فَاعِلُهَا قُدْوَةً سَيِّئَةً لِغَيْرِهِ ـ عِيَاذًا بِاللهِ تَعَالَى ـ يَرْتَكِبُهَا فَاعِلُهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ حِلَّهَا فِي غَالِبِ الأَحْيَانِ، وَبِذَلِكَ يَنْتَهِكُ حُرُمَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَيُصْبِحُ دَاعِيًا إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحَالِهِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، رَفَعَ جِلْبَابَ الحَيَاءِ، وَاسْتَغَلَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبِذَلِكَ صَارَ فَاسِدًا وَمُفْسِدًا، وَلَا يُفَكِّرُ فِي تَوْبَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

المَعْصِيَةُ العَلَانِيَةُ تُصْبِحُ جَمَاعِيَّةً، وَيُصْبِحُ فِعْلُهَا مَجَالًا لِلْفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ وَالاعْتِزَازِ وَالـتَّطَاوُلِ عَلَى الْآخَرِينَ.

المَعْصِيَةُ العَلَانِيَةُ الجَمَاعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ أَثَرُهَا السَّيِّئُ، فَإِنَّهُ قَدْ يُحِيطُ بِالمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَيَكُونُ مُدَمِّرًا لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَالْـعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَيُعَرِّضُ المُجْتَمَعَ الَّذِي تَفَشَّتْ فِيهِ هَذِهِ المَعْصِيَةُ إِلَى غَضَبِ اللهِ تَعَالَى وَانْتِقَامِهِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ عَادٍ: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.

وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.

فِي الخِتَامِ: المَعْصِيَةُ الجَمَاعِيَّةُ تُسَبِّبُ مِنَ الكَوَارِثِ وَالجَوَائِحِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، بِهَا تَحُلُّ الفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ وَالمَرْجُ، وَتُسْلَبُ نِعْمَةُ الأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالاسْتِقْرَارِ، وَيَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى أَصْحَابَهَا بِالخَوْفِ وَالجُوعِ وَالذِّلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.

جَاءَ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قَالَ: «هَاتَانِ أَهْوَنُ ـ أَوْ أَيْسَرُ ـ».

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِحْنَتُنَا الْيَوْمَ لَيْسَتِ المَجَاعَاتُ، وَلَا الفَقْرُ، وَلَا تَسَلُّطُ الأَعْدَاءِ، بَلْ مِحْنَتُنَا اليَوْمَ أَنَّ بَأْسَنَا بَيْنَنَا شَدِيدٌ، مِحْنَتُنَا اليَوْمَ تَفَرُّقُ كَلِمَتِنَا، وَالتِّيهُ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ.

اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا بِتَرْكِ المَعَاصِي مَا أَحْيَيْتَنَا. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

السبت: 1/ صفر /1447هـ، الموافق: 26/تموز / 2025م