231ـ إخوتي طلاب العلم

كلمة شهر جمادى الأولى 1447

231ـ إخوتي طلاب العلم

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَا مَنْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِطَلَبِ العِلْمِ:

يَقُولُ سَيِّدُنَا الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: كَانَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ العِلْمَ فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُرَى ذَلِكَ فِي تَخَشُّعِهِ وَهَدْيِهِ وَلِسَانِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ.

وَيَقُولُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الحَسَنِ الآجُرِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، اخْتَصَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ أَحَبَّ، فَهَدَاهُمْ لِلْإِيمَانَ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَحَبَّ، فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَفَقَّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَعَلَّمَهُمُ التَّأْوِيلَ وَفَضَّلَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَأَوَانٍ، رَفَعَهُمْ بِالْعِلْمِ وَزَيَّنَهُمْ بِالْحِلْمِ، بِهِمْ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَالْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالضَّارُّ مِنَ النَّافِعِ، وَالْحَسَنُ مِنَ القْبَيِحِ.

فَضْلُهُمْ عَظِيمٌ، وَخَطَرُهُمْ جَزِيلٌ، وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقُرَّةُ عَيْنِ الْأَوْلِيَاءِ، الْحِيتَانُ فِي الْبِحَارِ لَهُمْ تَسْتَغْفِرُ، وَالْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا لَهُمْ تَخْضَعُ، وَالْعُلَمَاءُ فِي الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ تَشْفَعُ، مَجَالِسُهُمْ تُفِيدُ الْحِكْمَةَ، وَبِأَعْمَالِهِمْ يَنْزَجِرُ أَهْلُ الْغَفْلَةِ، هُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْعُبَّادِ، وَأَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الزُّهَّادِ، حَيَاتُهُمْ غَنِيمَةٌ، وَمَوْتُهُمْ مُصِيبَةٌ، يُذَكِّرُونَ الْغَافِلَ، وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ، لَا يُتَوَقَّعُ لَهُمْ بَائِقَةٌ ـ أَيْ: شَرٌّ ـ وَلَا يُخَافُ مِنْهُمْ غَائِلَةٌ ـ أَيْ: ضَرَرٌ وَفَسَادٌ ـ بِحُسْنِ تَأْدِيبِهِمْ يَتَنَازَعُ الْمُطِيعُونَ، وَبِجَمِيلِ مَوْعِظَتِهِمْ يَرْجِعُ الْمُقَصِّرُونَ. اهـ.

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ، أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ». حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ.

وَعِنْدَمَا ذَكَرَ مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ النُّجُومَ فِي السَّمَاءِ ذَكَرَ ثَلَاثَ فَوَائِدَ لَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.

فَالنُّجُومُ فِي السَّمَاءِ هُدَاةٌ لِمَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ الحِسِّيَّ، وَهِيَ زِينَةٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ رُجُومٌ لِلشَّيَاطِينِ إِذَا أَرَادُوا اسْتِرَاقَ السَّمْعِ.

وَالعُلَمَاءُ هُمْ نُجُومُ الأَرْضِ، يُرْشِدُونَ الخَلْقَ إِلَى الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُمْ زِينَةٌ لِأَهْلِ الأَرْضِ، وَهُمْ رُجُومٌ لِشَيَاطِينِ الإِنْسِ دُعَاةِ الضَّلَالَةِ، يَقُومُونَ فِي وُجُوهِهِمْ وَيَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَامَّةِ المُسْلِمِينَ أَنْ يُشَوِّشُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ.

وَفِي قِصَّةٍ رَمْزِيَّةٍ أَنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِإِبْلِيسَ: يَا سَيِّدَنَا مَا لَنَا نَرَاكَ تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَالِمِ مَا لَا تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَابِدِ؟

فَقَالَ: انْطَلِقُوا؛ فَانْطَلَقُوا إِلَى عَابِدٍ قَائِمٍ يُصَلِّي فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟

فَقَالَ: لَا.

فَقَالَ: أَتَرَوْنَهُ؟ كَفَرَ فِي سَاعَةٍ.

ثُمَّ جَاءَ إِلَى عَالِمٍ فِي حَلْقَةٍ يُضَاحِكُ أَصْحَابَهُ وَيُحَدِّثُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ.

فَقَالَ: سَلْ.

فَقَالَ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: وَكَيْفَ؟

قَالَ: يَقُولُ لِذَلِكَ إِذَا أَرَادَ: كُنْ فَيَكُونُ.

قَالَ إِبْلِيسُ: أَتَرَوْنَ ذَلِكَ؟ لَا يَعْدُو نَفْسَهُ؛ وَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيَّ عَالَمًا كَثِيرًا. اهـ.

فَيَا إِخْوَتِي يَا طُلَّابَ العِلْمِ، لِنَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِنَا فِي طَلَبِنَا لِلعِلْمِ، فَلْنُوَثِّقْ، وَلْنُدَقِّقْ، وَلْنُحَقِّقْ، ثُمَّ لِنُطَبِّقْ عَلَى أَنْفُسِنَا حَتَّى يُرَى أَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْنَا.

هَذَا الإِمَامُ الحُجَّةُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، أَقَامَ سَنَةً أَمَامَ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سَمَاعِ المُوَطَّأِ عَلَيْهِ، مُسْتَفِيدًا مِنْ شَمَائِلِهِ؛ لِأَنَّهَا شَمَائِلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.

فَالنَّظَرُ إِلَى سُلُوكِ العَالِمِ أَفْعَلُ فِي النَّفْسِ مِنَ السَّمَاعِ عَنْهُ، وَأَبْقَى لِآثَارِ الخَيْرِ فِي نَاظِرِهَا.

وَهَا هُمْ أَصْحَابُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ.

رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: ـ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟

قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ.

قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟

قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا.

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا ذَاكَ؟».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَـفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ».

يَا إِخْوَتِي يَا طُلَّابَ العِلْمِ، العِلْمُ بِدُونِ عَمَلٍ جُنُونٌ، وَعَمَلٌ بِلَا عِلْمٍ لَا يَكُونُ.

فَمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ كَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا فَهُوَ جَاهِلٌ.

أَلَا تَذْكُرُونَ قَوْلَ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، حِينَ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾؟

فَالرَّجُلُ الصَّالِحُ العَالِمُ العَامِلُ هُوَ القُدْوَةُ، إِذَا رُئِيَ ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى، لِمَا يُرَى عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ وَالإِشْرَاقِ وَالأُنْسِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّكِينَةِ.

رَوَى أَبُو يَعْلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟

قَالَ: «مَنْ ذَكَّرَكُمُ اللهَ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ».

نَسْأَلُكَ يَا رَبَّنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَنَسْأَلُكَ الإِخْلَاصَ فِيمَا عَلَّمْتَنَا، وَفِيمَا وَفَّقْتَنَا لِلعَمَلِ، وَفِيمَا عَلَّمْنَاهُ غَيْرَنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْرَ مَظْهَرٍ لِلإِسْلَامِ، وَخَيْرَ مُظْهِرِينَ لِلإِسْلَامِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنِيَّةً، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الأربعاء: 1/ جمادى الأولى /1447هـ، الموافق: 22/تشرين الأول / 2025م