233ـ إن اليتيم يتيم العلم والأدب

كلمة شهر رجب 1447

233ـ إن اليتيم يتيم العلم والأدب

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ، فَالْجَسَدُ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، الْجَسَدُ التُّرَابِيُّ مُدْرَكٌ بِالْبَصَرِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَمُدْرَكَةٌ بِالْبَصِيرَةِ، وَالرُّوحُ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنَ الْجَسَدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

فَكَمْ هُوَ فَارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ جَسَدٍ نُسِبَ لِلْمَاءِ وَالطِّينِ، وَرُوحٍ نُسِبَتْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟

الْأَدَبُ مَعَ الْإِنْسَانِ مَطْلُوبٌ لِوُجُودِ السِّرِّ فِيهِ:

مِنْ هَذَا الْمَنْطَلَقِ جَاءَ الْإِسْلَامُ لِيُعَلِّمَ أَتْبَاعَهُ الْأَدَبَ مَعَ هَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي نَفَخَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، لِأَنَّهُ بِالرُّوحِ صَارَ مُكَرَّمًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

وَرَحِمَ اللهُ مَنْ قَالَ:

مَا وَهَبَ اللهُ لِامْرِئٍ هِبَةً   ***   أَحْسَنَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ

هُمَا جَمَالُ الْفَتَى فَإِنْ فُقِدَا   ***   فَــفَقْدُهُ لِلْحَيَاةِ أَجْمَلُ بِــهْ

فَالْأَدَبُ عُنْوَانُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ، وَقِلَّةُ أَدَبِهِ عُنْوَانُ شَقَاوَتِهِ وَبَوَارِهِ وَخُسْرَانِهِ، فَبِالْأَدَبِ يَنَالُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِسُوءِ الْأَدَبِ يَنَالُ الْعَبْدُ خَسَارَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِذَلِكَ حَرَّضَنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ حَتَّى نَرْتَقِيَ إِلَى الْأَدَبِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ الشَّرْعُ الشَّرِيفِ، قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ سَبْعَةَ أَقْسَامٍ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

يَقُولُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ وَأَدِّبُوهُمْ.

وَيَقُولُ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ.

سَأَلَ بَعْضُهُمْ سَيِّدَنَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا هَذِهِ الْقُرَّةُ الأَعْيُنِ أَفِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الآخِرَةِ؟

قَالَ: لَا وَاللهِ بَلْ فِي الدُّنْيَا.

قَالَ: فَمَا هِيَ؟

قَالَ: أَنْ يُرِيَ اللهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنْ زَوْجَتِهِ، مِنْ أَخِيهِ، مِنْ وَلَدِهِ، مِنْ حَمِيمِهِ طَاعَةَ اللهِ، لَا وَاللهِ مَا شَيْءٌ أَقَرُّ لَعِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَرَى وَالِدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ أَخًا أَوْ حَمِيمًا مُطِيعًا للهِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

فَيَا أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، أَنْتُمُ الْمَسْؤُولُونَ عَنْ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمُ الْآدَابَ الشَّرْعِيَّةَ، وَخَاصَّةً مَعَ الْآخَرِينَ، وَاحْذَرُوا مِنَ التَّقْصِيرِ، لِأَنَّ فَسَادَ الْقَوَّامِ فَسَادٌ لِجَمِيعِ الْأَقْوَامِ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:

لَيْسَ الْيَتِيمُ الَّذِي قَدْ مَاتَ وَالِدُهُ   ***   إِنَّ الْيَتِيمَ يَتِيمُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ

وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ    ***   هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيـــــلًا

إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَــلْقَـى لَـهُ   ***   أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولًا

يَقُولُ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ تَهَاوَنَ بالْأَدَبِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ السُّنَنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالسُّنَنِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ الْفَرَائِضِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْفَرَائِضِ عُوقِبَ بِحِرْمانِ الْمَعْرِفَةِ.

وَقَالَ رُوَيْمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ عَمَلَكَ مِلْحًا وَأَدَبَكَ دَقِيقًا.

اللَّهُمَّ أَكْرِمْنَا بِحُسْنِ الْأَدَبِ كَمَا أَمَرْتَنَا، آمِينَ.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 1/ جمادى الآخرة /1447هـ، الموافق: 21/تشرين الثاني / 2025م