السؤال :
هُنَاكَ بَعْضُ المُشَكِّكِينَ في دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُونَ: أَيْنَ المُسَاوَاةُ في دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ خِلَالِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 12165
 2022-09-09

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَالحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ».

وَالحَدِيثُ فِيهِ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَرْكِ مُؤَاخَذَةِ ذِي الهيْئَةِ إِذَا وَقَعَ في زَلَّةٍ أَو هَفْوَةٍ لَمْ تُعْهَدْ عَنْهُ، إِلَّا مَا كَان حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ تعالى، وَبَلَغَ الحَاكِمَ، فَيَجِبُ إِقَامَتُهُ.

وَالمُرَادُ بِذَوِي الهَيْئَاتِ أَهْلُ المُرُوءَةِ وَالخِصَالِ الحَمِيدَةِ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ، الذينَ دَامَتْ طَاعَتُهُمْ، وَاشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ، وَلَكِنْ زَلَّتْ في بَعْضِ الأَحْيَانِ أَقْدَامُهُمْ، فَوَقَعُوا في ذَنْبٍ أَو خَطَأٍ، مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَالحَدِيثُ الشَّرِيفُ لَيْسَ مُعَارِضًا لِمَبْدَأِ المُسَاوَاةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ رَفْعُ المُؤَاخَذَةِ بِالخَطَأِ وَالذَّنْبِ الذي لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ إِذَا صَدَرَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَ مَسْتُورَ الحَالِ، مَشْهُورًا بِالخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَكَبَا جَوَادُهُ فَهَذَا تُقَالُ عَثْرَتُهُ؛ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ وَللهِ الحَمْدُ. هذا، والله تعالى أعلم.