السؤال :
لقد سمعت والداً يقول لولده مؤدباً له: لا تنسَ اللهَ، فينساك اللهُ تعالى، فهل يجوز هذا الكلام، ونحن نعلم بأنَّ اللهَ تعالى لا ينسى؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 5248
 2012-06-09

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولاً: النِّسيَانُ له معنيانِ:

الأوَّلُ: هوَ الذُّهولُ عن شيءٍ معلومٍ عندَ الإنسانِ، وهذا وصفُ الإنسانِ، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي».

وفي رواية للطبراني عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَليُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا».

وهذا النوعُ من النِّسيانِ مُنتفٍ عنِ اللهِ تبارك وتعالى، لأنَّهُ نَقصٌ، واللهُ تعالى مُتَّصِفٌ بكلِّ كمالٍ، ومُنَزَّهٌ عن كلِّ نُقصانٍ، قال تعالى حكايةً عن سيِّدِنا موسى عليه السَّلامُ: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾.

الثاني: والمعنى الثاني للنِّسيانِ هوَ التَّركُ عن عِلمٍ وعَمدٍ، وهذا ثابتٌ للهِ تعالى، قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾. وقال تعالى: ﴿نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُون﴾.

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، (أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ إلى أن قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَيَلْقَى العَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي»).

وقد ثَبَتَ هذا في صِفَاتِ اللهِ تعالى الفِعلِيَّةِ التَّابِعَةِ لحِكمَتِهِ، قالَ تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُون﴾. وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.

وبناء على ذلك:

فَقَولُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ: لا تَنسَ اللهَ فَيَنسَاكَ؛ صَحِيحٌ لا إِشكَالَ فِيهِ، ومَعنَاهُ لا تَترُك شَرعَ اللهِ تَعالى وأَوامِرَهُ وحُدُودَهُ، ولا تَترُك دِينَ اللهِ تعالى وتَتَّبِع شَهَواتِكَ وأَهواءَكَ؛ فِإنَّكَ إن فَعلتَ ذلِكَ فإنَّ اللهَ تعالى يُجازِيكَ بالمِثلِ، فَيَترُكُكَ في غَيِّكَ وضَلَالِكَ وبُعدِكَ واتِّبَاعِكَ للشَّهَواتِ، ويُنسِيكَ نَفسَكَ، كَما قالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون﴾. هذا، والله تعالى أعلم.