114ـ كلمة شهر شعبان 1437: «أَحَبُّ الْـخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»

.

114ـ كلمة شهر شعبان 1437: «أَحَبُّ الْـخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: المُسْلِمُ الحَقُّ هُوَ الذي يَنْظُرُ إلى المُسْلِمِينَ جَمِيعَاً كُلِّهِم إِخْوَانَاً لَهُ، لَا يَتَوَانَى عَنْ خِدْمَتِهِم، وَلَا يَتَوَانَى في تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِم، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِم، لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَعْظَمِ القُرُبَاتِ، وَأَفْضَلِ المُنْجِيَاتِ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ.

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: إِنَّ مِمَّا يُدْمَى لَهُ القَلْبُ، وَيَحْزَنُ عَلَيْهِ الفُؤَادُ، مَا يَجْرِي في بَلَدِنَا على أَيْدِي بَعْضِنَا ، مِنْ قَتْلِ الأَبْرِيَاءِ، وَتَدْمِيرِ البُنَى التَّحْتِيَةِ، وَإِفْسَادٍ لِحَيَاتِنَا المَادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ؛ وَالقَوْمُ قَد تَنَاسَوْا قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه الإمام مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَقَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «الْـمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» رواه الإمام أحمد والحاكم عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

«فَأَحَبُّ الْـخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»:

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: إِنَّ أَعْبَاءَ الدُّنْيَا جِسَامٌ، وَمَا يَنْزِلُ اليَوْمَ في الأُمَّةِ مِنْ مَتَاعِبَ تُصَبُّ على اليَتَامَى وَالأَرَامِلِ وَالضُّعَفَاءِ وَالمُعْسِرِينَ شَيْءٌ لَا يَتَصَوَّرُهُ العَقْلُ.

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: وَمِنْ حَقِّ المُسْلِمِ على أَخِيهِ أَنْ يَتَأَلَّمَ لِأَلَمِهِ، وَيَحْزَنَ لِحُزْنِهِ، وَيُعِينَهُ على دَفْعِ كُرُبَاتِهِ، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ كَشْفِ أَحْوَالِ إِخْوَانِهِ، وَلَا يَهْدَأَ بَالُهُ حَتَّى تَزُولَ غُمَّةُ أَخِيهِ، وَتَنْكَشِفَ كُرُبَاتُهُ وَهُمُومُهُ وأَحْزَانُهُ.

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تعالى أَنَّهُ خَلَقَ المَعْرُوفَ وَخَلَقَ لَهُ أَهْلَاً، فَحَبَّبَهُ إِلَيْهِم، وَحَبَّبَ إِلَيْهِم إِسْدَاءَهُ، وَوَجَّهَهُم إِلَيْهِ كَمَا وَجَّهَ المَاءَ إلى الأَرْضِ المَيْتَةِ، فَتَحْيَا بِهِ، وَيَحْيَا بِهِ أَهْلُهَا، وَإِنَّ اللهَ تعالى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خَيْرَاً جَعَلَ قَضَاءَ حَوَائِجِ النَّاسِ على يَدَيْهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللهِ تعالى عَلَيْهِ تَعَلَّقَ النَّاسُ بِهِ، فَإِنْ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ للهِ فِيهَا فَقَد شَكَرَهَا، وَحَافَظَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قَصَّرَ وَمَلَّ وَتَبَرَّمَ فَقَد عَرَّضَهَا للزَّوَالِ، ثمَّ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ.

روى الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ للهِ عَبَّادَاً اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا (يَتْرُكُهُم وَيُثَبِّتُهُم) فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ».

وروى الطَّبَرَانِيُّ في الأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ، ثمَّ جَعَلَ شَيْئَاً مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ، فَقَد عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ للزَّوَالِ».

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً، وَأَحَبُّ الخَلْقِ إلى اللهِ تعالى أَنْفَعُهُم لِعِبَادِهِ، وَصَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَالجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَكَمَا تُعَامِلُ الخَلْقَ في الدُّنْيَا يُعَامِلُكَ الخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتعالى في الآخِرَةِ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ.

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: لَقَد سُئِلَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلى اللهِ تعالى، وَعَنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ إلى اللهِ تعالى، روى الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَجُلَاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنَاً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعَاً، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْـمَسْجِدِ ـ يَعْنِي مَسْجِدَ الْـمَدِينَةِ شَهْرَاً ـ وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ».

وفي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ».

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: هَنِيئَاً لِمَنْ يُسَارِعُ في صَنَائِعِ المَعْرُوفِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَهَنِيئَاً لِمَنْ كَانَ سَبَبَاً في تَنْفِيسِ كُرْبَةِ مَكْرُوبٍ مَهْمُومٍ، وَهَنِيئَاً لِمَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً حَسَنَةً، وَهَنِيئَاً لِمَنْ سَارَعَ في الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَيْنَ المُتَقَاتِلِينَ خَاصَّةً، وَهَنِيئَاً لِمَنْ كَانَ سَبَبَاً في إِيقَافِ المَجَازِرِ الدَّمَوِيَّةِ التي تُرَاقُ على أَرْضِنَا، وَهَنِيئَاً لِمَنْ كَانَ سَبَبَاً في حَقْنِ الدِّمَاءِ، وَإِعَادَةِ نِعْمَةِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ إلى رُبُوعِ بِلَادِنَا.

أَيُّهَا الإِخْوِةُ الكِرَامُ: هَنِيئَاً لِمَنِ الْتَزَمَ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» رواه الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

وَقَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

وروى الطَّبَرَانِيُّ في الأَوْسَطِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَالصَّدَقَةُ خُفْيَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ في العُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيَا أَهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ، وَأَهْلُ المُنْكَرِ في الدُّنْيَا أَهْلُ المُنْكَرِ في الآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَهْلُ المُعْرُوفِ».

اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِنْ غِلَاظِ الأَكْبَادِ، وَقُسَاةِ القُلُوبِ، وَمِمَّنْ نَزَعْتَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِهِم حَتَّى صَارَتْ أَقْسَى مِنَ الحَجَرِ. آمين.

**     **     **

تاريخ الكلمة:

الأربعاء: 4/ شعبان /1437هـ، الموافق: 11/أيار / 2016م