| طباعة |
![]() |
| 239ـ فوائد من الهجرة النبوية الشريفة | |
|
كلمة شهر المحرم 1448 239ـ فوائد من الهجرة النبوية الشريفة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: فَقَدْ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَةٍ مُبَارَكَةٍ مُنَوَّرَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالرَّحْمَةِ وَالْأَخْلَاقِ، مَلَأَتْ دَعْوَتُهُ الْقُلُوبَ نُورًا، وَزَادَتِ الْعُقُولَ الْمُنْصِفَةَ رُشْدًا، فَأَسْرَعَ إِلَيْهَا عُقَلَاءُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ الَّذِينَ مَا زَالُوا عَلَى الفِطْرَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَدَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى سِرًّا. وَلَمَّا صَدَعَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَتِهِ أَغَاظَ ذَلِكَ المُشْرِكِينَ، وَقَامُوا بِمُنَاوَأَةِ الدَّعْوَةِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهَا، وَأَرَادُوا فِتْنَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ حَتَّى يَعُودُوا إِلَى ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ، وَحَتَّى يُرْهِبُوا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ تُحَدِّثُهُمْ أَنْفُسُهُمْ بِالدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ الْقَيِّمِ. وَلَمَّا رَأَى سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا يُقَاسِيهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ حِمَايَتَهُمْ، أَذِنَ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ ثَانِيًا، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا. الْحِكَمُ الْبَاهِرَةُ وَالْفَوَائِدُ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ: إِنَّ النَّاظِرَ فِي الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ يَلْحَظُ فِيهَا حِكَمًا بَاهِرَةً وَفَوَائِدَ عَظِيمَةً، مِنْ أَجْلِ صَلَاحِهِ وَصَلَاحِ أُمَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ دِينًا وَدُنْيَا، وَمِنْ أَجْلِ إِعْطَاءِ الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ عَنْ انْتِمَائِهِ لِهَذَا الدِّينِ الْحَنِيفِ، وَحَتَّى لَا يَكُونَ مَصْدَرَ طَعْنٍ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى. مِنْ هَذِهِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ وَالْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ: أَوَّلًا: ضَرُورَةُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى: تَتَجَلَّى هَذِهِ الْحِكْمَةُ الْبَاهِرَةُ وَالْفَائِدَةُ الْعَظِيمَةُ فِي اسْتِبْقَاءِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيَكُونَ صَدِيقَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَسَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيَنَامَ فِي فِرَاشِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِيُوهِمَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ فِي فِرَاشِهِ، وَحَتَّى يَرُدَّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. وَاسْتَعَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ اللهِ ابْنِ أُرَيْقِطَ اللَّيْثِيِّ، حَيْثُ كَانَ خَبِيرًا بِالطَّرِيقِ. وَكَتَمَ أَسْرَارَ هِجْرَتِهِ إِلَّا لِمَنْ لَهُمْ صِلَةٌ مَاسَّةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَسَّعْ فِي إِطْلَاعِهِمْ إِلَّا بِقَدْرِ الْعَمَلِ الْمَنُوطِ بِهِمْ، وَمَعَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الْأَسْبَابِ اللَّازِمَةِ لِهِجْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ وَمَدْرُوسٍ وَمُنَظَّمٍ، لَمْ يَكُنْ مُلْتَفِتًا إِلَيْهَا بِقَلْبِهِ، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ خَادِمَةٌ لِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ الْقَدَرُ خَادِمًا لِلْأَسْبَابِ، بَلْ كَانَ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ مَطْوِيًّا عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ الْحَقِيقِيُّ؛ أَخْذٌ بِالْأَسْبَابِ وَتَوَكُّلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، يَأْخُذُ الْعَبْدُ بِالْأَسْبَابِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْأَسْبَابِ، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تُقَدِّمُ وَلَا تُؤَخِّرُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى. ثَانِيًا: ضَرُورَةُ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْأَغْرَاضِ الشَّخْصِيَّةِ: مَا كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ وَالْهِجْرَةِ الْعَظِيمَةِ لِتَبْلِيغِ شَرْعِ اللهِ تَعَالَى غَرَضًا شَخْصِيًّا ـ مَعَاذَ اللهِ تَعَالَى ـ مَا كَانَ يُرِيدُ لَفْتَ الْأَنْظَارِ إِلَيْهِ لِلشُّهْرَةِ وَالسُّمْعَةِ، وَمَا كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَالًا وَلَا جَاهًا وَلَا رِئَاسَةً وَلَا زَعَامَةً وَلَا نِسَاءً وَلَا تَسَلُّطًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ كَانَتْ دَعْوَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ، وَقَدْ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ، بَلْ أَمَرَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُفْصِحَ لِلنَّاسِ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ فَجَسَّدَ هَذَا الْإِخْلَاصَ سُلُوكًا وَعَمَلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. ثَالِثًا: الْيَقِينُ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَلِلْمُتَّقِينَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ يَظُنُّ أَنَّ الدَّعْوَةَ لَنْ تَقُومَ لَهَا قَائِمَةٌ، وَهِيَ إِلَى زَوَالٍ وَاضْمِحْلَالٍ، وَلَكِنْ: الْحَقِيقَةُ أَنَّ الْهِجْرَةَ أَعْطَتْ حِكْمَةً بَالِغَةً وَفَائِدَةً عَظِيمَةً فِي أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَلِلْمُتَّقِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. لَقَدْ صَبَرَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ فِي وَجْهِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَمَا هَالَهُ تَقَلُّبُ الْأَيَّامِ، فَإِذَا اشْتَدَّ بَأْسُ الْمُشْرِكِينَ وَجَلَبُوا لِنَصْرِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ كُلَّ مَا أُوتُوهُ مِنْ قُوَّةٍ، وَكَانَ لِلْبَاطِلِ جَوْلَةٌ وَلِأَتْبَاعِهِ صَوْلَةٌ، مَا زَادَ ذَلِكَ سَيِّدِنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَبَاتًا وَيَقِينًا بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَلِلْمُتَّقِينَ، وَعُرِفَ هَذَا مِنْ خِلَالِ قَوْلِهِ لِسُرَاقَةَ الَّذِي تَبِعَهُ يَوْمَ الْهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: «كَيْفَ بِكَ وقَد لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟» فَوَعْدُ اللهِ تَعَالَى حَقٌّ، فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. رَابِعًا: ثَبَاتُ أَهْلِ التَّقْوَى وَالصَّلَاحِ فِي السَّاعَاتِ الْحَرِجَةِ: مِنَ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ وَالْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ يَوْمَ الْهِجْرَةِ ثَبَاتُ أَهْلِ التَّقْوَى وَالصَّلَاحِ فِي السَّاعَاتِ الْحَرِجَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي جَوَابِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَمَّا قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ» فَأَجَابَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ. هَذَا مَثَلٌ وَاحِدٌ مِنْ أَمْثِلَةِ ثَبَاتِ أَهْلِ التَّقْوَى وَالصَّلَاحِ فِي السَّاعَاتِ الْحَرِجَةِ، لِيَقِينِهِمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يَتَخَلَّى عَنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ الَّذِينَ يَنْهَارُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِأَنَّهُمْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَصَدَقَ اللهُ تَعَالَى الْقَائِلُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ: أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مَا أَحْوَجَنَا وَنَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَنِ، زَمَنِ الْحُرُوبِ وَانْكِسَارِ الْقُلُوبِ وَجُرْحِهَا، إِلَى تَعَلُّمِ الدُّرُوسِ مِنْ هِجْرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ شَاهَدْنَا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عِنْدَمَا يَأْذَنُ بِالْفَرَجِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مِنَ الضِّيقِ وَالْكَرْبِ وَالشَّدَائِدِ، فَكَمْ جَاءَتِ الْمِنَحُ مِنْ قَلْبِ الْمِحَنِ، وَجَاءَ النُّورُ مِنْ كَبِدِ الظَّلْمَاءِ. سِتَّةٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ كُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، دَعَاهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ مِنْهُمْ نَصْرَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ دَعْوَتَهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَآمَنُوا بِاللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ تَتَابَعَتِ الْأَحْدَاثُ عَلَى نَسَقٍ عَجِيبٍ. يَقُولُ سَيِّدُنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَحَدُ النَّفَرِ السِّتَّةِ ـ قَالَ عَنْ قِصَّتِهِمْ ـ: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟». حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ ـ كَذَا قَالَ ـ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، علَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ، لَا تَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَـنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ». قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ. نَعَمْ، بِدَايَةً سُدَّتِ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ كَانَتْ بِدَايَةُ الْخَلَاصِ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ لَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ. فَهَلْ أَدْرَكْنَا شَيْئًا مِنْ فَوَائِدِ الْهِجْرَةِ الْمُبَارَكَةِ وَمِنْ حِكَمِهَا الْبَاهِرَةِ؟ اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا. آمِينَ. ** ** ** تاريخ الكلمة: الثلاثاء: 1/ محرم /1448هـ، الموافق: 16/حزيران / 2026م |
|
| جميع الحقوق محفوظة © 2026 https://www.naasan.net/print.ph/ |