43ـ درس في رمضان: من آداب الصيام

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن آداب الصيام التي علَّمنا إياها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الأمور التالية:

أولاً: السحور، وقد أجمعت الأمة على استحبابه، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) رواه البخاري ومسلم. ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ) رواه النسائي. وفي رواية للإمام أحمد وأبي داود عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ).

ويتحقَّق السحور بالطعام والشراب، ولو بجرعة ماء، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ) رواه الإمام أحمد.

ووقت السحور يكون ما بعد منتصف الليل، إلى ما قبيل طلوع الفجر الصادق، ويستحب تأخيره، لقول سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً. رواه البخاري ومسلم. وهذا وصف الصحابة رضي الله عنهم، كما يقول عمرو بن ميمون رضي الله عنه: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً. رواه ابن أبي شيبة والبيهقي.

ثانياً: تعجيل الفطر، وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أنه يستحب للصائم تعجيل الفطر، إذا تحقق من غروب الشمس، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) رواه البخاري ومسلم.

ويستحب أن يكون الفطر على رطب أو تمر، فإن لم يجد فالماء، كما جاء في الحديث الشريف عن أنس رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِذا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمرٍ، فَإِنَّهُ بركَةٌ، فَإِنْ لَمْ يجِد تَمْراً، فَالماءُ، فَإِنَّهُ طُهُورٌ) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ثالثاً: الدعاء عند الصيام وعند الفطر، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن. ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ) رواه ابن ماجه.

ومن دعاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) رواه أبو داود. وفي رواية: (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) رواه أبو داود.

ثم ليدعُ الله تعالى أن يفرِّج عن هذه الأمة ما حلَّ بها من بلاء.

رابعاً: صوم الجوارح مع الإمساك عن الطعام والشراب، لأنه لا يليق بالعبد المؤمن الذي أمسك عن الطعام والشراب والنساء، أن لا تمسك سائر جوارحه عن المعاصي والمخالفات الشرعية، لأن هذه المخالفات الشرعية تخدش الصوم، وربما أن تضيع أجرَ الصائم، والغاية من الصوم الوصول إلى درجة التقوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}.

لذلك حذَّر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الأمةَ من هذه المخالفات الشرعية، وحرَّض على حسن الأخلاق، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل: إني صائم، إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما. وقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ) رواه الإمام أحمد. وفي رواية لابن ماجه: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ).

أسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لصيام هذا الشهر حقَّ الصيام، وأن يفرِّج عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عاجلاً غير آجل. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله رب العالمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **