57ـ كلمة شهر ذي القعدة1432هـ: أين المقرُّ والمعترف بذنبه؟

 

الاعتراف بالذنب دليل الإيمان:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيا أيها الإخوة الكرام: إنَّ اعترافَ العبد بذنبه، وإقرارَه به، دليلٌ على صحة إيمانه بالله تعالى، وعلى الشعور بالخوف منه، وهذا هو وصف المتقين، حيث قال تعالى في وصفهم: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون}.

وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الإِثْمُ؟ قَالَ: إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ).

وما من مخلوق إلا وهو خطَّاءٌ، حاشا الأنبياء والمرسلين، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه ابن ماجه عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ). وفي حديث آخر رواه الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ).

حقيقة الاعتراف بالذنب:

أيها الإخوة الكرام: لنعلم جميعاً بأنَّ الاعتراف بالذنب لا يعني أن يفضح الإنسان نفسه في الحياة الدنيا، بل الاعتراف بالذنب يعني التوبة الصادقة فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا كانت عليه حقوق نحو الآخرين فيجب عليه أن يردَّها إليهم، ثم يقبل ستر الله تعالى عليه.

لأنَّ المسلم مأمور أن يستر الآخرين، بعد نصحهم وأمرهم بالمعروف، إذا رأى منهم مخالفة شرعية، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). فستر نفسه من باب أولى وأولى، بل حذَّر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم العبدَ أن يفضح نفسه، بقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقد أنكر سيدنا عمر رضي الله عنه أشدَّ الإنكار على شرحبيل بن السمط، الذي كان أميراً على جيش، فقال الأمير لهم: إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا فِيهَا نِسَاءٌ وَشَرَابٌ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا ، فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُطَهِّرَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لا أُمَّ لَكَ! تَأْمُرُ قَوْمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْتِكُوا سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

بل الأكثر من هذا، من وقع في ذنب واعترف على نفسه عند الحاكم ليقيم عليه الحد، فله الرجوع قبل إقامة الحدِّ عليه، ولو هرب أثناء إقامة الحدِّ فلا يُتْبَع، كما حصل في قصة ماعز الأسلمي رضي الله عنه الذي رواه أبو داود عن يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَارٍ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟ قَالَ: بِفُلانَةٍ، فَقَالَ: هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ بَاشَرْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ جَامَعْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: هَلا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ).

فحقيقة الاعتراف بالذنب تكون بين العبد وربه، الذي يعلم السر وأخفى، وأن يتعلَّم هذا من حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) رواه البخاري.

إياك والتبرير مع وجود التقصير:

أيها الإخوة الكرام: مشكلة الكثير من الناس أنهم يبرِّرون لأنفسهم التقصيرَ والوقوعَ في المخالفات الشرعية، وهذا طامَّة كبرى في حقهم، لأنَّ كمال الرجولة أن يُقِرَّ الإنسان ويعترف بتقصيره.

هذا سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه، تخلَّف عن غزوة تبوك، خدعته نفسه، لأنه ما خرج عن دائرة البشرية، ولما رجع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الغزوة، وجاء المخلَّفون يعتذرون إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يقبل عُذرهم، ويتركُ أمرهم إلى الله تعالى.

ولما جاء كعب بن مالك رضي الله عنه، قال له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلاً، وَلَكنَّي وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حديث كَذبٍ ترْضى به عنِّي، لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فيه إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله عَزَّ وَجلَّ، واللَّه ما كان لِي من عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك. قَالَ: فقالَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ).

صَدَقَ في كلامه فنزلت توبته من فوق سبع سموات قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين}.

وفي الختام:

كم من معترف بذنبه وتقصيره، وخاصة في هذه الآونة؟ ربُّنا عز وجل يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}. الفساد ظهر، والدماء تُسْفَك، والفتنة تشتدُّ، والقليل من يقول فيما بينه وبين ربه عز وجل: (أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ).

اللهم اجعلنا من هؤلاء القلَّة، واستر علينا فيما بقي من أعمارنا، كما سترت علينا في ما مضى منها يا أرحم الراحمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **