العبرة بمكان المضحي  |  هل يذبح الأضحية بنفسه أم يوكل؟  |  الاشتراك على الأضحية  |  الأضحية أفضل أم الصدقة؟  |  أسئلة هامة تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة  |  
 
 

أريد أن أستفتي

 
 
 
 
 
 
 
 

الكتب والمؤلفات

 
 
الرجاء كتابة الكلمة المراد البحث عنها
*
 
 
 
الرجاء كتابة الكلمة المراد البحث عنها
*
 
الرجاء كتابة رقم الفتوى
*
 
 
 
 
البريد الالكتروني :
الاسم :
رمز التسجيل :

اشتراك
إلغاء
 
 
 

عدد الزوار  :  377453401

 
 
3- العهد الأول (في الإخلاص)(1)
 
3- العهد الأول (في الإخلاص)(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الدرس:

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:

فيقول الإمام سيدي عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى:

(أُخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نرجو من فضل ربنا الوفاء, وأن نخلصَ النية لله تعالى في علمنا وعملنا وسائر أحوالنا, ونخلصَ سائر الشوائب حتى من شهود الإخلاص, ومن حضور استحقاقنا ثواباً على ذلك, وإن خطر لنا طلبُ ثوابٍ شهدناه من باب المنة).

أقول أيها الإخوة الكرام:

هذا الكلام الذي يرشدنا إليه الإمام الشعراني رحمه الله تعالى هو مستمدٌّ من كتاب الله تعالى, ومن هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, حيث يعلِّمنا ما هو حقُّ الله عز وجل علينا؟

لأنه في الحقيقة خير من يعرِّفنا حقَّ الله تعالى علينا هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, بعد قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون}.

جاء في صحيح مسلم عنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: (كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِّرَةُ الرَّحْلِ, فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ).

ماذا يستفاد من هذا الحديث الشريف؟

أيها الإخوة الكرام: هذا الحديث الشريف نستفيد منه الفوائد التالية:

أولاً: التزام الأدب مع وُرَّاث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, بحيث لو جلس أحدنا معهم, ووجَّه وارثٌ من وُرَّاث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سؤالاً, أن نقول: الله ورسوله أعلم, لأن الوارث أعلم منا, وعلمنا بجانب علمه قليل, فنطلب الزيادة منه حتى نزداد علماً, لذلك سيدنا معاذ قال لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما سأله: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). مع أنه يعلم قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون}.

ثانياً: الجزاء على الطاعة من باب الفضل لا من باب العدل, وهذا ما نستفيده من قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ). لأن طاعتنا لله عز وجل كلها وبجميع صورها وأشكالها هي من توفيق الله لنا القائل: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله}. والقائل: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون}. والقائل: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ}. والقائل: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}.

فإذا كانت طاعتنا لله عز وجل بتوفيق منه ومعونة فأيُّ أجر نطلب على تلك الطاعات؟ نحن ما أدَّينا الله عز وجل حقَّه على النعم السابقة حتى نطلب منه العطاء والنعم اللاحقة على طاعاتنا له, وهي من فضله علينا, وهذا ما أكَّده لنا الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما قال: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ. قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا, إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا, وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.

المهمُّ هو الإخلاص بعد العمل:

أيها الإخوة الكرام: الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يلفت أنظار أهل الطاعات والقربات إلى أهمية الإخلاص في العمل, لأن العمل الصالح ظاهراً بدون إخلاصٍ لله تعالى فيه لا ينفع, وذلك لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة}. ولقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.

فلا بدَّ من الإخلاص بعد العمل, وإلا فلا قيمة للعمل, وهذا ما يؤكده قول سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ, فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ, فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا, لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ.

فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ, وَامْرَأَتِي, وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ, فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ, فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ, وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ, فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ, فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا, فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ, فَجِئْتُ بِالْحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا, وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا, وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ, فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ, فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ, فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ.

وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ, وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ, حَتَّى آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ, فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ, فَجِئْتُهَا بِهَا, فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا, قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ, وَلا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ, فَقُمْتُ عَنْهَا, فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً, فَفَرَجَ لَهُمْ.

وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ, فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي, فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ, فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا, فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَظْلِمْنِي حَقِّي, قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا, فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْتَهْزِئْ بِي, فَقُلْتُ: إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ, خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا, فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ, فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ, فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ).

ما يستفاد من هذا الحديث الشريف:

أيها الإخوة الكرام: نستفيد من هذا الحديث الشريف, وجوبَ الإخلاص في العمل, فإذا كنت بارَّاً بوالديك فليكن برك بوالديك خالصاً لوجه الله تعالى لا من أجل مال تأخذه من أبيك, أو أن تأخذ منه بيتاً أو رأسمالاً, أو أن تأخذ ذهباً من أمك. هذا أولاً.

ثانياً: ترك العبد للمعصية كذلك يجب أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل, لأن هناك من يترك المعصيةَ خشيةَ ضررها, كمن يترك الفاحشة خشية مرض الإيدز أو الزهري أو السيلان, وما شاكل ذلك, فترك المعصية يجب أن يكون الباعث له الخوف من الله تعالى.

ثالثاً: معاملاتنا المالية يجب أن تكون خالصة لله تعالى بعد الانضباط بضوابط الشريعة, لا من أجل أن يُقال عنا: هذا أمين ووفيٌّ في عمله التجاري, وهذا لا يأكل حقوق العباد, وهكذا من صور المديح.

فإذاً الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى يريد منا العمل الصالح, وأن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى, ولا نبتغي عليه شيئاً إلا من باب الفضل والمنَّة من الله تعالى.

ثم يقول الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى:

(ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك طريق القوم, على يد شيخٍ صادق متبحِّر في علوم الشريعة, بحيث يقرِّر مذاهب الأئمة الأربعة وغيرها, ويعرف أدلَّتها ومنازع أقوالها, ويقف على أم الكتاب التي يتفرَّع منها كلُّ قول).

صفات المرشد الذي تجب صحبته:

أقول أيها الإخوة الكرام:

إن الإمام الشعراني رحمه الله تعالى يعلِّمنا بأن من أراد أن يدخل مقام الإخلاص فلا بدَّ له من صحبة وارث من وُرَّاث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, وهذا الوارثُ المرشدُ له صفات:

أولاً: أن يكون صادقاً, والصادق هو الذي تطابقت أفعاله مع أقواله, أما الذي تباينت أفعاله عن أقواله فلا يصلح أن يكون مرشداً.

ثانياً: أن يكون متبحِّراً في علوم الشريعة, وخاصة في المذاهب الأربعة, حتى يتمكَّن من تعليم من يصاحبه, وإلا فكيف يكون مرشداً ودليلاً لأتباعه إلى الله تعالى؟

ثالثاً: أن يكون عالماً بالقرآن العظيم, وخاصة أم الكتاب التي يتفرع منها كلُّ قول, فالذي يكون جاهلاً بالقرآن العظيم, لا يصلح أن يكون مرشداً ودليلاً على الله تعالى, فالله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون}. ويقول تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}.

ثم يقول الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى:

(فيشتغل من يريد الإخلاص في أعماله بذكر الله عزَّ وجل حتى ترقَّ حُجُب بشريَّته, ويدخل حضرة الإحسان التي يعبد الله تعالى فيها كأنه يراه, وهناك يشهد العمل كلَّه خلقاً لله عز و جل, ليس للعبد فيه مدخل إلا كونه محلاً لبروز ذلك العمل لا غير, وهناك يذهب من العبد الرياء والكبر والعجب وسائر الآفات؛ لأن هذه الآفات إنما تجيء للعبد من شهود كونه فاعلاً لذلك العمل).

أهمية ذكر الله تعالى لنيل درجة الإخلاص:

أقول أيها الإخوة الكرام:

من خلال هذا الكلام الذي يذكِّرنا به الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى نعرف أهمية ذكر الله تعالى لنيل تلك الدرجة, درجة الإخلاص في الأعمال والأقوال والأحوال.

أولاً: ربُّنا عز وجل أمرنا بكثرة ذكره تبارك وتعالى, ولم يقيِّد الذكر بزمن من الأزمنة, ولا بوقت من الأوقات, على عكس الطاعات كلِّها حيث قيَّدها ربنا بزمن ووقت وكيفية, أما ذكر الله تعالى فبِلا قيدٍ ولا عدٍّ, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}.

ثانياً: هذا ما كان عليه سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حيث كان يذكر الله تعالى على سائر أحواله, وإذا أردت أن تعرف حقيقة هذا الأمر فارجع إلى كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى, لترى من خلال هذا الكتاب كيف كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يذكر الله تعالى.

ثالثاً: بكثرة ذكر الله تعالى يرقُّ حجاب القلب, وتخفُّ الطبيعة البشرية, وبذلك يدخل العبد مقام الإحسان, الذي قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

رابعاً: بكثرة ذكر الله تعالى تهون عليك الاستقامة على فعل المأمورات وترك المحظورات والمنكرات, كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ الله).

خامساً: الذكر مطلوب منا بعد الطاعات وذلك لأهميته, كما قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}. وكما قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق}. وكما قال تعالى أيضاً: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب}. وكما روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ, قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ). فكلما انتهيت من ختمة القرآن الكريم ابدأ بختمة جديدة, لأن تلاوة القرآن العظيم من أعظم أنواع ذكر الله تعالى.

سادساً: بكثرة ذكر الله تعالى ترقُّ الطبيعة البشرية فتصبح فرشيّاً عرشيّاً, بحيث تبيت في فراشك وقلبك متعلِّق بعرش ربك, كما قال ذاك الصحابي رضي الله عنه: (فَبِتُّ وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَ ، فَقَالَ: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ, ثَلاثًا) رواه الطبراني عن الحارث رضي الله عنه.

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

فمن أراد الدخول في مقام الإخلاص فعليه بصحبة أهل الإخلاص من وُرَّاث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, وعليه بكثرة ذكر الله تعالى, حتى يدخل مقام الإحسان, ومن دخل مقام الإحسان عرف بأن الله تعالى هو مصدر النعم كلِّها, ويقف على حقيقة قول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (من تمام فضله عليك أن خلق فيك ونسب إليك).

فإذا شعر العبد بذلك, ووقف على حقيقة هذا الأمر يستحي من الله تعالى أن ينسب إلى نفسه فعلاً من الأفعال, وهذا ما أكَّده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقوله للأنصار رضي الله عنهم: (أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ, وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ, وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

فالحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما كان ينسب الأمر إلى نفسه, بل إلى الله تعالى القائل: {لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.

أما نحن فكم وكم في حالة الغفلة عن الله تعالى ننسب الأمور لأنفسنا, يقول البعض للأهل: أنا الذي أنفق عليكم, أنا الذي أطعمكم, أنا الذي أكسوكم.... وهكذا, وهذا الذي ينسب الأمور لنفسه ماذا أبقى لله عز وجل؟

اللهم أخرجنا من غفلتنا, ووفِّقنا لكثرة ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, يا أرحم الراحمين, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سبحان ربك رب العزة عمَّا يصفون, وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

 

 
التصنيف : مقتطفات من كتاب العهود المحمدية للشعراني تاريخ الإضافة : 2011-01-26 عدد الزوار : 42330
المؤلف : أحمد النعسان
 
 
 
 
اضافة تعليق
 
الرجاء كتابة الاسم
الاسم : *
الرجاء كتابة البريد الالكتروني الخاص بك
البريد الالكتروني : *
الرجاء كتابة عنوان للتعليق
عنوان التعليق : *
الرجاء كتابة نص التعليق
نص التعليق : *

 
مواضيع ضمن القسم
 
 
برمجة وتصميم Shadows-IT