8ـ النجاسات المتفق عليها

8ـ النجاسات المتفق عليها

8ـ النجاسات المتفق عليها

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: النَّجَاسَاتُ المُتَّفَقُ عَلَيْها:

أولاً: الخِنْزِيرُ:

اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ الخِنْزِيرِ، وَتَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمَاً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحَاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. فَلَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ.

ثانياً: الدَّمُ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى نَجَاسَةِ الدَّمِ، وَذَلِكَ لِمَا رواه الإمام البخاري عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟

قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ».

وَاسْتَثْنَى الفُقَهَاءُ دَمَ الشَّهِيدِ، فَقَالُوا بِطَهَارَتِهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ، لِمَا رَوى الإمام أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنِّي قَدْ شَهِدْتُ عَلَيْهِمْ».

وَذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ دَمِ الإِنْسَانِ الذي لَا يَسِيلُ عَنْ رَأْسِ جُرْحِهِ، وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ دَمِ السَّمَكِ وَالكَبِدِ وَالطُّحَالِ وَالقَلْبِ، وَمَا بَقِيَ في عُرُوقِ الحَيَوَانِ بَعْدَ الذَّبْحِ مَا لَمْ يَسِلْ، وَيُعْفَى عَنْ دَمِ القَمْلِ وَالبَرْغُوثِ وَالبَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ.

وَأَمَّا دَمُ الحَيَوَانُ غَيْرُ المَائِيِّ إِذَا انْفَصَلَ وَكَانَ مَسْفُوحَاً فَهُوَ نَجِسٌ.

ثالثاً: المَيْتَةُ:

فَقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ المَيْتَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِمَأْكُولِ اللَّحْمِ أَو غَيْرِ مَأْكُولِهِ، إِذَا كَانَتْ حَيَوَانَات ٍغَيْرَ مَائِيَّةٍ وَذَاتَ دَمٍ سَائِلٍ، كَالكَلْبِ وَالشَّاةِ وَالهِرَّةِ وَالعُصْفُورِ.

وَجِلْدُ المَيْتَةِ نَجِسٌ إِلَّا أَنْ يُدْبَغَ، وَكُلُّ جُزْءٍ يَنْفَصِلُ مِنَ الحَيِّ مِنَ الحَيَوَانَاتِ في حَالِ حَيَاتِهِ كَاليَدِ وَالإِلْيَةِ نَجِسٌ إِلَّا الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالوَبَرُ وَالرِّيشُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ ـ أَيْ المَقْطُوعُ ـ مَيِّتٌ» رواه الحاكم عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

رابعاً: البَوْلُ:

فَالبَوْلُ نَجِسٌ بِاتِّفَاقِ الفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ بَوْلُ الحَيَوَانَاتِ غَيْرِ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ، إِلَّا بَوْلَ الفَأْرَةِ وَالخَفَّاشِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، لِأَنَّ الفَأْرَ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَالخَفَّاشُ يَبُولُ في الهَوَاءِ، فَيُعْفَى عَنْهُمَا في الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ فَقَطْ دُونَ مَاءِ الأَوَانِي.

خامساً: الغَائِطُ:

فَهُوَ نَجِسٌ بِاتِّفَاقِ الفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ غَائِطُ آدَمِيٍّ، أَو حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، بِاسْتِثْنَاءِ خُرْءِ الطُّيُورِ.

سادساً: القَيْءُ:

فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى نَجَاسَةِ القَيْءِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَمَّارُ، إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ» رواه الدارقطني عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَقَيَّدَ الحَنَفِيَّةُ نَجَاسَتَهُ إِذَا كَانَ مِلْءَ الفَمِ، أَمَّا مَا دُونَهُ فَطَاهِرٌ عِنْدَهُمْ.

فَالقَيْءُ نَجِسٌ وَلَو كَانَ مِنْ رَضِيعِ سَاعَةَ إِرْضَاعِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ القَيْءُ مِنْ حَيَوَانٍ قَلَّ أَو كَثُرَ فَهُوَ نَجِسٌ.

سابعاً: المَذْيُ:

وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ مِنْ غَيْرِ دَفْقٍ مِنَ الرَّجُلِ أَو المَرْأَةِ، وَهُوَ نَاقِضٌ للوُضُوءِ، روى الإمام أحمد عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». (الفَضْخُ: الدَّفْقُ أَي إِذَا صَبَبْتَ الَمنْيَّ بِشِدَّةِ وَجَامَعْتَ فَاغْتَسِلْ).

وروى الإمام البخاري عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَجُلَاً مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلَاً أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ فَقَالَ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ».

وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، فَهُوَ كَالبَوْلِ.

ثامناً: الوَدْيُ:

وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِبَ البَوْلِ، أَو عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَ البَوْلِ، أَو بَعْدَهُ فَيَكُونُ كَحُكْمِهِ.

تاسعاً: القَيْحُ:

وَهُوَ دَمٌ فَاسِدٌ، لَا يُخَالِطُ الدَّمَ، وَمِثْلُهُ الصَّدِيدُ، وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ يُخَالِطُهُ دَمٌ، وَاتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَتِهِ، فَإِذَا كَانَ الدَّمُ نَجِسَاً فَالقَيْحُ أَوْلَى.

عاشراً: الخَمْرُ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إلى نَجَاسَةِ الخَمْرِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

الحَادِي عَشَرَ: لُحُومُ الحَيَوَانَاتِ غَيْرِ المَأْكُولَةِ وَأَلْبَانُهَا: لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةً مِنَ اللَّحْمِ فَتَأْخُذُ حُكْمَ اللَّحْمِ في النَّجَاسَةِ.

هذا، والله تعالى أعلم.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 3/ محرم /1440هـ، الموافق: 2/أيلول / 2019م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  الفقه الإسلامي

13-01-2020 12 مشاهدة
19ـ شروط الوضوء

شُرُوطُ الوُضُوءِ، مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعَاً. وَالْمُرَادُ بِشُرُوطِ الوُجُوبِ: هِيَ مَا إِذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ ... المزيد

 13-01-2020
 
 12
07-01-2020 23 مشاهدة
18ـ الحكم التكليفي للوضوء

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الوُضُوءَ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْدِثِ إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ أَوِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةً مِنْ غَيْرِ طَهُورٍ. ... المزيد

 07-01-2020
 
 23
31-12-2019 34 مشاهدة
17ـ فضل الوضوء

عَنْ فَضْلِ الوُضُوءِ، فَقَد روى الإمام البخاري عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ... المزيد

 31-12-2019
 
 34
23-12-2019 56 مشاهدة
16ـ أحكام الوضوء

الوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ: اسْمٌ لِلْفِعْل، وَهُوَ: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَة. وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الوَضَاءَةُ، وَالحُسْنُ، وَالنَّظَافَةُ، يُقَالُ: وَضُؤَ الرَّجُلُ، ... المزيد

 23-12-2019
 
 56
16-12-2019 43 مشاهدة
15ـ آداب التخلي ومكروهاته

آدَابُ التَّخَلِّي وَمَكْرُوهَاتُهُ: 1ـ يَدْخُلُ الخَلَاءَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى، وَيَخْرُجُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، وَيَقُولُ قَبْلَ الدُّخُولِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» رواه الشيخان عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ ... المزيد

 16-12-2019
 
 43
11-12-2019 44 مشاهدة
14ـ الاستنجاء

عِبَارَاتُ الفُقَهَاءِ في تَعْرِيفِ الاسْتِنْجَاءِ تَلْتَقِي عَلَى أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ هُوَ إِزَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، سَوَاءٌ بِالغَسْلِ أَو المَسْحِ بِالحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا عَنْ مَوْضِعِ الخُرُوجِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ. ... المزيد

 11-12-2019
 
 44

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5147
المقالات 2539
المكتبة الصوتية 4041
الكتب والمؤلفات 16
الزوار 388305555
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :