20ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (3)

20ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (3)

20ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (3)

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ سَيِّدِي العَارِفُ بِاللهِ تعالى، المُرْشِدُ الكَبِيرُ، سَيِّدِي وَمَوْلَايَ الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِر عِيسَى رَحِمَهُ اللهُ تعالى، في كِتَابِهِ: حَقائِقُ عَنِ التَّصَوُّفِ:

الأَمِيرُ عَبْدُ القَادِرِ الجَزَائِرِيُّ:

قَالَ الأَمِيرُ العَارِفُ بِاللهِ عَبْدُ القَادِرِ الجَزَائِرِيُّ في كِتَابِهِ "الـمَوَاقِفُ": (الـمَوْقِفُ الـمِائَةُ وَالوَاحِدُ وَالخَمْسُونَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى حَاكِيَاً قَوْلَ سَيِّدِنَا مُوسَى لِخَضِرٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدَاً﴾: اعْلَمْ أَنَّ الـمُرِيدَ لَا يَنْتَفِعَ بِعُلُومِ الشَّيْخِ وَأَحْوَالِهِ إِلَّا إِذَا انْقَادَ لَهُ الانْقِيَادَ التَّامَّ، وَوَقَفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ الأَفْضَلِيَّةَ وَالأَكْمَلِيَّةَ، وَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرَ، كَحَالِ بَعْضِ النَّاسِ يَعْتَقِدُ في الشَّيْخِ غَايَةَ الكَمَالِ وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَكْفِيهِ في نَيْلِ غَرَضِهِ، وَحُصُولِ مَطْلَبِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَثِلٍ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا يَأْمُرُهُ الشَّيْخُ بِهِ، أَو يَنْهَاهُ عَنْهُ؛ فَهَذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَفَخَامَةِ أَمْرِهِ، طَلَبَ لِقَاءَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، وَتَجَشَّمَ مَشَاقَّ وَمَتَاعِبَ في سَفَرِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَاً﴾. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ نَهْيَاً وَاحِدَاً، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرَاً﴾. مَا انْتَفَعَ بِعُلُومِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ يَقِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الجَازِمِ أَنَّ الخَضِرَ أَعْلَمُ مِنْهُ بِشَهَادَةِ اللهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى عِنْدَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدَاً أَعْلَمَ مِنِّي: [بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ] وَمَا خَصَّ عِلْمَاً دُونَ عِلْمٍ، بَلْ عَمَّمَ.

وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَاً مَا عَلِمَ أَنَّ اسْتِعْدَادَهُ لَا يَقْبَلُ شَيْئَاً مِنْ عُلُومِ خَضِر عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا خَضِرٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ أَوَّلَ وَهْلَةٍ فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً﴾. وَهَذَا مِنْ شَوَاهِدَ عِلْمِيَّةٍ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَلْيَنْظُرِ العَاقِلُ إِلَى أَدَبِ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ.

قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدَاً﴾. أَيْ: هَلْ تَأْذَنُ في اتِّبَاعِكَ، لِأَتَعَلَّمَ مِنْكَ؟ فَفِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ مِنْ حَلَاوَةِ الأَدَبِ مَا يَذُوقُهَا كُلُّ سَلِيمِ الذَّوْقِ.

وَقَالَ خَضِرٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرَاً﴾. وَمَا قَالَ: فَلَا تَسْأَلْنِي، وَسَكَتَ، فَيَبْقَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْرَانَ مُتَعَطِّشَاً، بَلْ وَعَدَهُ أَنَّهُ يُحْدِثُ لَهُ ذِكْرَاً، أَيْ: عِلْمَاً بِالحِكْمَةِ فِيمَا فَعَلَ، أَو ذِكْرَاً: بِمَعْنَى: تَذَكُّرَاً.

فَأَكْمَلِيَّةُ الشَّيْخِ في العِلْمِ الـمَطْلُوبِ مِنْهُ الـمَقْصُودِ لِأَجْلِهِ لَا تُغْنِي عَنِ الـمُرِيدِ شَيْئَاً، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلَاً لِأَوَامِرِ الشَّيْخِ، مُجْتَنِبَاً لِنَوَاهِيهِ.

وَمَا يَنْفَعُ الأَصْلَ مِنْ هَاشِمٍ   ***   إِذَا كَانَتِ النَّفْسُ مِنْ بَاهِلَةٍ

وَإِنَّمَا تَنْفَعُ أَكْمَلِيَّةُ الشَّيْخِ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ الـمُوصِلَةُ إِلَى الـمَقْصُودِ، وَإِلَّا فَالشَّيْخُ لَا يُعْطِي الـمُرِيدَ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ لَهُ اسْتِعْدَادُهُ، وَاسْتِعْدَادُهُ مُنْطَوٍ فِيهِ وَفِي أَعْمَالِهِ، كَالطَّبِيبِ الـمَاهِرِ إِذَا حَضَرَ الـمَرِيضَ وَأَمَرَهُ بِأَدْوِيَةٍ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا الـمَرِيضُ، فَمَا عَسَى أَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ مَهَارَةُ الطَّبِيبِ؟ وَعَدَمُ امْتِثَالِ الـمَرِيضِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا أَرَادَ شِفَاءَهُ مِنْ عِلَّتِهِ، فَإِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَمْرَاً هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ.

وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الـمُرِيدِ طَلَبُ الأَكْمَلِ الأَفْضَلِ مِنَ الـمَشَايِخِ خَشْيَةَ أَنْ يُلْقِي قِيَادَهُ بِيَدِ جَاهِلٍ بِالطَّرِيقِ الـمُوصِلِ إِلَى الـمَقْصُودِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَوْنَاً عَلَى هَلَاكِهِ).

ابْنُ عَطَاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ:

يَقُولُ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الاسْتِرْشَادِ، وَسُلُوكِ طَرِيقِ الرَّشَادِ، أَنْ يَبْحَثَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، سَالِكٍ للطَّرِيقِ، تَارِكٍ لِهَوَاهُ، رَاسِخِ القَدَمِ في خِدْمَةِ مَوْلَاهُ فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيَمْتَثِلْ مَا أَمَرَ، وَلْيَنْتَهِ عَمَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ).

وَقَالَ أَيْضَاً: (لَيْسَ شَيْخُكَ مَنْ سَمِعْتَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا شَيْخُكَ مَنْ أَخَذْتَ عَنْهُ، وَلَيْسَ شَيْخُكَ مَنْ وَاجَهَتْكَ عِبَارَتُهُ، وَإِنَّمَا شَيْخُكَ الذي سَرَتْ فِيكَ إِشَارَتُهُ، وَلَيْسَ شَيْخُكَ مَنْ دَعَاكَ إِلَى البَابِ، وَإِنَّمَا شَيْخُكَ الذي رَفَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الحِجَابَ، وَلَيْسَ شَيْخُكَ مَنْ وَاجَهَكَ مَقَالُهُ، إِنَّمَا شَيْخُكَ الذي نَهَضَ بِكَ حَالُهُ.

شَيْخُكَ هُوَ الذي أَخْرَجَكَ مِنْ سِجْنِ الهَوَى، وَدَخَلَ بِكَ عَلَى الـمَوْلَى.

شَيْخُكَ هُوَ الذي مَا زَالَ يَجْلُو مِرْآةَ قَلْبِكَ، حَتَّى تَجَلَّتْ فِيهَا أَنْوَارُ رَبِّكَ، أَنْهَضَكَ إِلَى اللهِ فَنَهَضْتَ إِلَيْهِ، وَسَارَ بِكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيْهِ، وَمَا زَالَ مُحَاذِيَاً لَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَزَجَّ بِكَ في نُورِ الحَضْرَةِ وَقَالَ: هَا أَنْتَ وَرَبَّكَ).

وَقَالَ أَيْضَاً: (لَا تَصْحَبْ مَنْ لَا يُنْهِضُكَ حَالُهُ، وَلَا يَدُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقَالُهُ).

رَحِمَ اللهُ تعالى شَيْخَنَا رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَجَزَى اللهُ تعالى خَيْرَ الجَزَاءِ مَنْ قَالَ في حَقِّهِ:

وَعَـلَى أَبِي أَيُّـوبَ حَلَّ فَـقِيدُنَا    ***   ضَـيْـفَـاً فَـكَـانَ لَـهُ المَقَامُ الأَرْفَعُ

بِـجِوَارِ مَنْ نَزَلَ الحَبِيبُ بِدَارِهِ    ***   وَاخْتَارَهُ بِـالـفَـضْـلِ رَبٌّ مُـبْـدِعُ

وَلَهُ مِنَ الـشَّهْبَـاءِ أَصْـلٌ ثَابِتٌ   ***   وَعَلَى ذُرَا اسْتَنْبُولَ مَـثْـوَىً يَسْطَعُ

ذِكْرَاهُ إِنْ ذُكِرَتْ ذُكَاءُ فَمَشْرِقٌ    ***   وَسَنَاهُ إِنْ طَلَعَ الهِلَالُ فَـمَـطْـلِـعُ

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الجمعة: 29/ جمادى الأولى /1441هـ، الموافق: 24/كانون الثاني / 2020م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  حقائق عن التصوف

10-03-2020 258 مشاهدة
22ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (5)

قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد زَرُّوق رَحِمَهُ اللهُ في قَوَاعِدِهِ: (أَخْذُ العِلْمِ وَالعَمَلِ عَنِ الـمَشَايِخِ أَتَمُّ مِنْ أَخْذِهِ دُونَهُم ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49] ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ ... المزيد

 10-03-2020
 
 258
28-02-2020 153 مشاهدة
21ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (4)

وَيَقُولُ صَاحِبُ العَيْنِيَّةِ سَيِّدِي الشَّيْخُ عَبْدُ القَادِر الجَيْلَانِيُّ قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ: وَإِنْ سَاعَدَ المَقْدُورُ أَو سَاقَكَ القَضَا    ***   إلى شَيْخِ حقٍّ في الحَقِيقَةِ بَــــارِعُ فَـقُـمْ في رِضَـاهُ وَاتَّـبِـــعْ لِـمُـرَادِهِ    ... المزيد

 28-02-2020
 
 153
17-01-2020 343 مشاهدة
19ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة (2)

وَقَالَ أَيْضَاً ـ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ: ـ (مِمَّا يَجِبُ في حَقِّ سَالِكِ طَرِيقِ الحَقِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُرْشِدٌ وَمُرَبٍّ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَيَرْفَعَ عَنْهُ الأَخْلَاقَ الـمَذْمُومَةَ، وَيَضَعَ مَكَانَهَا الأَخْلَاقَ ... المزيد

 17-01-2020
 
 343
10-01-2020 352 مشاهدة
18ـ أقوال العارفين في فائدة الصحبة

إِنَّ السَّادَةَ الصُّوفِيَّةَ هُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ تَعَبُّدِيَّةٍ خَالِصَةٍ، تَقُومُ أُسُسُهَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالإِذْعَانِ لِنَصِيحَةِ نَاصِحٍ، أَو تَوْجِيهِ مُرْشِدٍ، فَنَشَأَتْ بَيْنَهُمْ تِلْكَ الـمَدَارِسُ ... المزيد

 10-01-2020
 
 352
03-01-2020 171 مشاهدة
17ـ أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة (2)

قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٌ الشَّهِيرُ بِابْنُ القَيِّمِ: (فَإِذَا أَرَادَ العَبْدُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَجُلٍ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ أَو مِنَ الغَافِلِينَ، وَهَلِ الحَاكِمُ عَلَيْهِ الهَوَى أَوِ الوَحْيُ؟ ... المزيد

 03-01-2020
 
 171
28-12-2019 201 مشاهدة
16ـ أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة

يَقُولُ الشَّيْخُ الفَقِيهُ الـمُحَدِّثُ أَحْمَد شِهَابُ الدِّينِ بْنِ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ الـمَكِّيُّ في كِتَابِهِ "الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةُ": (وَالحَاصِلُ أَنَّ الأَوْلَى بِالسَّالِكِ قَبْلَ الوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الـمَعَارِفِ أَنْ ... المزيد

 28-12-2019
 
 201

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5221
المقالات 2640
المكتبة الصوتية 4057
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 390633231
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :