3ـ من وصايا الصالحين: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}

3ـ من وصايا الصالحين: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}

 

الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه، وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى، وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات وغُرَّة الطاعات، لذلك أمر الله بها صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين، ثم شرَّفنا وكرَّمنا بأن أمرنا بها في ليلة إسراء ومعراج نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

فالصلاة شريعة قديمة بقدم النبيين والمرسلين، قال تعالى في حق سيدنا زكريا عليه السلام: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} وقال تعالى مخبراً عن سيدنا إبراهيم عليه السلام في دعائه: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}. وقال: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء}. وقال تعالى في حق سيدنا موسى وأخيه هارون عليهما السلام: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوَّأا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين}، وقال مخبراً عن وصية لقمان لولده: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}. وقال مخبراً عن قول سيدنا عيسى عليه السلام: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً * وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}. وقال في وصف سيدنا إسماعيل عليه السلام: {إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً}. وقال آمراً لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}.

لذلك أمرنا بها مولانا عز وجل بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}. وقال مؤكداً عليها: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير}. وقال آمراً بالمحافظة عليها: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}. وقال تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}.

وإقامة الصلاة صفة المؤمنين المتقين المفلحين:

قال تعالى في وصف المتقين: {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.

وقال تعالى في وصف الراسخين في العلم: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً}.

وقال تعالى في حق المصلحين: {والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}.

وقال تعالى في وصف المؤمنين الذين آمنوا حقاً: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}.

وقال تعالى في وصف الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}.

وقال تعالى في وصف أصحاب الأخلاق الحميدة: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار}.

وقال في حق الدعاة حملة الرسالات من الأنبياء والمرسلين: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين}.

وقال في حق المخبتين: {وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.

وقال في حق الشاهدين على الناس: {وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}.

وقال في حق المفلحين: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}.

وقال في حق الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}.

وقال في حق المحسنين: {الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون}.

وقال في وصف من أراد تجارة لن تبور: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور}.

وقال في حق سيد الخلق وحبيب الحق، وفي حق صفوة البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}.

فهذه الصلاة الشريفة التي شرّفنا الله بها وكرَّمنا حيث أمرنا بها هي عون لنا على أمورنا الدنيوية، قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}. وقال جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}.

وهي عون لنا على ترك الفحشاء والمنكر، قال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}.

وهي عون لنا حتى لا نكون جزعين عند المصائب، قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً * إذا مسه الشر جزوعاً * وإذا مسه الخير منوعاً * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون}.

وهي سبب لمحو السيئات عنا بفضل من الله عز وجل، قال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}.

وهي سبب لمعية الله الخاصة لنا بإذنه تعالى، قال تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنك سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل}.

وهي سبب لتزكية نفوسنا وتطهيرها، قال تعالى: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى}.

وأخيراً هذه الصلاة هي مثار سخرية الكافرين، قال تعالى: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد}.

فالصلاة كانت لنا نعمة تركنا ببركتها كل عادة ومألوف يخالف أمر الله عز وجل، وببركتها صبرنا على سخرية الكافرين المجرمين الذين قالوا فيهم مولانا: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون}.

وببركتها نكون من الفائزين إن شاء الله تعالى، قال جل ثناؤه: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}.

فبها ضمنّا بإذن الله حسن الختام، وبها فزنا بجنة عرضها السماوات والأرض، وببركاتها نكون من الذين قال فيهم مولانا: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}.

ومع تتمة هذه الوصية في لقاء قريب إن شاء الله تعالى، {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء}، {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. راجين منكم دعوة صالحة.

 

الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  من وصايا الصالحين

05-03-2020 4872 مشاهدة
47ـ وصية أبي الدرداء (4)

لَقَدْ كَانَ الصَّحْبُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى حَذَرٍ شَدِيدٍ مِنَ الصَّغَائِرِ فَضْلاً عَنَ الكَبَائِرِ، روى الإمام البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالاً، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ ... المزيد

 05-03-2020
 
 4872
27-02-2020 3832 مشاهدة
46ـ وصية أبي الدرداء (3)

مَا أَجْمَلَ الصَّاحِبَ الصَّالِحَ، وَالأَخَ النَّاصِحَ، مَا أَجْمَلَ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِاللهِ تعالى، وَيُذَكِّرُكَ بِالمَهَمَّةِ التي خُلِقْتَ مِنْ أَجْلِهَا، مَا أَجْمَلَ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا. مَا أَكْرَمَ ... المزيد

 27-02-2020
 
 3832
21-02-2020 3016 مشاهدة
45ـ وصية أبي الدرداء (2)

إِنَّ مِمَّا يُرَقِّقُ الطِّبَاعَ؛ وَيَعِظُ الْقُلُوبَ ويُشَنِّفُ الأَسْمَاعَ؛ وَيَدْعُو أَصْحَابَهَا إِلَى الاتِّبَاعِ، مَا جَاءَ فِي وَصَايَا السَّلَفِ؛ التِي هِيَ مِنْ أَجَلِّ الْمَوَاعِظِ التُّحَفِ، وَحَسْبُنَا مِنْ وَصَايَا السَّلَفِ ... المزيد

 21-02-2020
 
 3016
06-02-2020 4878 مشاهدة
44ـ وصية أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

إِنَّ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمِنْ مِيزَاتِهَا التي خَصَّهَا اللهُ تعالى، قَالَ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ... المزيد

 06-02-2020
 
 4878
30-01-2020 5205 مشاهدة
43ـ وصية أبي الدرداء لأهل دمشق

طُولُ الأَمَلِ دَاءٌ عُضَالٌ، وَمَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَمَتَى تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ فَسَدَ مِزَاجَهُ، وَصَعُبَ عِلَاجُهُ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ دَاءٌ، وَلَا نَجَعَ فِيهِ دَوَاءٌ، بَلْ أَعْيَا الأَطِبَّاءَ، وَيَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ الحُكَمَاءُ وَالعُلَمَاءُ، ... المزيد

 30-01-2020
 
 5205
25-10-2014 17473 مشاهدة
42ـ من وصايا الصالحين: وصية سيدنا عمر لأبي موسى الأشعري رَضِيَ اللهُ عَنهُما

فَإِنَّ لِلنَّاسِ نَفْرَةً عَنْ سُلْطَانِهِمْ، فَأَعُوذُ باللهِ أَنْ يُدْرِكَنِي وَإِيَّاكَ عَمْيَاءُ مَجْهُولَةٌ، وَضَغَائِنُ مَحْمُولَةٌ، فَأَقِمِ الْحُدُودَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. ... المزيد

 25-10-2014
 
 17473

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5613
المقالات 3162
المكتبة الصوتية 4798
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 414344908
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2024 
برمجة وتطوير :