31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

 

 31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:   

فيا أيُّها الإخوة الكرام: من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَل فِي قُلُوبِنَا غِلَّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾.

الغِلُّ: هوَ الضَّغناءُ والغِشُّ والعَداوَةُ والحِقدُ والحَسَدُ، وهذا ليسَ من وَصْفِ المؤمنينَ، وليسَ من وَصْفِ أهلِ الجَنَّةِ، فمن أرادَ أن يَعيشَ في الآخِرَةِ في الجَنَّةِ معَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، عَلَيهِ أن يُطَهِّرَ قَلبَهُ من هذا الخُلُقِ الذَّميمِ، لأنَّ الجَنَّةَ لا يَدخُلُها إلا طَيِّبٌ، وصاحِبُ الغِلِّ والشَّحناءِ ليسَ طَيِّباً، قال تعالى في حَقِّ أهلِ الجَنَّةِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾.

يَقولُ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الغِلُّ من المنهِيَّاتِ البَاطِنَةِ، مُستَدِلَّاً بِقَولِهِ تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلَّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.

حَقيقَةُ التَّقوى:

أيُّها الإخوة الكرام: حَقيقَةُ التَّقوى سَلامَةُ الصَّدرِ من الصِّفاتِ النَّاقِصَةِ، والتي من جُملَتِها الغِلُّ والشَّحناءُ، وقد بَيَّنَ ذلكَ سيِّدُنا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَاناً، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

لِذَهابِ الغِلِّ والشَّحناءِ من القُلوبِ:

أيُّها الإخوة الكرام: من مهِمَّاتِ سيِّدِنا رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَزكِيَةُ النُّفوسِ، فمن أرادَ أن يُزَكِّيَ نَفسَهُ من هذا الوَصْفِ الذَّميمِ، فَليأخُذ بِهَدْيِ سيِّدِنا رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

روى الإمام مالك في الموطَّأ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلُّ، وَتَهَادُوا تَحَابُّوا وَتَذْهَب الشَّحْنَاءُ».

وروى الإمام أحمد عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا».

آدابُ لِقاءِ المؤمنينَ معَ بَعضِهِمُ البَعضِ:

أيُّها الإخوة الكرام: حتَّى نُحَقِّقَ من أنفُسِنا ما أرادَهُ سيِّدُنا رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَينا أن نَلتَزِمَ الآدابَ الإسلامِيَّةَ عِندَ اللِّقاءِ معَ بَعضِنا البَعضِ، من هذهِ الآدابِ:

أولاً: المُصافَحَةُ، روى الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ منَّا يَلْقَى أخاهُ أو صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟

قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا».

قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟

قَالَ: «لَا».

قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ ويُصَافِحُهُ؟

قَالَ: «نَعَمْ».

وعَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَت الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: نَعَمْ. رواه الإمام البخاري.

ثانياً: يُستَحَبُّ عَدَمُ نَزعِ اليَدِ عِندَ المُصافَحَةِ، حتَّى يَكونَ الآخَرُ هوَ البادِئَ بذلكَ، روى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُهُ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّماً رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ.

ثالثاً: يُستَحَبُّ القِيامُ للقادِمِ من مَغيبِهِ، لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قامَ لِعِكرِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عِندَما جاءَهُ، وأمَرَ أصحابَهُ الكِرامَ من الأنصارِ أن يَقوموا لِسَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقامَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ الله لِكَعبِ بنِ مالكٍ وهَنَّأَهُ بِتَوبَةِ الله تعالى عَلَيهِ، وهذا ليسَ داخِلاً في النَّهيِ الذي وَرَدَ عن سيِّدِنا رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَاماً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رواه الترمذي عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

خاتِمَةٌ ـ نسألُ اللهَ تعالى حُسنَ الخاتِمَةِ ـ:

أيُّها الإخوة الكرام: لِنُكثِرْ من اللِّقاءِ معَ المؤمنينَ، معَ تَحقيقِ آدابِ اللِّقاءِ، راجينَ المولى عزَّ وجلَّ أن يَجمَعَ شَملَ الأمَّةِ، ولنَكُنْ على حَذَرٍ من اللِّقاءِ معَ النِّساءِ الأجنَبِيَّاتِ فَضلاً عن مُصافَحَتِهِنَّ، لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» رواه الإمام أحمد عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلوبَنا من كُلِّ وَصْفٍ يُبعِدُنا عَنكَ. آمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **

تاريخ المقال:

يوم السبت: 1 /ذو القعدة / 1434هـ ، الموافق: 7 /أيلول / 2012م

 2013-09-07
 30136
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

28-11-2019 50 مشاهدة
49ـ سلامة الصدر صفة أهل الجنة

هَلُمُّوا إلى هَذَا الأَدَبِ وَالخُلُقِ الذي جَاءَنَا عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَلَا وَهُوَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنَ الـحِقْدِ، لِأَنَّ سَعَادَةَ المَرْءِ وَرَاحَتَهُ وَقُرَّةَ ... المزيد

 28-11-2019
 
 50
06-11-2019 50 مشاهدة
47ـ أخلاق وآداب: الشكوى لله تعالى عبادة

نَحْنُ اليَوْمَ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ إلى تَعَلُّمِ الأَخْلَاقِ السَّامِيَةِ، وَالأَدَبِ الرَّفِيعِ، وَخَاصَّةً إِذَا وَقَعَ أَحَدُنَا في هَمٍّ أَو غَمٍّ أَو كَرْبٍ أَو بَلَاءٍ عِنْدَمَا نَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ. ... المزيد

 06-11-2019
 
 50
30-10-2019 38 مشاهدة
46ـ التجرد من كل علة في العبادة

رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ نِعْمَةٍ حِسِّيَّةٍ أَو مَعْنَوِيَّةٍ أَو دِينِيَّةٍ أَو دُنْيَوِيَّةٍ إِلَّا مِنْهُ تَبَارَكَ وتعالى، وَهَذَا مَا أَكَدَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ ... المزيد

 30-10-2019
 
 38
23-10-2019 614 مشاهدة
45- لا تعتمد على عملك

يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وَيَقُولُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. مِنَ الأَدَبِ مَعَ اللهِ تعالى أَنْ نُعَظِّمَ حُرُمَاتِهِ وَشَعَائِرَهُ، ... المزيد

 23-10-2019
 
 614
17-10-2019 75 مشاهدة
44ـ أخلاق وآداب: أهمية الأخلاق في حياة المسلم

فَإِنَّ الآدَابَ وَالأَخْلَاقَ الظَّاهِرَةَ عُنْوَانُ آدَابِ وَأَخْلَاقِ البَوَاطِنِ، وَمَنْ كَانَ بَاطِنُهُ مِشْكَاةً للأَنْوَارِ الإِلَهِيَّةِ فَاضَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَالُ الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ، نَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَنَا ... المزيد

 17-10-2019
 
 75
10-10-2019 42 مشاهدة
43ـ خلق الإنصاف مع الأولاد

الإِنْصَافُ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ وَصِحَّةِ الإِسْلَامِ، الإِنْصَافُ عَامِلٌ أَسَاسِيٌّ في اسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعَاتِ وَشُيُوعِ المَحَبَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، إِنْصَافُ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنَ الأَنَانِيَّةِ، ... المزيد

 10-10-2019
 
 42

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5128
المقالات 2457
المكتبة الصوتية 4037
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 387890816
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :