18ـ الشيخ أحمد الحجار رَحِمَهُ اللهُ تعالى

18ـ الشيخ أحمد الحجار رَحِمَهُ اللهُ تعالى

18ـ الشيخ أحمد الحجار رَحِمَهُ اللهُ تعالى

1190/1278هـ 1776/1862م

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

هُوَ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ شَنُّون الحَجَّارُ الحَلَبِيُّ، نَشَأَ الشَّيْخُ في حِجْرِ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، يَتَّصِلُ نَسَبُهُ بِالسَّادَةِ الأَشْرَافِ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ الطَّاهِرِ، قَرَأَ الشَّيْخُ أَحْمَد عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الكَرِيمِ والتِّرْمَانِينِيِّ وَالِدِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ التِّرْمَانِينِيِّ، وَكَانَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ أَصَمَّاً لَا يَسْمَعُ غَيْرَ القُرْآنِ الكَرِيمِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.

وَلَقَدْ حَفِظَ الشَّيْخُ أَحْمَد القُرْآنَ عِنْدَهُ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، كَمَا قَرَأَ عِنْدَهُ أَيْضَاً مُقَدِّمَاتِ العُلُومِ مِنَ النَّحْوِ وَالفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا، إلى أَنْ بَرَعَ في هَذِهِ العُلُومِ وَصَنَّفَ وَقْتَئِذٍ رِسَالَتَهُ المَعْرُوفَةَ بِعُنْوَانِ: (التَّمْرِينُ في النَّحْوِ) وَانْتَفَعَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ طَلَبَةُ العِلْمِ لِإِخْلَاصِ مُصَنِّفِهَا رَحِمَهُ اللهُ تعالى؛ وَلَقَدْ أَقْرَأَ هَذِهِ الرِسَالَةَ لِوَلَدِ شَيْخِهِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ التِّرْمَانِينِيِّ، وَبِهَذَا كَانَ يُعَدُّ في مَشَايِخِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ التِّرْمَانِينِيِّ.

ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ أَحْمَد الحَجَّارَ لَازَمَ الشَّيْخَ أَحْمَد الهبراوي المُتَوَفَّى سَنَةَ 1224 هـ 1809م وَانْتَفَعَ بِعُلُومِهِ، كَمَا لَازَمَ العَلَّامَةَ الشَّيْخَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّد الدَّارعزاني الهِلَالِيَّ، وَسَلَكَ عَلَى يَدَيْهِ وَانْتَفَعَ بِحَالِهِ وَقَالِهِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ الشَّيْخُ في الرِّحْلَةِ إلى دِمَشْقَ فَهَاجَرَ إِلَيْهَا وَنَزَلَ المَدْرَسَةَ البَدْرَائِيَّةَ، وَلَازَمَ الشَّيْخَ سَعِيدَ الحَلَبِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ فُضَلَاءِ عُلَمَاءِ دِمَشْقَ في ذَلِكَ العَصْرِ.

وَفِي دِمَشْقَ أَيْضَاً قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ خَالِد الكُرْدِيِّ النَّقشبندي شَيْئَاً مِنْ عِلْمِ الكَلَامِ، وَسَلَكَ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَجَازَهُ، ثُمَّ رَحَلَ مَعَهُ إلى القُدْسِ الشَّرِيفِ، وَفِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ المُبَارَكَةِ حَفِظَ الشَّيْخَ أَحْمَد (جَمْعَ الجَوَامِعِ الأُصُولِيَّ) عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَلَمْ يَزَلْ مُشْتَغِلَاً في تَحْصِيلِ العُلُومِ، حَتَّى مَهَرَ وَبَهَرَ وَصَارَ في عَصْرِهِ مِمَّنْ بَرَعَ وَاشْتَهَرَ.

ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ إلى بَلَدِهِ حَلَبَ فَلَازَمَهُ الطَّلَبَةُ وَانْتَفَعُوا بِهِ وَصَارَ العِلْمُ في حَلَبَ وَمُلْحَقَاتِهَا لَا يُرْفَعُ سَنَدُهُ إِلَّا إِلَيْهِ في الغَالِبِ، لِفَقْدِ العُلَمَاءِ بِسَبَبِ الطَّاعُونِ الذي حَصَلَ في حَلَبَ سَنَةَ 1264 هـ 1848م.

وَقَدْ رَحِمَ اللهُ حَلَبَ وَمُلْحَقَاتِهَا بِهِ وَبِتِلْمِيذِهِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ التِّرمَانِينِيِّ فَأَحْيَا اللهُ بِهِمَا العِلْمَ بَعْدَ انْدِثَارِهِ وَانْطِمَاسِ آثَارِهِ؛ وَأَصْبَحَ طَلَبَةُ العِلْمِ في عَصْرِهِمَا يَعْتَزُّ أَحَدُهُمْ بِأَخْذِ العِلْمِ عَنِ الأَحْمَدَيْنِ، رَحِمَهُمَا اللهُ تعالى.

كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَثْنِ الشَّيْخَ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِإِحْيَاءِ المَدَارِسِ وَالمَسَاجِدِ التي تَقَادَمَ العَهْدُ عَلَيْهَا وَانْدَرَسَ مُعْظَمُهَا، لَا سِيَمَا في زِلْزَالٍ وَقَعَ في حَلَبَ سَنَةَ 1237 هـ 1822م، وَكَانَ الشَّيْخُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى مَعَ اشْتِغَالِهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مُشْتَغِلَاً بِأُمُورِ العَامَّةِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ عِنْدَ وُلَاةِ الأُمُورِ، وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّفَاعَةِ، مَرْعِيَّ الجَانِبِ، مَسْمُوعَ الكَلِمَةِ، وَكَانَ يُهِيبُ بِالشَّيْخِ أَحْمَدَ التِّرْمَانِينِيِّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عُزْلَتَهُ عَنِ النَّاسِ وَانْفِرَادِهِ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَسْأَلُ العَالِمَ عَنْ جَاهِ العِلْمِ.

كَانَ الشَّيْخُ أَحْمَد مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ في حَلِّ مُشْكِلَاتِ وَمُعْضِلَاتِ النَّاسِ في عَـصْرِهِ لَمَا أَتْقَنَهُ مِنَ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ النَّقْلِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ قَيَّمَةٌ في شَتَّى العُلُومِ، مِنْهَا: مُخَدَّرَاتُ الحُورِ مَنْظُومَةٌ في الحَلِّ وَالكُسُورِ، وَمَعْفَوَّاتُ الصَّلَاةِ، وَالتُّحْفَةُ السَّنِيَّةِ نَظْمُ رِسَالَةِ الفَتْحِيَّةِ، وَمُقْدِّمَةٌ في النَّحْوِ سَمَّاهَا: تَمْرِينُ الطُّلَابِ.

لَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ أَحْمَد آيَةً مِنْ آيَات اللهِ في العِلْمِ وَالعَمَلِ وَالذَّكَاءِ وَقُوَّةِ الحَافِظَةِ، كَمَا ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ كَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا في مَجَالِسِهِمْ.

كَانَ الشَّيْخُ أَحْمَد زَاهِدَاً عَالِمَاً عَامِلَاً يَسْتَتِرُ في الطَّرِيقِ بِجُبَّتِهِ لِئَلَّا يَنْظُرَ إلى مَا يُغْضِبُ اللهَ تعالى، وَكَانَ يَسْعَى في عَمَلِ الخَيْرِ وَلَو عَلَى إِتْلَافِ نَفْسِهِ، جَسُورَاً في الدُّخُولِ عَلَى وُلَاةِ الأُمُورِ لِحَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ وَتَأْمِينِ مَطَالِبِهِمْ.

وَمِنْ تَلَامِذَتِهِ الذينَ سَارُوا عَلَى دَرْبِهِ وَانْتَفَعُوا بِعِلْمِهِ الشَّيْخُ يَحْيَى النَّعْسَانِي، وَالشَّيْخُ عَبْدُ القَادِر الحَبَّال.

وَلَقَدْ بَلَغَتْ قِيمَةُ مَكْتَبَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَاً، وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يُحِبُّ اقْتِنَاءَ الكُتُبِ، فَلَقَد رَأَى كِتَابَاً يُبَاعُ في السُّوقِ وَلَم يَكُنْ يَمْلِكُ قِيمَتَهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ فَنَزَعَ بَعْضَهَا وَبَاعَهَا وَاشْتَرَى هَذَا الكِتَابَ في الحَالِ.

كَانَ الشَّيْخُ أَحْمَد لَهُ نَظْمٌ جَمِيلٌ في الشِّعْرِ، وَمِمَّا كَتَبَ مُخَاطِبَاً قَلْبَهُ القَاسِيَ:

إِنِّي لَأَعْجَبُ وَالحِجَارَةُ صَـنْـعَتِي ... وَأَشَدُّ مَا فِيهَا عَلَيَّ يَـــــهُونُ

كَيْفَ ابْتُلِيتُ بِقَلْبِيَ القَاسِي الذي ... عُـمْـرِي أُعَـالِجُهُ وَلَيْسَ يَلِينُ

تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَحْمَد مَسَاءَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ 11 شوال سَنَة 1278 هـ 1862م وَدُفِنَ في تُرْبَةِ الكليماتي خَارِجَ بَابِ قنسرين، وَصَلَّى عَلَيْهِ في الجَامِعِ الأُمَوِيِّ الكَبِيرِ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطْيفِ الهِلَالِيُّ، وَكَانَتْ لَهُ جِنَازَةٌ حَافِلَةٌ حَضَرَهَا وَالِي حَلَبَ، وَمَنْ دُونَهُ، وَمُحِبُّوهُ وَطُلَّابُهُ المُقَرَّبُونَ.

رَحِمَ اللهُ تعالى الشَّيْخَ أَحْمَد الحَجَّارَ وَسَائِرَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ؛ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

تاريخ الكلمة:

الخميس: 12/ رجب /1439هـ، الموافق: 29/ آذار / 2018م

 2020-01-14
 8
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  باب التراجم

16-01-2020 8 مشاهدة
24ـ الإمام مالك وكتابه الموطأ

الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تعالى كَانَ مِنْ سِمَاتِهِ أَنَّهُ يُجِيبُ عَمَّا يَقَعُ، وَكَانَ تَلَامِيذُهُ يَجْتَهِدُونَ أَحْيَانَاً أَنْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الإِجَابَةِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تَقَعْ، فَلَا يُطَاوِعُهُمْ، وَلَا يُسَاقُ وَرَاءَ ... المزيد

 16-01-2020
 
 8
16-01-2020 9 مشاهدة
23ـ ترجمة الإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى

مَالِكٌ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ بِفَتْحِ الْبَاءِ نِسْبَةً إلَى ذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ. وُلِدَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ... المزيد

 16-01-2020
 
 9
16-01-2020 11 مشاهدة
22- الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ تعالى

فَلَقَد رَأَيْتُ لِزَامَاً عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ للإِمَامِ الجَلِيلِ، وَالعَارِفِ بِاللهِ تعالى، التَّقِيِّ النَّقِيِّ الصَّالِحِ المُخْلِصِ المُخْلَصِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ ... المزيد

 16-01-2020
 
 11
14-01-2020 5 مشاهدة
21ـ الشيخ جميل العقاد رَحِمَهُ اللهُ تعالى (1)

هُوَ الشَّيْخُ جَمِيل بْنُ الشَّيْخِ مُحَمَّد ياسين العَقَّاد، وُلِدَ في حَيِّ الجَلُّومِ بِمَدِينَةِ حَلَبَ، مِنْ أَبَوَيْنِ كَرِيمَيْنِ وَأُسْرَةٍ ذَاتِ عِلْمٍ وَدِينٍ، فَقَدْ كَانَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ مُحَمَّد يَاسِين إِمَامَاً وَخَطِيبَاً ... المزيد

 14-01-2020
 
 5
14-01-2020 9 مشاهدة
20ـ الشيخ محمد نجيب خياطة رَحِمَهُ اللهُ تعالى

هُوَ الشَّيْخُ مُحَمَّد نَجِيب بْنُ مُحَمَّد بْنِ مُحَمَّد بْنِ عُمَر خَيَّاطَة الشَّهِيرُ بِآلا، وُلِدَ في حَيِّ الجَلُّومِ بِمَدِينَةِ حَلَبَ في شَهْرِ رَمَضَانَ عَامَ 1321هـ الموافق 1905م؛ لَمْ يَكُنْ وَالِدُهُ عَالِمَاً، لَكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ... المزيد

 14-01-2020
 
 9
14-01-2020 7 مشاهدة
19ـ الشيخ أحمد المكتبي الكبير رَحِمَهُ اللهُ تعالى

هُوَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ ابْنُ الحَاجِّ مُصْطَفى بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ الشَّيْخِ مُحَمَّد الشَّهِيرِ بِالمَكْتَبِيِّ، العَالِمُ العَامِلُ وَالجَهْبَذُ الكَامِلُ، المُحَدِّثُ النَّحْوِيُّ الأُصُولِيُّ، ... المزيد

 14-01-2020
 
 7

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5155
المقالات 2552
المكتبة الصوتية 4043
الكتب والمؤلفات 16
الزوار 388390004
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :