أهلا بكم في موقع الشيخ أحمد شريف النعسان

9478 - الصدقة الجارية

15-02-2019 6356 مشاهدة
 السؤال :
ما هو المقصود بالصدقة الجارية التي أشار إليها سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بقوله: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»؟
 الاجابة :
رقم الفتوى : 9478
 2019-02-15

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَالحَدِيثُ في الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ صَحِيحٌ، وَالمَقْصُودُ بِالصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ هِيَ التي يَسْتَمِرُّ نَفْعُهَا للنَّاسِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ أَجْرُهَا المُتَجَدِّدُ لِصَاحِبِهَا الذي جَعَلَهَا، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ المَوْتِ: مُرَابِطٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَاً أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ مَا عَمِلَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهَا لَهُ مَا جَرَتْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدَاً صَالِحَاً فَهُوَ يَدْعُو لَهُ».

وفي الحَدِيثِ الذي رواه الطَّبَرَانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنْ عَمَلِ الأَحْيَاءِ يَجْرِي لِلأَمْوَاتِ: رَجُلٌ تَرَكَ عَقِبَاً صَالِحَاً يَدْعُو لَهُ يَتْبَعُهُ دُعَاؤُهُمْ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ بَعْدِهِ لَهُ أَجْرُهَا مَا جَرَتْ بَعْدَهُ، وَرَجُلٌ عَلَّمَ عِلْمَاً فَعُمِلَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهِ شَيْءٌ».

وَيَدْخُلُ في الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، بِنَاءُ المَسَاجِدِ، روى الشيخان عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدَاً للهِ، بَنَى اللهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ مِثْلَهُ».

وروى ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدَاً للهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتَاً فِي الجَنَّةِ». يَعْنِي سَاهَمَ وَلَو بِجُزْءٍ يَسِيرٍ مَا يَلْزَمُ المَسْجِدَ مِنْ أَثَاثٍ وَسُجَّادٍ وَأَدَوَاتِ تَنْظِيفٍ وَوَقُودٍ .....

وَمِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ ما رواه ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمَاً عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدَاً صَالِحَاً تَرَكَهُ، وَمُصْحَفَاً وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدَاً بَنَاهُ، أَوْ بَيْتَاً لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرَاً أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ».

المَصَاحِفُ مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، طِبَاعَةُ الكُتُبِ مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، مَكْتَبَاتُ المَسَاجِدِ وَالمَدَارِسِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، دُورُ اليَتَامَى مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، وَشَبَكَاتُ المِيَاهِ مِنَ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ.

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:

فَالصَّدَقَةُ الجَارِيَةُ هِيَ التي يَسْتَمِرُّ نَفْعُهَا للنَّاسِ جَمِيعَاً فَتْرَةً مِنَ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ أَجْرُهَا مُتَجَدِّدٌ لِصَاحِبِهَا وَصُوَرُهَا كَثِيرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا؛ وَقَدْ نَظَمَ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ الجَارِيَةَ بِقَوْلِهِ:

إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمُ لَيْسَ يَجْرِي    ***   عَـلَـيْـهِ مِـنْ فِـعَـالٍ غَـيْـرُ عَــشْرِ

عُـلُـومٌ بَـثَّـهَا وَدُعَـاءُ نَـجْلٍ   ***   وَغَرَسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي

وِرَاثَةٌ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَـغْرٍ    ***   وَحَفْرُ البِئْرِ أَوْ إِجْـرَاءُ نَـهْـــــــرِ

وَبَيْتٌ لِلـغَرِيبِ بَـنَـاهُ يَـأْوِي   ***   إِلَيْهِ أَوْ بِـنَـاءُ مَـحَـلِّ ذِكْــــــــرِ

وَتَـعْـلِـيـمٌ لِـقُـرْآنٍ كَـرِيــمٍ    ***   فَـخُـذْهَـا مِـنْ أَحَـادِيـثَ بِحَصْرِ

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ. آمين. هذا، والله تعالى أعلم.

 

المجيب : الشيخ أحمد شريف النعسان
6356 مشاهدة