الرئيسية

الرئيسية

التوكل على الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ تعالى، مِنْ أَعْظَمِ المَقَامَاتِ، وَأَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَجَلِّ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَأَنْبَلِ أَعْمَالِ القُلُوبِ، يَقُولُ سَيِّدُنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الإِيمَانِ.

التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تعالى طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ، وَسُكُونُ النَّفْسِ، لِأَنَّ المُتَوَكِّلَ يَعْلَمُ أَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللهِ تعالى، فَلَا يَحْصُلُ إِلَّا مَا قَدَّرَهُ اللهُ تعالى لَهُ، وَكَتَبَهُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُ القَنَاعَةُ، التي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ كُنُوزِ الدُّنْيَا.

صَاحِبُ التَّوَكُّلِ يَعِيشُ قَرِيرَ العَيْنِ، هَادِئَ البَالِ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَدِّرُهَا إِلَّا مَنْ ذَاقَهَا، وَرَحِمَ اللهُ تعالى القَائِلَ:

لَا تَجْزَعَنَّ مَتَى اتَّكَلْتَ عَلَى الذي    ***   مَا زَالَ مُبْتَدِئَاً يَجُودُ وَيُفْضِلُ

وَلَـقَـدْ يُـرِيحُ أَخُو التَّوَكُّلِ نَـفْسَهُ   ***   إِنَّ المُـرِيحَ لَــعَمْرُكَ المُتَوَكِّلُ

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: المُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ تعالى لَا يَلْتَفِتُ بِقَلْبِهِ إلى غَيْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهُوَ يَعِيشُ في حَيَاتِهِ الدُّنْيَا عِيشَةً هَنِيَّةً آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ الفَاعِلَ الحَقِيقِيَّ في هَذَا الوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ اللهُ تعالى، وَأَمَّا في الآخِرَةِ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفَاً بِغَيْرِ حِسَابٍ».

قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» رواه الإمام مسلم عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَقُولُ حَاتِمُ الأَصَمُّ ـ الذي كَانَ يُقَالُ عَنْهُ لُقْمَانُ هَذِهِ الأُمَّةِ، لِمَا لَهُ مِنْ كَلَامِ الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ ـ: لِي أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَتِسْعَةُ أَوْلَادٍ، مَا طَمِعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوَسْوِسَ لِي في شَيْءٍ مِنْ أَرْزَاقِهِمْ. /كذا في تاريخ الإسلام.

حَاتِمُ الأَصَمُّ تِلْمِيذُ شَقِيقٍ البَلْخِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ لَهُ شَقِيقُ: مُنْذُ كَمْ صَحِبْتَنِي؟

قَالَ حَاتِمٌ: مُنْذُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.

قَالَ: فَمَا تَعَلَّمْتَ مِنِّي في هَذِهِ المُدَّةِ؟

قَالَ: ثَمَانِي مَسَائِلَ.

قَالَ شَقِيقٌ لَهُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ ذَهَبَ عُمُرِي مَعَكَ وَلَمْ تَتَعَلَّمْ إِلَّا ثَمَانِي مَسَائِلَ.

قَالَ: يَا أُسْتَاذُ، لَمْ أَتَعَلَّمْ غَيْرَهَا، وَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ أَكْذِبَ.

فَقَالَ: هَاتِ هَذِهِ الثَّمَانِي مَسَائِلَ حَتَّى أَسْمَعَهَا.

قَالَ حَاتِمٌ: نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ فَرَأَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ يُحِبُّ مَحْبُوبَاً، فَهُوَ مَعَ مَحْبُوبِهِ إلى القَبْرِ، فَإِذَا وَصَلَ إلى القَبْرِ فَارَقَهُ، فَجَعَلْتُ الحَسَنَاتِ مَحْبُوبِي، فَإِذَا دَخَلْتُ القَبْرَ دَخَلَ مَحْبُوبِي مَعِيَ.

فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا حَاتِمٌ، فَمَا الثَّانِيَةُ؟

فَقَالَ: نَظَرْتُ في قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فَعَلِمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وتعالى هُوَ الحَقُّ فَأَجْهَدْتُ نَفْسِي في دَفْعِ الهَوَى حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تعالى.

الثَّالِثَةُ: أَنِّي نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ فَرَأَيْتُ كُلَّ مَنْ مَعَهُ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ وَمِقْدَارٌ رَفَعَهُ وَحَفِظَهُ ثُمَّ نَظَرْتُ إلى قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾. فَكُلَّمَا وَقَعَ مَعِيَ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ وَمِقْدَارٌ وَجَّهْتُهُ إلى اللهِ لِيَبْقَى عِنْدَهُ مَحْفُوظَاً.

الرَّابِعَةُ: أَنِّي نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ فَرَأَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَرْجِعُ إلى المَالِ وَإِلَى الحَسَبِ وَالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَإِذَا هِيَ لَا شَيْءَ، ثُمَّ نَظَرْتُ إلى قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فَعَمِلْتُ في التَّقْوَى حَتَّى أَكُونَ عِنْدَ اللهِ كَرِيمَاً.

الخَامِسَةُ: أَنِّي نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ وَهُمْ يَطْعَنُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ الحَسَدُ، ثُمَّ نَظَرْتُ إلى قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فَتَرَكْتُ الحَسَدَ وَاجْتَنَبْتُ الخَلْقَ وَعَلِمْتُ أَنَّ القِسْمَةَ مِنْ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى فَتَرَكْتُ عَدَاوَةَ الخَلْقِ عَنِّي.

السَّادِسَةُ: نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً فَرَجَعْتُ إلى قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوَّاً﴾. فَعَادَيْتُهُ وَحْدَهُ وَاجْتَهَدْتُ في أَخْذِ حَذَرِي مِنْهُ، لِأَنَّ اللهَ تعالى شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِي، فَتَرَكْتُ عَدَاوَةَ الخَلْقِ غَيْرِهِ.

السَّابِعَةُ: نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ فَرَأَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ هَذِهِ الكِـسْرَةَ فَيُذِلُّ فِيهَا نَفْسَهُ وَيَدْخُلُ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَهُ، ثُمَّ نَظَرْتُ إلى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾. فَعَلِمْتُ أَنِّي وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الدَّوَابِّ التي عَلَى اللهِ رِزْقُهَا فَاشْتَغَلْتُ بِمَا للهِ تعالى عَلَيَّ وَتَرَكْتُ مَا لِي عِنْدَهُ.

الثَّامِنَةُ: نَظَرْتُ إلى هَذَا الخَلْقِ فَرَأَيْتُهُمْ كُلَّهُمْ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى مَخْلُوقٍ، هَذَا عَلَى ضَيْعَتِهِ وَهَذَا عَلَى تِجَارَتِهِ وَهَذَا عَلَى صِنَاعَتِهِ وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ بَدَنِهِ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُتَوَكِّلٌ عَلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ، فَرَجَعْتُ إلى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فَتَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ حَسْبِي.

قَالَ شَقِيقٌ: يَا حَاتِمٌ، وَفَّقَكَ اللهُ تعالى، فَإِنِّي نَظَرْتُ في عُلُومِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالفُرْقَانِ العَظِيمِ، فَوَجَدْتُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ وَهِيَ تَدُورُ عَلَى هَذِهِ الثَّمَانِ مَسَائِلَ، فَمَنِ اسْتَعْمَلَهَا فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الكُتُبَ الأَرْبَعَةَ. /إحياء علوم الدين.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يُعَجِّلَ بِالفَرَجِ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ تعالى حَقَّ تَوَكُّلِهِ. آمين.

**    **    **

                                                                             أخوكم أحمد شريف النعسان

                                                                                     يرجوكم دعوة صالحة


البحث في الفتاوى

الفتاوى 5155
المقالات 2550
المكتبة الصوتية 4043
الكتب والمؤلفات 16
الزوار 388370177
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :