143ـ ما هو زادك ليوم المعاد؟
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الفَارِقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِ الأُمَّةِ لَيْسَ فِي غَزَارَةِ العِلْمِ، وَلَكِنْ فِي نَقَاءِ القُلُوبِ وَصَفَائِهَا، وَفِي عُمْقِ وَدِقَّةِ فِقْهِهِمْ، وَفِي عُلُوِّ وَرِفْعَةِ هِمَّتِهِمْ، يَقُولُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بِئْسَ الزَّادُ إِلَى المَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: كَمِ الفَارِقُ كَبِيرٌ بَيْنَ زَادٍ حَمَلَهُ العَبْدُ لِيَوْمِ المَعَادِ مِنْ خَطِيئَةٍ وَإِثْمٍ فِي قَلْبِهِ فِي حَقِّ العِبَادِ، وَبَيْنَ زَادٍ حَمَلَهُ العَبْدُ لِيَوْمِ المَعَادِ فِي قَلْبِهِ مِنْ إِيمَانٍ وَحُبٍّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحُبٍّ لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى جَميعًا، وَنُصْحٍ وَإِرْشَادٍ.
فَرِيقٌ حَقُودٌ حَسُودٌ شَغَلَ لِسَانَهُ بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالوَقِيعَةِ فِي الأَعْرَاضِ، وَشَغَلَ قَلْبَهُ بِالبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ؛ وَفَرِيقٌ مُحِبٌّ رَحِيمٌ شَغَلَ لِسَانَهُ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ وَالنُّصْحِ وَالإِرْشَادِ، وَشَغَلَ قَلْبَهُ بِالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ هَلْ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى القَائِلِ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؟
بِئْسَ زَادُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ، وَنِعْمَ زَادُ الفَرِيقِ الثَّانِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَعْلَمُ الزَّادَ الَّذِي يَحْمِلُهُ لِيَوْمِ المَعَادِ ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: نَحْنُ اليَوْمَ بِأَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَى التَّنَافُسِ فِي مَيَادِينِ الإِيمَانِ، وَالتَّرْبِيَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي رَبَّى عَلَيْهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الصَّحْبَ الكِرَامَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
المُؤْمِنُ حَرِيصٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى سَلَامَةِ صَدْرِهِ وَقَلْبِهِ نَحْوَ الآخَرِينَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وَنَقْلُ الكَلَامِ الَّذِي يُفْسِدُ العَلَاقَاتِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الإِنْسَانِ المُؤْمِنِ.
لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتَنَافَسُونَ فِي هَذَا المَيْدَانِ، مَيْدَانِ سَلَامَةِ القُلُوبِ وَالصُّدُورِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ».
كَتَبَ رَجُلٌ لِأَخِيهِ فِي اللهِ، قَالَ لَهُ: تَثَبَّتْ مِمَّا تَقُولُ عِنْدَ نَقْلِكَ لِلْكَلَامِ، فَلَا تَنْقُلْ كَلَامًا لِأَحَدٍ إِلَّا إِذَا كُنْتَ مُتَأَكِّدًا مِنْهُ تَمَامًا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَلَا تَجْعَلِ الكَلَامَ يَنْتَقِلُ عَنْ طَرِيقِ الأَلْسِنَةِ دُونَ إِمْرَارِهِ عَلَى العَقْلِ، لِلتَّفْكِيرِ فِيهِ وَتَحْكِيمِ الـشَّرْعِ فِيهِ، حَتَّى لَا نُصِيبَ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَنُصْبِحَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ، وَطَاعَةِ رَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَارْزُقْنَا سَلَامَةَ الصَّدْرِ، وَأَكْرِمْنَا بِخَيْرِ زَادٍ لِيَوْمِ المَعَادِ. آمين.
** ** **
أخوكم أحمد شريف النعسان
يرجوكم دعوة صالحة