15ـبر الوالدين: حرص الوالد على رزق أولاده

15ـبر الوالدين: حرص الوالد على رزق أولاده

 

بر الوالدين

15ـ حرص الوالد على رزق أولاده

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنْ مُوجِبَاتِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَخَاصَّةً الأَبَ، حِرْصُهُ عَلَى رِزْقِ أَوْلَادِهِ، وَغِنَاهُمْ، وَعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إلى النَّاسِ، فَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ وَمَعْلُومٌ، لِأَنَّ في ذَلِكَ سَعَادَةً للأَبْنَاءِ، وَهُوَ مَطْلَبٌ مِنْ مَطَالِبِ الوَالِدَيْنِ لِأَوْلَادِهِمَا.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.

فَقَدْ طَلَبَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمْرَيْنَ:

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: هُوَ مَجِيءُ النَّاسِ إِلَيْهِمْ لِإِينَاسِهِمْ، فَقَدْ كَانَ عُمْرُ سَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ تَرَكَهُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في مَكَّةَ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ بِضْعَةَ شُهُورٍ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ طَلَبَ مِنَ اللهِ تعالى أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ وَحْدَهُمْ، بَلْ يَجعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ـ وَلَو قَالَ: أَفْئِدَةَ النَّاسِ: لَازْدَحَمَتْ مَكَّةُ، وَلَقَدِمَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾. فَلَمْ يَأْتِ سِوَى المُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ ـ.

وَقَدْ حَقَّقَ اللهُ تعالى لَهُ ذَلِكَ، إِذْ لَمْ تَمْضِ أَيَّامٌ حَتَّى جَاءَتْ بَنُو جُرْهُمَ، فَنَزَلُوا عِنْدَهُمْ، فَزَالَتْ وَحْشَتُهُمْ، وَأَنِسُوا بِمَنْ نَزَلَ عِنْدَهُمْ.

وَالمَطْلَبُ الثَّانِي: هُوَ إِرْزَاقُهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ، لِأَنَّ وَادِيَ مَكَّةَ غَيْرُ ذِي زَرْعٍ، وَلَا شَجَرٍ مُثْمِرٍ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ حَقَّقَ اللهُ تعالى أَيْضَاً ذَلِكَ المَطْلَبَ، كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنَاً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقَاً مِنْ لَدُنَّا﴾.

وَهُوَ مُشَاهَدٌ إلى يَوْمِنَا هَذَا، وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ.

المُرَبِّي النَّاجِحُ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إِذَا كُنَّا حَرِيصِينَ عَلَى بِرِّ أَبْنَائِنَا، عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ قَامَ بِمَا كَلَّفَهُ اللهُ تعالى بِهِ مِنْ حَيْثُ التَّرْبِيَةُ الصَّحِيحَةُ التي تُعْطِي ثِمَارَهَا، فَحَتَّى يَكُونَ الوَاحِدُ مِنَّا مُرَبِّيَاً نَاجِحَاً، عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ الهَدَفَ في تَرْبِيَتِهِ، لِأَنَّ أَيَّ تَرْبِيَةٍ لَا تَتَوَجَّهُ نَحْوَ هَدَفٍ مُعَيَّنٍ فَهِيَ تَرْبِيَةٌ فَاشلَةٌ، لِأَنَّ الأَبَ في هَذِهِ الحَالَةِ يَهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى غَيْرِ هُدَىً، وَمَآلُهُ أَنْ يَتَخَبَّطَ في أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا.

هَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ مَجِيءَ النَّاسِ إلى ذُرِّيَّتِهِ لِإِينَاسِهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ، قَبْلَ هَذَا الطَّلَبِ كَانَ هَدَفُهُ في التَّرْبِيَةِ وَاضِحَاً جَلِيَّاً، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنَاً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرَاً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

بَعْدَ هَذَا قَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: يَجِبُ أَنْ نَجْعَلَ أَمَامَنَا الهَدَفَ الذي نَسْعَى إِلَيْهِ في تَرْبِيَتِنَا لِذُرِّيَّتِنَا، أَنْ نَغْرِسَ فِيهِمْ أَوَّلَاً التَّوْحِيدَ وَمُرَاقَبَةَ اللهِ تعالى وَالاعْتِمَادَ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الشُّؤُونِ، وَأَنْ نَتَخَيَّرَ لَهُمُ البِيئَةَ الصَّالِحَةَ التي تُعَزِّزُ فِيهِمُ الالْتِزَامَ بِأَمْرِ اللهِ تعالى، وَتُنَفِّرُهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.

هَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ مِنْ أَجْلِ ذُرِّيَّتِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنَاً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: المُرَبِّي النَّاجِحُ هُوَ الذي يَطْمَعُ بِذُرِّيَّةٍ صَالِحَةٍ، وَيَطْمَعُ بِبِرِّ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَحَتَّى يَشْعُرَ الأَبْنَاءُ بِوَاجِبِ البِرِّ نَحْوَ آبَائِهِمْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً وَأُسْوَةً لِذُرِّيَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ يُرْجَى مِنْ مُرَبٍّ يُخَالِفُ حَالُهُ مَقَالَهُ، هَذَا سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَشْمَلُ نَفْسَهُ أَوَّلَاً في الدُّعَاءِ قَبْلَ بَنِيهِ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.

هَذَا هُوَ المُرَبِّي وَالدَّاعِي النَّاجِحُ، هُوَ الحَرِيصُ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَنْ يَرَاهُمْ بَرَرَةً، وَأَنْ يَعْرِفُوا لِمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِرُّ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ.

المُرَبِّي الحَقُّ هُوَ الذي يَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ وَلَا يَرْكَنُ إِلَيْهَا، وَلَا يَجْزَعُ مِنْ غِيَابِهَا، بَلْ دَأْبُهُ الاسْتِعَانَةُ بِاللهِ تعالى وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالالْتِجَاءُ إِلَيْهِ، وَالافْتِقَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: مِنْ مُوجِبَاتِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ وَخَاصَّةً الأَبَ حِرْصُهُ عَلَى رِزْقِ أَبْنَائِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَلَالٍ، بَعْدَ إِعْدَادِ الوَلَدِ عَلَى الصِّلَةِ مَعَ اللهِ تعالى مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُهُ وَعِبَادَتُهُ للهِ تعالى.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ البَرَرَةِ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجِنَا. آمين.

**      **    **

تاريخ الكلمة:

الأحد: 24/ شوال /1439هـ، الموافق: 8/ تموز / 2018م

 2018-07-08
 4366
الشيخ أحمد شريف النعسان
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  بر الوالدين

08-03-2020 261 مشاهدة
67ـ وجوب توقيرهما وتكريمهما

مَّا يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ تُجَاهَ وَالِدَيْهِ أَنْ يُوَقِّرَهُمَا وَيُكْرِمَهُمَا، فَلَا يَصِفَهُمَا بِوَصْفٍ لَا يَلِيقُ بِهِمَا، وَلَا يُنَادِيهِمَا بِأَسْمَائِهِمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِمَهُمَا في مَجْلِسِهِمَا. كَيْفَ لَا يَكُونُ ... المزيد

 08-03-2020
 
 261
06-03-2020 162 مشاهدة
66ـ شكر الله تعالى على ما أنعم (2)

مِنْ فَوَائِدِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ كَمَالُ الإِيمَانِ، وَحُسْنُ الإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ العِبَادَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ المُوصِلُ إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَهُوَ سَبَبٌ في بَرَكَةِ العُمُرِ، ... المزيد

 06-03-2020
 
 162
24-02-2020 179 مشاهدة
65ـ شكر الله تعالى على ما أنعم على الوالدين

عِنْدَمَا سَمِعَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ كَلَامَ النَّمْلَةِ تَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا، قَالَ تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ... المزيد

 24-02-2020
 
 179
16-02-2020 244 مشاهدة
64ـ لنتعلم من نملة سيدنا سليمان عليه السلام

هَذَا سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ يُعَلِّمُنَا وُجُوبَ شُكْرِ اللهِ تعالى عَلَى مَا أَسْبَغَ عَلَيْنَا مِنَ النِّعَمِ، وَعَلَى مَا أَسْبَغَ عَلَى وَالِدِينَا، لِأَنَّ نِعْمَةَ ... المزيد

 16-02-2020
 
 244
09-02-2020 180 مشاهدة
63ـ طاعة الوالدين وإن كانا غائبين

إِنَّ طَاعَةَ الوَالِدَيْنِ لَا تَخْتَصُّ بِحُضُورِهِمَا، بَلْ تَجِبُ حَتَّى وَلَو كَانَا غَائِبَيْنِ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالمُشَاهَدَةِ؛ إِذَا حَضَرَا ـ أَو أَحَدُهُمَا ـ أَطَاعَهُمَا، وَإِذَا غَابَا عَصَاهُمَا، أَو لَمْ يُطِعْهُمَا، ... المزيد

 09-02-2020
 
 180
03-02-2020 214 مشاهدة
62ـ «أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً»

لَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَلَى الوَلَدِ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُهُمَا في الرَّأْيِ ـ مَا لَمْ يَكُنْ في مَعْصِيَةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الآرَاءِ، يُقَدَّمُ رَأْيُ الوَالِدِ غَالِبَاً ـ لِخِبْرَتِهِ ... المزيد

 03-02-2020
 
 214

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5236
المقالات 2652
المكتبة الصوتية 4060
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 391088479
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :