15ـ أخلاق وآداب: العبد المؤمن لا يعيقه عائق عن عبادته

15ـ أخلاق وآداب: العبد المؤمن لا يعيقه عائق عن عبادته

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن عرف الغاية من خلقه لا يعيقه عائق عن عبادته وأذكاره وأوراده، ولا يجمع على نفسه مصيبتين، مصيبة العائق، ومصيبة ترك العبادة.

حُكيَ أن الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، دعا عروة بن الزبير رضي الله عنه لزيارته في دمشق مقر الخلافة، فلبَّى عروة دعوته، وصحب معه أكبر أولاده، ولمَّا قدم على الخليفة، رحَّب بمقدمه أعظم الترحيب وفرح به أتم الفرح، وبالغ في حفاوته أكمل المبالغة، فنزل عروة قصر الضيافة معززاً ومكرماً، محبباً ومحترماً.

وإذا بابنه دخل اصطبل الخيل ليتمتع بأصيل الجياد ويتفرَّج عليها، فأُفلتت دابة نحوه، فرفسته رفسةً أودت بحياته.

فُجع الوالد الرؤوم، بولده الأثير، الذي هو باكورة الأولاد، فما نفض يديه من تراب قبره، وما جفَّت دمعة الفراق، حتى فجأه مرض الأكلة، بإحدى رجليه فتورمت ساقه، وجعل الورم يشتد ويمتد، فاستدعى الخليفة لضيفه الكريم الأطباء الأخصائيين من كل قطر، ورغَّبهم بإكرام عظيم، إن هم نجحوا في معالجته.

ولكن الأطباء أجمعوا على وجوب بتر الساق، وإلا سرى المرض لجميع البدن فقتله.

فحمل عروة على سرير الجراحة، وعرضوا عليه مخدراً كي لا يشعر بالألم، فأبى أشد الإباء.

وقال: ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي دون أن أشعر به، فينقص أجري.

ولما باشروا بقطع الساق وإذا برجال التفوا حوله، فقال: من هؤلاء؟

فقيل له: جاؤوا ليمسكوك، فلربما اشتد عليك الألم، فقال رضي الله عنه: ردوهم لا حاجة لي بهم، فتقدم الطبيب، ووضع منشاره على ساقه، وطفق ينشر، وعروة يكبر ويهلل، حتى وقع ساق عروة بجانبه.

ثم أُغلي الزيت، وغمست ساقه فيه، لوقف النزف، فعند ذلك أغمي عليه إغماءةً طويلة، حالت دونه ودون قراءة ورده.

ولما صحا دعا بساقه المبتورة، فأخذ يقلِّبها ويقول: أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد، إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ بك مشية يبغضها الله، ولا خطوات تؤدي إلى سخط الله.

فلما عاد إلى المدينة المنورة، وأُدخِلَ على أهله، بادرهم قائلاً: لا يهولنَّكم ما ترون، فقد وهبني الله أربعة من الأولاد، فأخذ واحداً، وأبقى ثلاثة، وأعطاني أربعة من الأطراف، فأخذ طرفاً وأبقى ثلاثة، فله الحمد على ما أبقى، وله الحمد على ما أخذ.

ثم شرع يناجي ربه: وايمك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.

ثم عاد إلى ورده وعبادته فلم يعقه عائق عنها.

الصدفة العجيبة:

قبل أن يغادر عروة دمشق، نزل بدار الخلافة رجل مكفوف البصر، فسأله الخليفة عن السبب؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم يكن في قبيلتي رجل أوفر مالاً ولا أكثر أولاداً مني، فنزلت مع مالي وعيالي في بطن وادٍ، ففاجأنا سيل شديد لم نرَ مثله، فذهب بما كان لي من مال وأهل وولد، فلم يترك السيل سوى بعير، وولدٍ لي صغير، وكان البعير صعباً، فأفلت مني، فتركت ولدي على الأرض، ولحقت بالبعير، وإذا بصيحة خرجت من الطفل لم أسمع قط بمثلها.

فالتفت فإذا برأسه في فم الذئب، فأسرعت إليه، كان قد أجهز عليه، فتمدَّد الطفل أمامي مفصول الرأس، فلحقت بالعير، فلما دنوت منه، رماني برجله رميةً أذهبت بصري.

وهكذا: يا أمير المؤمنين وجدت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل، ولا مال، ولا ولد، ولا بصر.

فقال الخليفة: خذوا به إلى ضيفنا عروة فليقص عليه قصته. اهـ.

أيها الإخوة الكرام: نسأل الله تعالى العفو والعافية، وأن لا يحمِّلنا ما لا طاقة لنا به، وأرجوه تعالى أن لا يشغلنا بشيء عن عبادته لا من عطاء ولا من منع، ولا من رفع ولا من خفض .

ونسأل الله تعالى أن يذيقنا حلاوة المعرفة ولذة المناجاة والقرب منه تبارك وتعالى. اللهم اجعلنا من الشاكرين عند الرخاء، ومن الصابرين عند البلاء، ومن الراضين بمرِّ القضاء. آمين. آمين. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**     **     **

 

 2010-12-25
 34332
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 

التعليقات [ 1 ]

مريم
 2011-01-28

جزاك الله خيراً مليون مرة

 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

14-01-2015 3917 مشاهدة
36ـ أخلاق وآداب: (12) أدباً من آداب في الطعام

فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابَاً عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ: ... المزيد

 14-01-2015
 
 3917
06-01-2014 24700 مشاهدة
35ـ أخلاق وآداب: بعض الأدعية النبوية (2)

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِب الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ ... المزيد

 06-01-2014
 
 24700
29-11-2013 24146 مشاهدة
34ـ آداب وأخلاق: بعض الأدعية النبوية (1)

أولاً: أدعِيَةٌ للمِهمومِ والمَكروبِ والمَحزونِ: ... المزيد

 29-11-2013
 
 24146
19-11-2013 26550 مشاهدة
33ـ آداب وأخلاق: مصيبة المصائب مع دعاة الإصلاح

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 19-11-2013
 
 26550
08-11-2013 25671 مشاهدة
32ـ آداب وأخلاق: عليك بالإيمان والتوبة وصنع المعروف

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 08-11-2013
 
 25671
07-09-2013 29847 مشاهدة
31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ ... المزيد

 07-09-2013
 
 29847

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5010
المقالات 2270
المكتبة الصوتية 4000
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385468527
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :