62ـ «أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً»

62ـ «أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً»

62ـ «أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً»

مقدمة الكلمة:

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَلَى الوَلَدِ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُهُمَا في الرَّأْيِ ـ مَا لَمْ يَكُنْ في مَعْصِيَةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الآرَاءِ، يُقَدَّمُ رَأْيُ الوَالِدِ غَالِبَاً ـ لِخِبْرَتِهِ في الحَيَاةِ، وَتَجَارِبِهِ الطَّوِيلَةِ، وَمُمَارَسَتِهِ لَهَا، وَقَدْ يَعْلَمُ الوَالِدُ مَا لَا يَعْلَمُهُ الوَلَدُ.

وَالسُّلُوكُ في الدُّنْيَا لَا يَأْتِي بِالقِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ، إِنَّمَا هُوَ تَجَارِبٌ وَخِبْرَةٌ، دَفَعَ الوَالِدُ ثَمَنَهَا مِنْ حَيَاتِهِ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، عِنْدَهُ مِنْ خِبْرَةِ الحَيَاةِ، مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ حَمَلَةِ الشَّهَادَاتِ العُلْيَا الأَغْرَارِ في الدُّنْيَا، وَالصِّغَارِ في السِّنِّ؛ وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ وَمَعْرُوفٌ.

«أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً»:

جَاءَ في مُسْنَدِ الإِمَامِ أحمد عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْعَنْبرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي رَأْسِ عَمَّارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا قَتَلْتُهُ.

فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: لِيَطِبْ بِهِ أَحَدُكُمَا نَفْسَاً لِصَاحِبِهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ».

قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا بَالُكَ مَعَنَا؟

قَالَ: إِنَّ أَبِي شَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ـ أي: قاَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيَّاً، وَلَا تَعْصِهِ» فَأَنَا مَعَكُمْ وَلَسْتُ أُقَاتِلُ.

فَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا غَيْرُ مُقْتَنِعٍ بِهَذَا القِتَالِ، وَلَا يُرِيدُهُ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ امْتِثَالَاً لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَهُ كَانَ مُعْتَزِلَاً للمَعْرَكَةِ غَيْرَ مُقَاتِلٍ، لِأَنَّهَا في نَظَرِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، فَكَانَ مُوَافِقَاً وَمُطِيعَاً لِوَالِدِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في الخُرُوجِ، لَا في القِتَالِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الأَصْلُ في الطَّاعَةِ أَنْ تَكُونَ للهِ تعالى وَلِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهِ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَاً مُبِينَاً﴾. وَلِقَوْلِهِ تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾. لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

وَطَاعَةُ اللهِ تعالى، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الخَيْرُ وَالبَرَكَةُ وَالسَّدَادُ.

أَمَّا طَاعَةُ الوَالِدَيْنِ فَلَهَا ضَوَابِطُ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً بِطَاعَةِ اللهِ تعالى وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

جَاءَ في سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: أَنَّ سَعْدَاً قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.

قَالَ: كُنْتُ بَرَّاً بِأُمِّي، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ، قَالَتْ: يَا سَعْدُ! مَا هَذَا الدِّيْنُ الَّذِي قَدْ أَحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِيْنَكَ هَذَا، أَوْ لَا آكُلُ، وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوْتَ، فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقَالُ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ.

قُلْتُ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّه، إِنِّي لَا أَدَعُ دِيْنِي هَذَا لِشَيْءٍ.

فَمَكَثَتْ يَوْمَاً لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ وَلَيْلَةً، وَأَصْبَحَتْ وَقَدْ جُهِدَتْ.

فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يَا أُمَّه! تَعْلَمِيْنَ ـ وَالله ـ لَوْ كَانَ لَكِ مَائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسَاً نَفْسَاً، مَا تَرَكْتُ دِيْنِي، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي أَوْ لَا تَأْكُلِي.

فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ، أَكَلَتْ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ.

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ الوَالِدَيْنِ مَا دَامَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، وَكَانَ أَمْرُهُمَا في حُدُودِ طَاعَةِ اللهِ تعالى وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلْنَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ إِغْضَابِهِمَا لِأَجْلِ مَالٍ، أَو زَوْجَةٍ، أَو صَدِيقٍ، أَو عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ إِغْضَابَهُمَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ البَلَاءِ، روى الترمذي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا البَلَاءُ».

فَقِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلَاً، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمَاً، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمَاً، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فِي المَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ القَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُورُ، وَلُبِسَ الحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحَاً حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفَاً وَمَسْخَاً».

شَرْحُ المُفْرَدَاتِ:

مَعْنَى: «المَغْنَمُ دُوَلَاً» يَكُونُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.

«وَالأَمَانَةُ مَغْنَمَاً» غَنِيمَةً يَتَّخِذُهَا المُؤَمَّنُ ثُمَّ يَخُونُ وَيَجْحَدُ الأَمَانَةَ.

«وَالزَّكَاةُ مَغْرَمَاً» يَرَى المُزَكِّي الزَّكَاةَ غَرَامَةً يَغْرَمُهَا.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى بِرَّ الوَالِدَيْنِ، أَحْيَاءً وَمَيْتِينَ. آمين.

**      **    **

تاريخ الكلمة:

الأحد: 8/ جمادى الآخرة /1441هـ، الموافق: 2/ شباط / 2020م

 2020-02-03
 194
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  بر الوالدين

08-03-2020 197 مشاهدة
67ـ وجوب توقيرهما وتكريمهما

مَّا يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ تُجَاهَ وَالِدَيْهِ أَنْ يُوَقِّرَهُمَا وَيُكْرِمَهُمَا، فَلَا يَصِفَهُمَا بِوَصْفٍ لَا يَلِيقُ بِهِمَا، وَلَا يُنَادِيهِمَا بِأَسْمَائِهِمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْتَرِمَهُمَا في مَجْلِسِهِمَا. كَيْفَ لَا يَكُونُ ... المزيد

 08-03-2020
 
 197
06-03-2020 131 مشاهدة
66ـ شكر الله تعالى على ما أنعم (2)

مِنْ فَوَائِدِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ كَمَالُ الإِيمَانِ، وَحُسْنُ الإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ العِبَادَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ المُوصِلُ إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَهُوَ سَبَبٌ في بَرَكَةِ العُمُرِ، ... المزيد

 06-03-2020
 
 131
24-02-2020 153 مشاهدة
65ـ شكر الله تعالى على ما أنعم على الوالدين

عِنْدَمَا سَمِعَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ كَلَامَ النَّمْلَةِ تَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا، قَالَ تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ... المزيد

 24-02-2020
 
 153
16-02-2020 205 مشاهدة
64ـ لنتعلم من نملة سيدنا سليمان عليه السلام

هَذَا سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ يُعَلِّمُنَا وُجُوبَ شُكْرِ اللهِ تعالى عَلَى مَا أَسْبَغَ عَلَيْنَا مِنَ النِّعَمِ، وَعَلَى مَا أَسْبَغَ عَلَى وَالِدِينَا، لِأَنَّ نِعْمَةَ ... المزيد

 16-02-2020
 
 205
09-02-2020 157 مشاهدة
63ـ طاعة الوالدين وإن كانا غائبين

إِنَّ طَاعَةَ الوَالِدَيْنِ لَا تَخْتَصُّ بِحُضُورِهِمَا، بَلْ تَجِبُ حَتَّى وَلَو كَانَا غَائِبَيْنِ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالمُشَاهَدَةِ؛ إِذَا حَضَرَا ـ أَو أَحَدُهُمَا ـ أَطَاعَهُمَا، وَإِذَا غَابَا عَصَاهُمَا، أَو لَمْ يُطِعْهُمَا، ... المزيد

 09-02-2020
 
 157
26-01-2020 244 مشاهدة
61ـ بر الوالدين مقدم على النوافل

مَحَبَّةُ اللهِ تعالى للعَبْدِ في رِضَا وَالِدَيْهِ، وَاللهُ تعالى يَرْضَى عَمَّنْ رَضِيَ عَنْهُ وَالِدَاهُ، وَمَنْ أَرْضَى وَالِدَيْهِ أَرْضَاهُ اللهُ تعالى في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقٌّ قَرَنَهُ اللهُ تعالى بِحَقِّهِ، ... المزيد

 26-01-2020
 
 244

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5224
المقالات 2640
المكتبة الصوتية 4057
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 390688571
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :