6- الحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ

6- الحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ

الحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ

قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ.

فَرَقَدَ بِلَالٌ، وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ.

فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا.

فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: «إِنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ».

فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذلِكَ الْوَادِي.

ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا.

وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ، أَوْ يُقِيمَ.

فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ.

ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا».

ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ، كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ».

ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ أَبَا بَكْرٍ.

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ.

الشَّرْحُ:

زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِمَامٌ، تَابِعِيٌّ، حُجَّةٌ، قُدْوَةٌ، أَبُو عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ، العُمَرِيُّ، المَدَنِيُّ، الفَقِيهُ، حَدَّثَ عَنْ وَالِدِهِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ للعِلْمِ في مَسْجِدِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ أَبُو حَازِمٍ الأَعْرَجُ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا فِي مَجْلِسِ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ أَرْبَعِيْنَ فَقِيْهًا، أَدْنَى خَصلَةٍ فِيْنَا التَّوَاسِي بِمَا فِي أَيْدِيْنَا، وَمَا رَأَيْتُ فِي مَجْلِسِهِ مُتَمَارِيَينِ، وَلَا مُتَنَازِعَيْنِ فِي حَدِيْثٍ لَا يَنْفَعُنَا. /سير أعلام النبلاء.

وَقَالَ: لَا أَرَانِيَ اللهُ يَوْمَ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، إِنَّهُ لَمْ يَبقَ أَحَدٌ أَرْضَى لِدِيْنِي وَنَفْسِي مِنْهُ. /سير أعلام النبلاء.

وَقَالَ البُخَارِيُّ: كَانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ يَجْلِسُ إِلَى زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ.

فَقَالَ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُه فِي دِيْنِه. /سير أعلام النبلاء.

قَوْلُ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي أَنَّ الحَدِيثَ مُرْسَلٌ، وَلَكِنْ جَاءَ هَذَا الحَدِيثُ مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ.

قَوْلُهُ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، بِطَرِيقِ مَكَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا يُذْكَرُ فِيهَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَرَّسَ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ.

وَيَقُولُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِنَّ طَرِيقَ خَيْبَرَ، وَطَرِيقَ مَكَّةَ مِنَ المَدِينَةِ وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ يَعْنِي وَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِصَلَاةِ الفَجْرِ.

قَوْلُهُ: فَرَقَدَ بِلَالٌ، وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ؛ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا يَعْنِي: رَقَدَ بِلَالٌ، وَنَامَ القَوْمُ قَبْلَهُ، وَاسْتَمَرَّ الجَمِيعُ رَاقِدِينَ حَتَّى انْتَبَهُوا مِنْ نَوْمِهِمْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَدْ فَزِعُوا جَمِيعًا أَسَفًا وَحُزْنًا عَلَى فَوَاتِ صَلَاةِ الفَجْرِ التي قَالَ فِيهَا مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: 78].

قَوْلُهُ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذلِكَ الْوَادِي يَعْنِي: أَمَرَهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحِيلِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَادَ، أَيْ: قَادَ بَعِيرَهُ وَسَارَ وَهُوَ يَجُرُّ حَبْلَ بَعِيرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَكِبَ بَعِيرَهُ.

وَكَأَنَّ الأَمْرَ بِالرُّكُوبِ كَانَ للاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ للإِلْزَامِ، المُهِمُّ أَنْ يَرْحَلُوا مِنْ هَذَا الوَادِي وَيَخْرُجُوا مِنْهُ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ» بَيَّنَ لَهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ العِلَّةَ في الارْتِحَالِ مِنْ هَذَا الوَادِي.

وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مسلم قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَـضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ».

فَقَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عِلَّةَ الارْتِحَالِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الوَحِيدُ الذي عَلِمَ هَذَا.

وَأَمَرَهُمْ بِالارْتِحَالِ مِنْ أَجْلِ النَّشَاطِ قَبْلَ العِبَادَةِ، وَتَحَوُّلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَاكَ المَكَانِ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّشَاؤُمِ، لِأَنَّ التَّشَاؤُمَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، روى الإمام أحمد في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَرْضًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا رُئِيَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنَ الاسْمِ رُئِيَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ».

فَالتَّشَاؤُمُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ» رواه البزار عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا مِنَّا إِلَّا) هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ جَهَابِذَةُ المُحَدِّثِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَهِمَ أَنَّ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ: (وَمَا مِنَّا إِلَّا) وَيَقَعَ في الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، كَمَا أَنَّ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ لَا يُذْهِبُهُ اللهُ تعالى بِالتَّوَكُّلِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ، فَقَوْلُهُ: (وَمَا مِنَّا إِلَّا) يَعْنِي: لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ أَنْ يَقَعَ في ذِهْنِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَلِكَنَّ المُسْلِمَ يَصْرِفُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تعالى، فَيَزُولُ بِذَلِكَ مَا يَنْقَدِحُ في ذِهْنِهِ مِنَ الشَّيْءِ الذي لَا يُرِيدُهُ وَيُبْغِضُهُ، وَذَلِكَ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ تعالى وَتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ.

فَسَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مِنَ التَّشَاؤُمِ، فَكَيْفَ ـ وَحَاشَاهُ ـ يَتَشَاءَمُ؟

وَلَكِنَّهُ تَحَوَّلَ عَنْهُ، وَبَيَّنَ سَبَبَ التَّحَوُّلِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ». وَهَذَا العِلْمُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ مِنْ حُضُورِ الشَّيَاطِينِ بِالمَوَاضِعِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الوَادِيَ لَمْ يَحْضُـرْهُ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ إِلَّا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

قَوْلُهُ: فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذلِكَ الْوَادِي غَيْرَ بَعِيدٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ في حُكْمِ التَّحَوُّلِ مِنْ أَمَاكِنِ الغَفْلَةِ اسْتِنَادًا لِهَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا خَاصٌّ في هَذِهِ الوَاقِعَةِ، لِأَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ أَنَّهُ حَضَرَهُمُ الشَّيْطَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا في حَقِّ مَنْ أَصَابَتْهُ الغَفْلَةُ بِشَكْلٍ عَامٍّ.

روى أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ».

وفي رِوَايَةٍ للترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ».

وفي رِوَايَةٍ للبَيْهَقِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى مَقْعَدِ صَاحِبِهِ وَيَتَحَوَّلُ صَاحِبُهُ إِلَى مَقْعَدِهِ».

قَوْلُهُ: ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا؛ وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ، أَوْ يُقِيمَ؛ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ يَعْنِي بَعْدَ ارْتِحَالِهِمْ عَنِ المَكَانِ قَلِيلًا، أَمَرَهُمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ، كَمَا جَاءَ في سُنَنِ أَبي داود: ثُمَّ أَمَر بِلَالًا فَأَذَّنَ.

ثُمَّ أَمَرَهُ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الفَجْرِ بِالإِقَامَةِ، لِأَنَّ سُنَّةَ الفَجْرِ تُقْضَى إِذَا فَاتَتْ مَعَ صَلَاةِ الفَجْرِ، لِأَنَّ القَضَاءَ يَحْكِي الأَدَاءَ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الفَجْرِ قَضَاءً، لَا أَدَاءً، لِأَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ.

وَبَعْدَ قَضَاءِ الصَّلَاةِ، الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُؤَانِسًا لَهُمْ لِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الفَزَعِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هذَا» يَعْنِي: لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ في الذي حَصَلَ بَعْدَ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، أَوَلَيْسَ هُوَ القَائِلَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ المَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ»؟ رواه الترمذي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، كَمَا آنَسَهُمْ قَبْلَ الارْتِحَالِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: «لاَ ضَيْرَ ـ أَوْ لَا يَضِيرُ ـ ارْتَحِلُوا» رواه الإمام البخاري.

وَلِأَبِي نُعَيْمٍ في المُسْتَخْرَجِ: «لَا يَسُوءُ وَلَا يَضِيرُ» / كذا في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ.

وَفي رِوَايَةِ الإِمام مسلم: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ.

قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ».

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا».

قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: ظَاهِرُ الحَدِيثِ يُوجِبُ إِعَادَةَ المَقْضِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، عِنْدَ الانْتِبَاهِ، وَعِنْدَ حُضُورِ وَقْتِهَا مِنَ الغَدِ، وَلَكِنَّ لَفْظَ الحَدِيثِ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا». أَيْ: الصَّلَاةَ التي تَحْضُرُ، لَا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ التي صَلَّاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا.

وَلَكِنْ وَرَدَ في سُنَنِ أَبي دَاود قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنَّا نَحْمَدُ اللهَ أَنَّا لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا عَنْ صَلَاتِنَا وَلَكِنَّ أَرْوَاحَنَا كَانَتْ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَهَا أَنَّى شَاءَ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا».

هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَدْ حَكَمَ البَيْهَقِيُّ عَلَى رَاوِيهَا بِالوَهْمِ.

وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: بَلْ عَدُّوا الحَدِيثَ غَلَطًا مِنْ رَاوِيهِ، وَحَكَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ البُخَارِيِّ.

وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رواه الإمام أحمد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنَا، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَقُومُ دَهِشًا إِلَى طَهُورِهِ.

قَالَ: فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْكُنُوا، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّيْنَا؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا مِنَ الْغَدِ؟

قَالَ: «أَيَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ؟».

وَيَقُولُ الإِمَامُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البَارِي: قَالَ الخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِظَاهِرِهِ وُجُوبًا، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ فِيهِ للاسْتِحْبَابِ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الوَقْتِ في القَضَاءِ.

وَيَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا» أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فَقَضَاهَا لَا يَتَغَيَّرُ وَقْتُهَا وَيَتَحَوَّلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ، وَيَتَحَوَّلُ وَقْتُهَا الذي قُضِيَتْ فِيهِ إلى وَقْتِهَا الأَصْلِيِّ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي الْفَائِتَةَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً فِي الْحَالِ، وَمَرَّةً فِي الْغَدِ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا» هُوَ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42].

وَجَاءَ في رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ في الأَوْسَطِ: «ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْنَا فَصَلَّيْنَا»

وَفي رِوَايَةِ البَزَّارِ: «إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ عَارِيَّةٌ فِي أَجْسَادِ الْعِبَادِ، يَقْبِضُهَا وَيُرْسِلُهَا إِذَا شَاءَ».

قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هذَا» يَعْنِي: لَو شَاءَ اللهُ تعالى أَنْ يَرُدَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ أَو بَعْدَهُ لَرَدَّهَا، وَلَكِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.

يَقُولُ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: فِي كُلِّ جَسَدٍ رُوحَانِ: رُوحُ الْيَقَظَةِ الَّتِي أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ كَانَ الْإِنْسَانُ مُسْتَيْقِظًا، فَإِذَا نَامَ خَرَجَتْ مِنْهُ وَرَأَتِ الرُّوحُ الْمَنَامَاتِ، وَرُوحُ الْحَيَاةِ الَّتِي أَجْرَى اللهُ الْعَادَةَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ حَيٌّ، فَإِذَا فَارَقَتْهُ مَاتَ، فَإِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ حَيِيَ، وَهَاتَانِ الرُّوحَانِ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ لَا يَعْلَمُ مَقَرَّهُمَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ فَهُمَا كَجَنِينَيْنِ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَفي رِوَايَةِ الإمام أحمد، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا تَنَامُوا عَنْهَا، لَمْ تَنَامُوا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونُوا لِمَنْ بَعْدَكُمْ، فَهَكَذَا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ».

وَيَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. رواه الإمام البخاري.

وَجَاءَ في مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا يَسُرُّنِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ـ يَعْنِي لِلرُّخْصَةِ ـ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى.

وَجَاءَ في المَطَالِبِ العَالِيَةِ: قَالَ مَسْرُوقٌ: وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا» فِيهِ تَأْكِيدٌ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ التي فَاتَتْ بِسَبَبِ النَّوْمِ أَو النِّسْيَانِ، وَلِيَرْفَعَ بِذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِسُقُوطِ القَضَاءِ عَمَّنْ نَسِيَ أَو نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ المَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ»؟ رواه الترمذي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رواه ابن ماجه عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ النَّوْمِ أَو النِّسْيَانِ، بَلْ يُفْهَمُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ القَضَاءِ.

وَإِذَا كَانَ هَذَا في حَقِّ النَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا في حَقِّ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا، المُقِرِّ بِفَرْضِيَّتِهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) يَعْنِي: الْتَفَتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إلى الصِّدِّيقِ الأَكْبَرِ خَلِيفَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْقِيقِ وَبِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ؛ الْتَفَتَ إلى المُقَدَّمِ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ بِدُونِ مُنَازِعٍ، إلى أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ، إلى خَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ.

الْتَفَتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إلى مَنْ كَانَ يَحْلِفُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ اسْمَهُ مِنَ السَّمَاءِ: الصِّدِّيقَ.

الْتَفَتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إلى العَتِيقِ الرَّفِيقِ، الذي لَمْ يُفَارِقْ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لَا قَبْلَ نُبُوَّتِهِ، وَلَا بَعْدَ نُبُوَّتِهِ.

الْتَفَتَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إلى مَنْ لَهُ، وَلِأَبَوَيْهِ، وَلِوَلَدِهِ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ صُحْبَةٌ.

فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ، كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ».

قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ أَبَا بَكْرٍ) يَعْنِي: دَعَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا بَعْدَ قَضَاءِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الذي حَصَلَ مَعَهُ.

وَفي ذَلِكَ إِينَاسٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِسَيِّدِنَا بِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ بِمَا قَالَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَقَالَ الصِّدِّيقُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ـ لِمَا شَاهَدَ مِنَ المُعْجِزَةِ البَاهِرَةِ.

يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:

وُجُوبُ أَخْذِ الاحْتِيَاطَاتِ مِنْ أَجْلِ الطَّاعَاتِ حَتَّى لَا تَفُوتَنَا، وَخَاصَّةً صَلَاةَ الفَجْرِ، فَهَذَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ سَيِّدَنَا بِلَالًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يُوقِظَهُمْ لِصَلَاةِ الفَجْرِ، بِسَبَبِ الجَهْدِ الذي لَحِقَهُمْ.

هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَبَّهَ إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَخَاصَّةً إِذَا طَالَ سَهَرُنَا بِسَبَبٍ أَو بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَجْلِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَهَلْ نَأْخُذُ بِالأَسْبَابِ مِنْ أَجْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ المَشْهُودَةِ؟

كَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، الارْتِحَالُ عَنْ مَكَانِ الغَفْلَةِ، يَقُولُ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ العُلَمَاءِ، فَقَالَ: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ في حَضَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَلْيَخْرُجْ مِنْهُ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ كَذَلِكَ، أَنَّهُ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ في مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ، اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ؛ وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ في سَمَاعِ الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانٍ إلى مَكَانٍ آخَرَ.

كَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، أَنَّ القَضَاءَ لَا يُصَلَّى في الأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَ الاسْتِوَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةَ يَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الـشَّرِيفِ الذي رواه الإمام مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: «حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ».

كَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، سَعَةُ أَخْلَاقِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمَدَى رَحْمَتِهِ بِأَصْحَابِهِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُ مَا كَانَ يُعَنِّفُ أَحَدًا عَلَى أَمْرٍ حَصَلَ مِنْهُ، بَلْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُرْشِدًا لَهُمْ وَنَاصِحًا بِأُسْلُوبٍ حَكِيمٍ مِنْ قَلْبٍ رَؤُوفٍ رَحِيمٍ. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

**    **    **

تاريخ الدرس:

السبت: 12/رجب /1441هـ، الموافق: 7/آذار / 2020م

 2020-03-06
 1910
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  شرح كتاب الموطأ

06-03-2020 1336 مشاهدة
5ـ النوم عن الصلاة

حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ». وَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ؛ وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَسْنَدَ إِلَى ... المزيد

 06-03-2020
 
 1336
16-02-2020 1961 مشاهدة
4ـ مَا جَاءَ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ

مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ العِلْمُ بِدُخُولِ الوَقْتِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: 78]. وَلِقَوْلِهِ صَلَّى ... المزيد

 16-02-2020
 
 1961
16-02-2020 1165 مشاهدة
3ـ بَابُ وَقْتِ الجُمُعَةِ

مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الجُمُعَةِ وَوُجُوبِهَا مَعاً دُخُولُ وَقْتِهَا، وَوَقْتُ الجُمُعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الفُقَهَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وَالمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا ... المزيد

 16-02-2020
 
 1165
31-01-2020 1588 مشاهدة
2ـ وُقُوتُ الصَّلَاةِ (2)

قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وعَنِ الْأَعْرَجِ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ... المزيد

 31-01-2020
 
 1588
31-01-2020 1161 مشاهدة
1ـ كِتَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ

وُقُوتُ الصَّلَاةِ، وَمَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتُ الصَّلَاةِ، كُلُّهَا بِمَعْنَىً وَاحِدٍ، يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابَاً مَوْقُوتَاً﴾ [النساء: 103] يَعْنِي: مُؤَقَّتَاً، وَقَّتَهُ اللهُ تعالى ... المزيد

 31-01-2020
 
 1161
19-01-2020 8183 مشاهدة
ت ـ مزايا كتاب الموطأ

كِتَابُ المُوَطَّأِ للإِمَامِ الهُمَامِ حُجَّةِ الإِسْلَامِ سَيِّدِي مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كِتَابٌ لَا مَثِيلَ لَهُ في الفِقْهِ، هَذَا الكِتَابُ المُبَارَكُ جَاءَ فَضْلُهُ بِبَرَكَةِ حَدِيثِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى ... المزيد

 19-01-2020
 
 8183

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5613
المقالات 3170
المكتبة الصوتية 4807
الكتب والمؤلفات 20
الزوار 416158758
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2024 
برمجة وتطوير :