54ـ نحو أسرة مسلمة: بعد المحنة تأتي المنحة من الله تعالى

54ـ نحو أسرة مسلمة: بعد المحنة تأتي المنحة من الله تعالى

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

مقدمة الدرس:

فها هي ذكرى الإسراء والمعراج تعود إلينا، وكلَّما أطلَّ علينا شهر رجب المحرَّم، وقربت ليلة السابع والعشرين منه تحركت المشاعر نحو هذه الذكرى العظيمة المباركة، ذكرى الإسراء والمعراج لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ثبتت بنص القرآن العظيم، وذلك بقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير}. وهذا يثبت حدث الإسراء، وبقوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}. وهذا يثبت حدث المعراج.

وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله:

والله تعالى يأمر سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ}. لأن الذكرى تنفع المؤمنين، ومن أيام الله بالنسبة لنا التي يجب علينا أن نتذكرها يوم الإسراء والمعراج، لأنه في مثل هذه الذكريات ومثل هذه الأيام يجدد الإنسان إيمانه، ويجدد صلته بنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويصحِّح سيره وسلوكه إلى الله تعالى، ويشحذ عقيدته السليمة الصحيحة لتزداد صلابة وقوة ومتانة، يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}. فإذا ما تليت علينا آيات الإسراء والمعراج زادتنا إيماناً بإذن الله تعالى، هذا إذا وقفنا معها وقفة العبد المتدِّبر المتأمِّل فيها، وقِسنا حالنا عليها.

من وراء المنحة محنة:

بداية يجب علينا أن نأخذ قاعدة نسير عليها في حياتنا، ألا وهي: من وراء المنحة محنة، ومن وراء المحنة منحة، فإذا ما جاءت منحة من الله تعالى فاعلم بأن من ورائها محنة، فهل تدوم على شكرك لله عز وجل في أيام المحن على ما أسبغ الله عليك من منح، أم أنك لا قدَّر الله تعرض عن الله عز وجل؟ وإذا ما جاءت أيام المحن فهل تكون صابراً لأنك تعيش في أمل كبير لما تحمل لك هذه المحن من منح عاجلة بإذن الله تعالى، أم تدخل في حالة اليأس والقنوط؟

فالإنسان المؤمن يروِّض نفسه على هذه القاعدة، كل منحة وراءها محنة، وكل محنة وراءها منحة، وهكذا تتقلب في الحياة الدنيا، من منحة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة حتى تلقى الله عز وجل، وأنت بين الشكر والصبر تتقلب، وعندها ينطبق عليك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم.

هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي:

ومما يؤكد لنا أن وراء كل منحة محنة واختبار، قول سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام، عندما قال لقومه: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِين * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِين * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.

هكذا يجب على الإنسان المؤمن أن يكون موطِّناً نفسه على هذا، فإذا رأى نعمة الله تعالى عليه فليعلم بأن النعمة منحة من الله تعالى، وهي اختبار له، هل يكون شاكراً لله عز وجل على ذلك، أم أنه يكفر بهذه النعمة حيث ينسبها لنفسه وينسى مولاه عز وجل؟ كما قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}. ونحن نرى الكثير ممن يكتب هذه الآية الكريمة على باب بيته أو مزرعته، أو محله {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي}. دون أن يتمِّمها، وإن فتشنا عن السبب، وجدنا السبب في ذلك هو غفلتنا عن هذه الحقيقة، من وراء كل منحة محنة، فالله عز وجل ما خلقنا لنتقلب في النعم بدون اختبار وابتلاء، بل خلقنا للاختبار والابتلاء، كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور}. وقال:{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون}.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا في ذلك:

وهذه القاعدة: (بعد المنحة محنة وبعد المحنة منحة) مجسَّدة لنا في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الحبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جاءته منحة بل أعظم منحة كانت له، ألا وهي منحة النبوة والرسالة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبَّد الله عز وجل الليالي ذوات العدد في غار حراء، وفي ليلة من الليالي جاءه أمين وحي السماء سيدنا جبريل عليه السلام، فَقَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.

وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية إلى سيدتنا وأمنا السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها قائلاً لها: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلا أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْدَّهر).

وبعد أن سكن فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم أخذته السيدة خديجة رضي الله عنها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وقص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى عليه السلام، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) رواه البخاري.

منحة عظيمة جاءته من ربنا عز وجل، كان من ورائها محنة، وأول هذه المحن عندما نزل عليه قول الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين}. صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} رواه البخاري.

تصوَّرْ شدَّة الإيذاء لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين عندهم، وهذا ما عرفوه عنه صلى الله عليه وسلم حيث ما كانت نبوة ولا رسالة أتته بعد، ولكن كان بوفور عقله صلى الله عليه وسلم يأتي المعروف ويدع المنكر، وما دنَّس شبابه وحاشاه أن يدنِّس شبابه بمعصية من المعاصي، فما بالنا اليوم والشرع قد وصل إلينا ولله الحمد على طبق من ذهب؟

وعندما كانت المنحة عظيمة اشتد بلاؤه واشتدت عليه المحن وتوالت بعد قول عمه أبي لهب إلى يوم الطائف، والذي كان مقدمة لمنحة الإسراء والمعراج، حيث كان يوم الطائف أشد ما أتى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ).

ما هو يوم الطائف؟

جاء في عيون الأثر وسبل الهدى والرشاد: (ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنال منه في حياته، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وحده ماشياً، ـ وفي رواية أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان معه ـ يلتمس النصر من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى).

المسافة بين مكة والطائف حوالي ثمانين كيلو متراً قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأقدام الشريفة، من أجل أن يُبَلِّغ رسالة الله عز وجل عندما رفض أهل مكة هذا، لأن الله عز وجل قال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين}.

هذا أمر الله عز وجل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله بتبليغ الرسالة وتنقل من مكان إلى مكان لأداء ما كلَّفه الله تعالى به.

بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً:

ونحن كلَّفَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) رواه البخاري، فهل أنت لك الأسوة في التبليغ لخلق الله عز وجل؟ وأقل ما يمكن أن تفعله أنت أنْ تُبَلِّغ أهلك الذين أنت مسؤول عنهم يوم القيامة، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري.

وتقصير الكثير واضح، فأكثر الرجال يقضون جلَّ وقتهم خارج بيوتهم، ولا يعود أحدهم إلى البيت إلا عند حاجته إلى طعامه وشرابه، أو عند حاجته لأهله، أو عند حاجته للراحة، فالسهر بعد العشاء ديدن أكثر الشباب، وهذا السهر هو السبب الأكبر في وجود الخلافات الزوجية، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره نوم العشاء والسهر بعده، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) رواه البخاري. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا سَمَرَ إِلا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ) رواه الترمذي.

رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سادة ثقيف:

(فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلَّمهم بما جاء به من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه.

فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك!

وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك.

وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف.

وقد قال لهم: إذ فعلتم فاكتموا علي.

وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه.

فأقام بالطائف عشرة أيام وقيل شهراً لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاء إليه وكلَّمه، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم منه فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا.

وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبُّونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.

قال ابن عقبة: وقفوا له صفين على طريقه، فلما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه).

انظر إلى شدة هذه المحن بعد تلك المنحة من الله تعالى، وانظر كيف طال أمد المحنة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صابر على المحن بعد تلك المنح، وما تشعر منه صلى الله عليه وسلم إلا الرضا عن الله عز وجل.

أما أحدنا إذا ما عرضت له بعضُ المحن بعد المنح فإذا به يضجر ويتأفَّف ويتبرَّم، وربما أن يقصِّر في أداء ما أوجبه الله عز وجل عليه، وهذه طامة كبرى.

موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المحنة:

عندما اشتد البلاء على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف بعد المنحة العظمى له من الله تعالى، ما كان موقفه صلى الله عليه وسلم من هذه المحنة؟ لقد كان موقفه الالتجاءَ إلى الله تعالى والتوسل إليه بالدعاء بعد الصلاة، ليتحقَّق بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}. وبقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً أن لا يكون هذا الابتلاء عنواناً على سخط الله عز وجل عليه صلى الله عليه وسلم.

لقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما انصرف عن أهل الطائف أتى إلى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تُنزل بي غضبَك، أو تُحِل عليَّ سخطَك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه الطبراني.

انظروا إلى دقَّة عبارة النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي) المهم ألا تكون هذه المحنة من سخط الله تعالى، وهو يرجوه تعالى العفو والعافية.

بعد المحنة منحة:

بعد هذا الدعاء الصادر من قلب منكسر إلى الله تعالى، جاء سيدنا جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، كما جاء في الحديث: (فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري ومسلم.

هذه هي رحمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمة، وخاصة بعد أن علم بأن هذه المحنة ليست بسبب سخط الله تعالى، فأين هذه الرحمة بيننا؟ وأين نحن من هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سيرته العطرة؟ هذه فائدة مهمة يجب أن نخرج بها، لأن المِحن تُظهر معادن الرجال عما تحتويه قلوبهم. هذه المنحة الأولى.

أما الثانية: أن تُقَبَّل تلك الأقدام التي أُدميت في سبيل الله عز وجل، كما جاء في كتب السير:

(فلما رآه ابنا ربيعة وما لقي تحرَّكت له رَحِمُهما، فدعوا غلاماً لهما يقال له: عداس، فقالا له: خذ هذا القِطف من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له: يأكل منه.

ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كل.

فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله.

ثم أكل، فنظر عدَّاس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصراني وأنا من أهل نينوى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس ابن متى.

قال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ والله لقد خرجت منها وما فيها عشرة ـ يعني من أهل نينوى ـ يعرفون ما يونس بن متى، فمن أين عرفت أنت يونس بن متى وأنت أمِّيٌّ وفي أمَّة أميَّة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي.

فأكبَّ عدَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه ويديه وقدميه، فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك.

فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي.

قال: ويحك يا عدَّاس لا يصرفنَّك عن دينك فإنَّ دينَك خيرٌ من دينه.

وقال عداس لسيديه لما أرادا الخروج إلى بدر وأمراه بالخروج معهما فقال لهما: قتالَ ذلك الرجل الذي رأيت في حائطكما تريدان؟ فوالله ما تقوم له الجبال.

فقالا: ويحك يا عداس قد سحرك بلسانه.

فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة).

عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة:

وَأَقَامَ بِنَخْلَةَ أَيّامًا فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَخْرَجُوك؟ يَعْنِي قُرَيْشًا فَقَالَ: يَا زَيْدُ إنّ اللّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرْجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنّ اللّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيّهُ.

ثُمّ انْتَهَى إلَى مَكّةَ فَأَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ خُزَاعَةَ إلَى مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ أَدخل فِي جِوَارِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَدَعَا بَنِيهِ وَقَوْمَهُ فَقَالَ: الْبِسُوا السّلاحَ وَكُونُوا عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ فَإِنّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمّدًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحِرَامِ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمّدًا فَلا يَهْجُهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الرّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وَانْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ وَوَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسّلاحِ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ. زاد المعاد.

بعد هذه المِحَن الشديدة القاسية، جاءت المنح، المنحة الأولى سيدنا جبريل ومعه ملك الجبال، والمنحة الثانية عداس وتقبيله لرأس سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه، والمنحة العظمى حادثة الإسراء والمعراج.

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

فذكرى الإسراء والمعراج يجب أن تولِّد في نفوسنا الثقة واليقين بالله عز وجل، بأن من وراء المِحَن مِنَحاً، فنسأل الله تعالى الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، وأن نستغلَّ المِنَح في طاعة الله عز وجل ومرضاته، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

**     **     **

 

 2009-07-15
 3783
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3464 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3464
21-01-2018 4229 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4229
14-01-2018 3088 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3088
08-01-2018 3416 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3416
31-12-2017 3500 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3500
24-12-2017 3169 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3169

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5542
المقالات 3010
المكتبة الصوتية 4364
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406951753
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :