23ـ أخلاق وآداب: حتى تكون تاجراً رابحاً دنيا وأخرى

23ـ أخلاق وآداب: حتى تكون تاجراً رابحاً دنيا وأخرى

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمما لا شكَّ فيه أن بعض تجارنا اليوم ضعُفَ عندهم الوازع الديني، وأعماهم حبُّ الدينار والدرهم، وكاد البعض أن يصل إلى درجة غير محمودة، حيث قال عنهم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ) رواه البخاري.

هذا الصنف من التجار أعماهم حبُّ الدنيا وجمع المال عن الآخرة التي إليها مآبهم، وأنساهم الحقيقةَ التي لا ريبَ فيها، وهي: (عش ما شئت فإنَّك ميِّت، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، وأحببْ مَنْ شئت فإنَّك مُفارقه، واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس) رواه الحاكم والطبراني.

نسي هؤلاء أنَّ مفارقتهم للمال محقَّقة، إما أن يفارقهم المال وهم أحياء، وأن أن يفارقوا المال بالموت، وينطبق عليهم الحديث الشريف: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ) رواه البخاري ومسلم.

ولا غرابة في هذا؛ لأنهم قدَّموا حبَّ المال والدنيا على حبِّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، مع أنَّ الله تعالى حذَّرهم من ذلك بقوله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين}.

ولكن من منطلق حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) رواه مسلم، أقول للإخوة التجار جميعاً:

أولاً: يجب عليك أن تتعلَّم أحكام البيع والشراء قبل الخوض في التجارة؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يطوف بالأسواق ويضرب بعض التجار بالدرَّة، ويقول: (لا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية: (وإلا أكل الربا شاء أم أبى).

ثانياً: يجب عليك الابتعاد عن الشُّبُهات فضلاً عن الحرام، وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ) رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إِنَّهُ لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن.

ثالثاً: التزم الصدق والأمانة في البيع والشراء، وتذكر حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) رواه البخاري ومسلم، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

رابعاً: إياك والغشَّ في بيعك وشرائك، واعلم بأنَّ الله تعالى مطَّلع عليك، وتذكَّر حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما (مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) رواه مسلم.

فعامل الطرف الآخر كما تحبُّ أن يعاملك، وأنت تتذكر حديث الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري ومسلم.

خامساً: احذر كتم العيب في المبيع أو الثمن، وتذكَّر حديثَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلا بَيَّنَهُ لَهُ) رواه ابن ماجه.

وعن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع، فلما خرجت بها أدركني واثلة وهو يجرُّ إزاره، فقال: يا عبد الله اشتريت؟ قلت: نعم، قال: بيَّن لك ما فيها؟ قلت: وما فيها، إنها لسمينة ظاهرة الصحة؟ قال: أردتَ بها سفراً أو أردتَ بها لحماً؟ قلت: أردتُ بها الحج. قال: فارتجعها. فقال صاحبها: ما أردت إلا هذا أصلحك الله تفسد علي. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «لا يحلُّ لأحد أن يبيع شيئاً إلا بيَّن ما فيه، ولا يحلُّ لمن علم ذلك إلا بيَّنه»  رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.

سادساً: لا تكن ممن ألهته التجارة عن ذكر الله تعالى وإقام الصلاة، وتذكَّر قول الله تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب}.

وأخيراً:

أخي التاجر! اعلم بأنَّ الدينارَ والدرهمَ وسيلةٌ وليس بغاية، فغاية المسلم أن يرضى عنه مولاه، فكن حريصاً أن تكون تاجراً صادقاً، لتكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً.

اللهم اجعلنا منهم. آمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**      **      **

تاريخ المقال:

يوم الجمعة 1 / 5 / 1433هـ ، الموافق: 23 / 3 / 2012م 

 2012-03-23
 45363
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

14-01-2015 3919 مشاهدة
36ـ أخلاق وآداب: (12) أدباً من آداب في الطعام

فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابَاً عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ: ... المزيد

 14-01-2015
 
 3919
06-01-2014 24702 مشاهدة
35ـ أخلاق وآداب: بعض الأدعية النبوية (2)

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِب الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ ... المزيد

 06-01-2014
 
 24702
29-11-2013 24146 مشاهدة
34ـ آداب وأخلاق: بعض الأدعية النبوية (1)

أولاً: أدعِيَةٌ للمِهمومِ والمَكروبِ والمَحزونِ: ... المزيد

 29-11-2013
 
 24146
19-11-2013 26550 مشاهدة
33ـ آداب وأخلاق: مصيبة المصائب مع دعاة الإصلاح

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 19-11-2013
 
 26550
08-11-2013 25672 مشاهدة
32ـ آداب وأخلاق: عليك بالإيمان والتوبة وصنع المعروف

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 08-11-2013
 
 25672
07-09-2013 29848 مشاهدة
31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ ... المزيد

 07-09-2013
 
 29848

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5010
المقالات 2271
المكتبة الصوتية 4001
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385478424
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :