21ـ أخلاق وآداب: الذنوب سم قاتل للإنسان

21ـ أخلاق وآداب: الذنوب سم قاتل للإنسان

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال: (من أعان ظالماً بباطل ليدحض بباطله حقاً، فقد برئ من ذمَّة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، ومن مشى إلى سلطان الله في الأرض ليذلَّه أذلَّ الله رقبته، مع ما يدَّخر له من الخزي يوم القيامة، وسلطان الله في الأرض كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، ومن ولي ولياً من المسلمين شيئاً من أمور المسلمين، وهو يعلم أنَّ في المسلمين مَنْ هو خيرٌ للمسلمين منه، وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، فقد خان الله ورسوله، وخان جماعة المسلمين، ومن ولي شيئاً من أمور المسلمين لم ينظر الله له في شيء من أموره حتى يقوم بأمورهم ويقضي حوائجهم، ومن أكل درهماً من رباً فهو كآثم ستة وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به).

وروى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: (ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللهُ لَكُمْ، وَيْلٌ لأَقْمَاعِ القَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

ويقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: الإصرار على الذنوب يجعل صغيرها كبيراً في الحكم والإثم، فما الظنُّ بالإصرار على كبيرها؟

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:

اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب:

منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فكبيرةٌ واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها، لو تصور ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها، ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على تَوالٍ فتؤثر فيه، وذلك القَدْر من الماء لو صُبَّ عليه دفعة واحدة لم يؤثر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الأعمالِ أَدْوَمُها وإنْ قلَّ) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، والأشياء تستبان بأضدادها، وإن كان النافع من العمل هو الدائم وإن قلَّ، فالكثير المنصرم قليل النفع في تنوير القلب وتطهيره، فكذلك القليل من السيئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب، إلا أن الكبيرة قلما يُتصوَّر الهجوم عليها بغتة من غير سوابق ولواحق من جملة الصغائر، فقلما يزني الزاني بغتة من غير مراودة ومقدمات، وقلما يقتل بغتة من غير مشاحنة سابقة ومعاداة، فكلُّ كبيرة تكتنفها صغائر سابقة ولاحقة، ولو تُصوِّرَتْ كبيرة وحدها بغتة، ولم يتفق إليها عود، ربما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واظب الإنسان عليها عمره.

ومنها: أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صَغُرَ عند الله تعالى، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدَّة تأثُّره به، واستصغاره يصدر عن الألف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب.

ويقول أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: لا ينبغي أن يغترَّ مُسامُحٌ، فالجزاء قد يتأخر، ومن أقبح الذنوب التي قد أُعد لها الجزاء العظيم الإصرار على الذنب.

ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى في المصرين: يعلمون أنَّ من تاب تاب الله عليه ثم لا يستغفرون.

وقال بعض الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.

ويقول قتادة رحمه الله تعالى: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرُّون الماضون قُدُماً، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك.

أيها الإخوة الكرام:

الذنوب سمٌّ قاتل، ونار محرقة، وهي الخطر المحيط بالإنسان، ويجب على المسلم أن يحذر الذنب ولو كان صغيراً، إن الله تعالى لم يسامح آدم عليه السلام ـ وآدم الله خلقه الله جل وعلا بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه الأسماء كلَّها ـ لم يسامحه الله تعالى في لقمة أكلها من شجرة، وأخرجه بها من الجنة، ثم تاب عليه بعد قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِين} [الأعراف: 23].

ورحم الله من قال:

يا ناظراً يرنو بعينَي راقب *** ومشاهداً للأمر غير مشاهد

تصل الذنوبَ إلى الذنوبِ وترتجي *** نيلَ الجنانِ ودرك فوز العابد

أنسيت أن الله أخرج آدم *** منها إلى الدنيا بذنب واحد؟!

ولم يسامح الله تعالى سيدَنا نوحاً عليه السلام ـ وهو من أولي العزم من الرسل ـ في كلمة واحدة، عندما أراد أن يشفع لابنه الكافر {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِين}، فكان الردُّ من الله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِين * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِين} [هود: 45ـ47].

نصيحتي لنفسي ولكلِّ مؤمن:

لا تنظر إلى صِغَر الذنب، ولكن انظر إلى عظمة الرب، وتذكَّر قول الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} [الزمر: 13]. عصيان الله في الصغيرة كما هو عصيان في الكبيرة.

لقد تساهلنا في المعاصي، من النظر إلى النساء على شاشات التلفاز، ويقال: هذه مذيعة يجوز النظر إليها، وهذه مسرحية نتعلَّم منها، وهذه وهذه...

الذنوب صغيرها وكبيرها كلُّها سموم، ومن استهان بالصغيرة سهلت عليه الكبيرة، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، احتقار المذنب لا يجوز شرعاً ـ بل نحتقر عمله ـ قال تعالى عن سيدنا لوط عليه السلام: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِين} [الشعراء: 168].

يا عباد الله:

المذنب قد يكون ناسياً، وقد يكون غافلاً، وقد يكون جاهلاً، وحتى المتعمِّد فتعمُّده جهل بعظمة الله وقدرته، الواجب علينا بغض العمل ونُصح العامل، وأن نحذر الاستكبار والاستعلاء واحتقار المذنبين، وتذكروا هذا الحديث الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ: (لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ) رواه البخاري. وفي رواية للبخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ: (لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

نسأل الله تعالى أن يرزقنا توبةً صادقة، وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، مع كمال الإخلاص لله فيما نفعل ونذر ونقول. آمين.

أخوكم أحمد النعسان

يرجوكم دعوة صالحة

**      **      **

تاريخ المقال:

1 / ربيع الأول / 1433هـ ، الموافق 24 / كانون الثاني / 2012م

 2012-01-24
 35301
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

14-01-2015 3917 مشاهدة
36ـ أخلاق وآداب: (12) أدباً من آداب في الطعام

فإنَّ كَمَالَ هَدْيِ سَيِّدِنا رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أنْ عَلَّمَنَا آدَابَاً عِندَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، من هذهِ الآدَابِ: ... المزيد

 14-01-2015
 
 3917
06-01-2014 24700 مشاهدة
35ـ أخلاق وآداب: بعض الأدعية النبوية (2)

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِب الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ ... المزيد

 06-01-2014
 
 24700
29-11-2013 24146 مشاهدة
34ـ آداب وأخلاق: بعض الأدعية النبوية (1)

أولاً: أدعِيَةٌ للمِهمومِ والمَكروبِ والمَحزونِ: ... المزيد

 29-11-2013
 
 24146
19-11-2013 26550 مشاهدة
33ـ آداب وأخلاق: مصيبة المصائب مع دعاة الإصلاح

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 19-11-2013
 
 26550
08-11-2013 25671 مشاهدة
32ـ آداب وأخلاق: عليك بالإيمان والتوبة وصنع المعروف

النَّاظِرُ في مُجرَياتِ الأحداثِ، والمُطَّلِعُ على وَقائِعِ الأُمورِ، والمُتابِعُ لما يَدورُ في السَّاحَةِ اليَومَ، يَجِدُ أنَّ الأمرَ جَلَلٌ، والخَطبَ عَظيمٌ، وقد أدَّى إلى واقِعٍ أليمٍ ومَريرٍ. ... المزيد

 08-11-2013
 
 25671
07-09-2013 29847 مشاهدة
31ـ أخلاق وآداب: لذهاب الغل والشحناء

من صِفاتِ المؤمنينَ الذينَ جاؤوا من بَعدِ المهاجِرينَ والأنصارِ، أنَّهُم لا يَحمِلونَ الغِلَّ في صُدورِهِم على أحَدٍ من خَلقِ الله تعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ ... المزيد

 07-09-2013
 
 29847

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5010
المقالات 2270
المكتبة الصوتية 4000
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 385469300
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :