31ـ نحو أسرة مسلمة: الحيوان يغار على عقيدة التوحيد, فكيف بالمسلم؟

31ـ نحو أسرة مسلمة: الحيوان يغار على عقيدة التوحيد, فكيف بالمسلم؟

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهناك حقائق يجب علينا أن نعلمها ونُعلِّمها لأبنائنا، لأننا عقلاء، وقد سخر الله لنا جميع الموجودات، وجعل من الإنسان سيداً عليها، فما من شيء في عالم السماء والأرض إلا وهو مسخر لابن آدم، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} فعالم النبات مسخَّر لابن آدم، وعالم النبات مسخر لابن آدم.

أيها الإخوة: إذا علمنا هذا فيجب علينا أن نعلم بعض الحقائق لنرى من خلالها الهوة السحيقة بين الخادم والمخدوم بين السيد والمسود، بين عالم الإنس وغيره من العوالم، من هذه الحقائق:

الحيوان يغار على عقيد التوحيد:

من هذه الحقائق التي يجب علينا أن نعلمها أن الحيوان يغار على عقيدة التوحيد ويكره الشرك وأهل الشرك، وينكر على الشرك والمشركين، مع أن هذا الحيوان لم يُزوَّد بعقل كما زُوِّد الله الإنسان به، ولم يرسَلْ إليهم رسولٌ كما أرسل للإنسان، ولم ينزل عليهم كتاب كما نُزِّل للإنسان.

هذا الحيوان بفطرته بغريزته علم أنه لا إله إلا الله، وبعض الناس الذين زوَّدهم الله بالعقل وأرسل إليهم الرسل وأنزل لهم الكتب بعد أن جعلهم على الفطرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) رواه البخاري. ولادة على الفطرة وعقل ورسول وكتاب، وبعد ذلك شركٌ وكفر، والله هذا لشيء عجيب!

أيها الإخوة: لنرجع إلى سورة النحل ولنقرأ قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع الهدهد الطائر الصغير، قال تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِين * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِين * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُون}.

مهمة السلطان تفقد الرعية:

هذا سيدنا سليمان الذي سأل اللهَ عز وجل أن يهبه ملكاً لا ينبغي أن يكون لأحد من بعده {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب}.سأل هذا لا من أجل الاستعلاء ولا من أجل زيادة الرزق لأن الرزق مقسوم، إنما سأل الله تعالى ذلك ليتشرَّف بقيام وظيفة التبليغ ـ تبليغ الرسالة ـ على أوسع نطاق، لذلك استغلَّ كل ما كان من جنده في تبليغ رسالة الله عز وجل.

وتجلَّى هذا عندما كان يقوم بتفقد رعيته، لأن كل راع مسؤول عن رعيته يوم القيامة، وأثناء التفقُّد وجد طائراً صغيراً غائباً، ما هذا التدقيق من الراعي نحو رعيته؟

وعيد وجرأة:

أصدر سيدنا سليمان عليه السلام أمره: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِين}. جاء الطير ووقف أمام سيدنا سليمان بجرأة أدبية، لأن السلطان العادل لا يُخيف بل يُهاب، وقال وبكل صراحة: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين}.

ما هذه الجرأة الأدبية، هل يستطيعها محكوم أمام حاكم؟ هل يستطيعها تلميذ أمام أستاذ؟ هل يستطيعها مريد أمام شيخ؟ أن يقول الواحد: أعلم ما لم تعلم، فَقَدْنَا الجرأة الأدبية إما بنفاق في القلوب، وإما بظلم نخافه من حاكم أو أستاذ أو شيخ، ولا نقول فقدنا هذه لهيبة الحاكم أو الأستاذ أو الشيخ، لأن الهيبة لا تمنع من قول الحق وحياة الصحابة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم شاهد، المانع من قول كلمة الحق إما نفاق في القلب، وإما لظلم من الطرف الآخر.

إنكار الطائر على أهل سبأ:

كأن سيدنا سليمان سأله عن الشيء الذي أحاط به الطائر ولم يحط به هو، وهذا درسٌ لكل حاكم ولكل مدرس وأستاذ ولكل شيخ أن يسمع من غيره، لأن الله تعالى قال للجميع:{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. فعلوم الأولين والآخرين بجانب علم الله قليلة، ولكن المغرور من اكتفى بعلمه واستغنى به.

قال الهدهد: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ}. وكأنه ينكر ولاية المرأة على الرجال، لأن الأصل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ يَلِي أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ) رواه أحمد. هذا الإنكار الأول.

الإنكار الثاني: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ}. هذا الطائر عرف بأن السجود لا يكون إلا لله تعالى، لأن الشمس مخلوقة فكيف يترك الإنسان عبادةَ الخالقِ لمخلوق؟

الإنكار الثالث: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُون}. هذا الطائر أنكر على الإنسان إصغاءه للشيطان، لأنه لا يليق بالإنسان العاقل أن يلقي السمع لوسوسة الشيطان الذي يريد غوايته، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين}. كأن الطائر يعرف هذه الحقيقة، والإنسان العاقل غافل عن هذا.

الإنكار الرابع: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُون * الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم}. هذا الطائر أنكر على القوم في عدم سجودهم لله الذي يُخرج إلى الوجود ـ وبعد العدم ـ كلَّ شيء مخبوء مغيَّب في السموات والأرض، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنون من الأقوال والأفعال.

سبحان الله العظيم من علَّم الهدهد هذه العلوم؟

وجوب تفقد سلامة الإيمان في قلوبنا:

أيها الإخوة: الهدهد عَلِم التوحيد فغار عليه، وأنكر على المشركين فعلَهم، هذه الحقيقة التي ذكرها الله لنا في القرآن العظيم تدعونا لأن نتفقَّد إيماننا في قلوبنا خشية الوقوع في الشرك الخفي لا قدَّر الله تعالى، لأن الله تعالى يقول: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون}.

فالتوحيد الحق الخالص هو أن تعلم مضمون لا إله إلا الله، يعني لا معطي ولا مانع إلا الله، لا معزَّ ولا مُذلَّ إلا الله، لا رافع ولا خافض إلا الله، ......

نعم يجب علينا أن نعلم أبناءنا وجوب الأخذ بالأسباب، ثم نفوِّض أمورنا إلى الله عز وجل ونتوكل على الله بقلوبنا، كما قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}. يعني بعد الأخذ بالأسباب والشروع بالعمل توكَّل على الله بقلبك. أما من ترك الأخذ بالأسباب زاعماً أنه متوكِّل على الله فهو متواكل.

فالمسألة دقيقة جداً، الأخذ بالأسباب حَتْمٌ لازم، والاعتماد عليها شرك خفي، وتركها ظناً أنه اعتماد على الله تواكل.

أسأل الله تعالى التوحيد الخالص لنا ولأصولنا وفروعنا وأحبابنا والمسلمين جميعاً. آمين.

**     **     **

 

 2008-12-17
 2063
الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  نحو أسرة مسلمة

28-01-2018 3547 مشاهدة
200ـ نحو أسرة مسلمة: اللَّهُمَّ فهمنيها

لِتَحْقِيقِ السَّعَادَةِ في حَيَاتِنَا الأُسَرِيَّةِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ القُرْآنِ العَظِيمِ تَعَامُلَاً صَحِيحَاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ... المزيد

 28-01-2018
 
 3547
21-01-2018 4311 مشاهدة
199ـ نحو أسرة مسلمة :مفتاح سعادتنا بأيدينا

كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا يَوْمَ الحِسَابِ، يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ تعالى، يَوْمَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً، وَكُلَّمَا تَذَكَّرْنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَنَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ، ... المزيد

 21-01-2018
 
 4311
14-01-2018 3123 مشاهدة
198ـنحو أسرة مسلمة : بعد كل امتحان ستعلن النتائج

صَلَاحُ أُسَرِنَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الغَايَةَ مِنْ وُجُودِهِ في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ الكَثِيرُ مِنَ الأَزْوَاجِ مِمَّنْ دَخَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَعْلَمُ لِمَاذَا ... المزيد

 14-01-2018
 
 3123
08-01-2018 3479 مشاهدة
197ـنحو أسرة مسلمة: وصية الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لنا

القُرْآنُ العَظِيمُ الذي أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، وَاصْطَفَانَا لِوِرَاثَتِهِ هُوَ مَصْدَرُ سَعَادَتِنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ في حَيَاتِهِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ ... المزيد

 08-01-2018
 
 3479
31-12-2017 3614 مشاهدة
196ـ نحو أسرة مسلمة :دمار الأسر بسبب الفسق والفجور

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاءِ البُيُوتِ، وَكَثْرَةِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ، المَعَاصِيَ وَالمُنْكَرَاتِ، التي تُنَكِّسُ الرُّؤُوسَ في الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، وَالتي تُسْلِمُ إلى مُقَاسَاةِ العَذَابِ الأَلِيمِ في الدُّنْيَا قَبْلَ ... المزيد

 31-12-2017
 
 3614
24-12-2017 3213 مشاهدة
195ـنحو أسرة مسلمة : أين بيوتنا من تلاوة القرآن؟

سِرُّ سَعَادَتِنَا في حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَحَوُّلِنَا مِنَ الشَّقَاءِ إلى السَّعَادَةِ القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ هِدَايَتِنَا مِنَ الضَّلَالِ إلى الهُدَى القُرْآنُ العَظِيمُ، وَسِرُّ تَمَاسُكِ أُسَرِنَا ... المزيد

 24-12-2017
 
 3213

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5547
المقالات 3024
المكتبة الصوتية 4405
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 407852311
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :