43ـ خلق الإنصاف مع الأولاد

43ـ خلق الإنصاف مع الأولاد

43ـ خلق الإنصاف مع الأولاد

مقدمة الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الإِنْصَافُ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ وَصِحَّةِ الإِسْلَامِ، الإِنْصَافُ عَامِلٌ أَسَاسِيٌّ في اسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعَاتِ وَشُيُوعِ المَحَبَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، إِنْصَافُ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنَ الأَنَانِيَّةِ، بِالإِنْصَافِ تَسُودُ المَحَبَّةُ وَيَشْعُرُ كُلُّ امْرِئٍ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَيَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ، بِالإِنْصَافِ تَعُودُ الحُقُوقُ إلى أَصْحَابِهَا وَتَعُمُّ رُوحُ العَدَالَةِ، وَيَشْعُرُ الإِنْسَانُ بِأَنَّهُ آمِنٌ في يَوْمِهِ وَغَدِهِ، بِالإِنْصَافِ تُنْتَزَعُ صِفَاتُ الحِقْدِ وَالكَرَاهِيَّةِ وَالحَسَدِ لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا صِفَاتُ الاحْتِرَامِ وَالحُبِّ وَالتَّنَافُسِ في الخَيْرَاتِ، بِالإِنْصَافِ يَشْعُرُ الفَقِيرُ وَالضَّعِيفُ وَاليَتِيمُ بِمَا يُطَمْئِنُهُ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ دُونَ خَوْفٍ مِنْ ظُلْمٍ أَو خَشْيَةٍ مِنْ جَوْرٍ، بِالإِنْصَافِ تَشْعُرُ كُلُّ طَوَائِفِ المُجْتَمَعِ بِالأَمَانِ فَتَنْدَفِعُ كُلُّ طَائِفَةٍ إلى عَمَلِهَا دُونَ خَوْفٍ أَو وَجَلٍ أَو شُعُورٍ بِالظُّلْمِ وَيُصْبِحُ المُجْتَمَعُ خَلِيَّةً مُتَآلِفَةً تَعُمُّهَا رُوحُ الإِخَاءِ وَالتَّسَامُحِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الاخْتِلَافَاتِ الدِّينِيَّةِ أَو العِرْقِيَّةِ، بِالإِنْصَافِ مَعَ المُخَالِفِينَ في الرَّأْيِ أَو المَذْهَبِ تَسْلَمُ المُجْتَمَعَاتُ مِنَ المَكَائِدِ وَالمُؤَامَرَاتِ التي لَا يَلْجَأُ إِلَيْهَا في العَادَةِ سِوَى المَقْهُورِينَ الذينَ يَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَو عَمِلُوا في النُّورِ.

الإِنْصَافُ مَعَ الأَوْلَادِ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: الإِنْصَافُ عَدْلٌ تَتَوَارَثُهُ الأُسَرُ وَالأُمَمُ المُحْتَرَمَةُ، وَالحَضَارَاتُ لَا تَبْلُغُ أَوْجَ عِزِّهَا، وَلَا تَرْقَى إلى عِزِّ مَجْدِهَا إِلَّا حِينَ يَعْلُو الإِنْصَافُ وَالعَدْلُ فِيهَا، تَبْسُطُهُ عَلَى القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، وَالقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالغَنِيِّ وَالفَقِيرِ، وَالحَاضِرِ وَالبَادِ.

وَلَقَدْ دَلَّتْ شَرِيعَةُ اللهِ تعالى أَنَّ الإِنْصَافَ وَالعَدْلَ دَعَامَةُ بَقَاءِ الأُمَمِ، وَهُوَ غَايَةُ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: بِالإِنْصَافِ وَالعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَأَمَا الظُّلْمُ فَعَرْشُ الرَّحْمَنِ يَهْتَزُّ لَهُ، الإِنْصَافُ وَالعَدْلُ مِفْتَاحُ الحَقِّ، وَمُؤَلِّفُ القُلُوبِ، وَإِذَا قَامَ في الأُسَرِ عَمَّرَهَا، وَإِذَا ارْتَفَعَ عَنْهَا دَمَّرَهَا، وَهَذَا مَا أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

روى الإمام البخاري عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامَاً كَانَ لِي.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟».

فَقَالَ: لَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَارْجِعْهُ».

وفي رِوَايَةٍ للإمام أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: إِنَّ أَبِي بَشِيرَاً وَهَبَ لِي هِبَةً، فَقَالَتْ أُمِّي: أَشْهِدْ عَلَيْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا الْغُلَامِ سَأَلَتْنِي أَنْ أَهَبَ لَهُ هِبَةً، فَوَهَبْتُهَا لَهُ، فَقَالَتْ: أَشْهِدْ عَلَيْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُكَ لِأُشْهِدَكَ.

فَقَالَ: «رُوَيْدَكَ، أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟».

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: «كُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُ كَمَا أَعْطَيْتَهُ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذَاً، إِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ، إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ».

وفي رِوَايَةٍ للإمام مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي.

فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي».

ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟».

قَالَ: بَلَى.

قَالَ: «فَلَا إِذَاً».

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: عَلَيْنَا بِالإِنْصَافِ وَالعَدْلِ بَيْنَ الأَبْنَاءِ، فَإِنَّ عَدَمَ الإِنْصَافِ وَالعَدْلِ بَيْنَهُمْ يُسَبِّبُ فَسَادَ البُيُوتِ، مَا الذي حَمَلَ هَؤُلَاءِ الإِخْوَةَ عَلَى هَمِّهِمْ بِقَتْلِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هُوَ مَا صَرَّحُوا بِهِ ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ البَنِينَ وَالبَنَاتِ في التَّعَامُلِ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعَاً﴾.

لَا يَدْرِي أَحَدُنَا هَلِ البِنْتُ أَنْفَعُ لأَنَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَمِ الوَلَدُ؟

لِنَكُنْ مِنَ المُنْصِفِينَ وَالعَادِلِينَ بَيْنَ الأَوْلَادِ، وَلْنَجْعَلْ جَمِيعَ الأَبْنَاءِ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَيَكُونُونَ حَرِيصِينَ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَلْنَذْكُرِ القَاعِدَةَ التي تَقُولُ: العُقُوقُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الحُقُوقِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ. آمين.

**    **    **

تاريخ الكلمة:

الأربعاء: 26/ محرم /1441هـ، الموافق: 25/ أيلول / 2019م

 2019-10-10
 187
الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  أخلاق و آداب

11-03-2020 197 مشاهدة
57ـ آداب المريض (2)

مِنَ الوَاجِبِ عَلَى العَبْدِ المُؤْمِنِ أَنْ يَرُدَّ المَظَالِمَ إلى أَهْلِهَا في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ، لِأَنَّ حُقُوقَ ... المزيد

 11-03-2020
 
 197
05-03-2020 116 مشاهدة
56ـ آداب المريض (1)

ا يُقَدِّرُ نِعْمَةَ اللهِ تعالى إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، فَالصِّحَّةُ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ تعالى عَلَيْنَا، لَا يُقَدِّرُهَا إِلَّا المَرْضَى، فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ قَدْ غَفَلْنَا عَنْهَا؟ وَكَمْ مِنَ النِّعَمِ قَدْ قَصَّرْنَا بِوَاجِبِ شُكْرِهَا، ... المزيد

 05-03-2020
 
 116
16-01-2020 246 مشاهدة
55ـ أبشر أيها المريض

لَقَدْ جَعَلَنَا اللهُ تعالى عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِنَا في هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَبَيَّنَ لَنَا الغَايَةَ مِنْ خَلْقِنَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وَمِنَ العِبَادَةِ الصَّبْرُ عَلَى الابْتِلَاءَاتِ ... المزيد

 16-01-2020
 
 246
08-01-2020 190 مشاهدة
54ـ آداب النظر (2)

إِسْلَامُنَا لَا يَرْضَى لَنَا أَنْ نَأْتِيَ الفَوَاحِشَ، بَلْ يَنْهَى عَنْ قُرْبَانِهَا فَضْلَاً عَنْ إِتْيَانِهَا، وَهُوَ يُحَرِّمُ الوَسَائِلَ، وَيَسُدُّ الأَبْوَابَ التي تُؤَدِّي إِلَيْهَا، لِهَذَا جَاءَتْ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ، وَنُصُوصٌ ... المزيد

 08-01-2020
 
 190
03-01-2020 174 مشاهدة
53ـ آداب النظر

إِنَّ أَحْوَجَ مَا نَحْتَاجُهُ في هَذِهِ الأَيَّامِ أَنْ نَتَعَلَّمَ آدَابَ النَّظَرِ، لِأَنَّ البَصَرَ هُوَ البَابُ الأَكْبَرُ إلى القَلْبِ، وَأَقْوَى وَأَسْرَعُ طُرُقِ الحَوَاسِّ إِلَيْهِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ، ... المزيد

 03-01-2020
 
 174
25-12-2019 201 مشاهدة
52ـ فوائد خلق الإيثار

مِنَ الأَخْلَاقِ التي رَبَّى الإِسْلَامُ أَتْبَاعَهُ عَلَيْهَا خُلُقُ حُبِّ العَطَاءِ وَحُبِّ الإِيثَارِ، وَحُبِّ الخَيْرِ للآخَرِينَ، لِأَنَّ صِفَةَ العَطَاءِ هِيَ مِنْ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَيْثُ إِنَّ عَطَاءَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، ... المزيد

 25-12-2019
 
 201

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5221
المقالات 2640
المكتبة الصوتية 4057
الكتب والمؤلفات 17
الزوار 390645382
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2020 
برمجة وتطوير :