2ـ سعة رحمة الله تعالى

2ـ سعة رحمة الله تعالى

2ـ سعة رحمة الله تعالى

مقدمة الكلمة:

أما بعد، فَيَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: قَبْلَ الشُّرُوعِ في الحَدِيثِ عَنِ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لَا بُدَّ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تعالى، التي مِنْهَا أَنْ جَعَلَ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً وَأَهْدَاهَا إلى مَخْلُوقَاتِهِ، وَأَنَّ اللهَ تعالى هُوَ المُعْطِي، وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هُوَ القَاسِمُ؛ هَذَا أولًا.

ثانيًا: ثُمَّ الحَدِيثِ عَنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ التي انْفَرَدَ بِهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ تعالى:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ تعالى وَاسِعَةٌ، شَمَلَتْ كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

نَعَمْ، لَقَدْ كَتَبَهَا اللهُ تعالى عَلَى نَفْسِهِ العَلِيَّةِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا عَلَى خَلْقِهِ، فَهُوَ تَبَارَكَ وتعالى ذُو الرَّحْمَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾. وَقَالَ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾. فَهُوَ تَبَارَكَ وتعالى مَالِكُ الرَّحْمَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَلَا يَمْلِكُ خَزَائِنَهَا إِلَّا هُوَ تَبَارَكَ وتعالى، قَالَ تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾؟ فَهُوَ مَالِكُهَا، وَيَخْتَصُّ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، قَالَ تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وَقَالَ تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُ الرَّحْمَةِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَحْجُبُهَا عَمَّنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، قَالَ تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾. وَقَالَ تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.

فَاللَهُ تَبَارَكَ وتعالى هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَلَا أَرْحَمَ مِنْهُ تَبَارَكَ وتعالى، وَكَيْفَ يُوجَدُ أَرْحَمُ مِنْهُ، وَهُوَ الذي خَلَقَ الخَلْقَ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ جُزْءًا وَاحِدًا مِنْ رَحْمَتِهِ لِيَتَرَاحَمُوا بِهَا، روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ للهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

خَاتِمَةٌ ـ نَسْأَلُ اللهَ تعالى حُسْنَ الخَاتِمَةِ ـ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَصَوَّرَ سَعَةَ رَحْمَةِ اللهِ تعالى عَلَى الإِطْلَاقِ.

وَلَكِنْ بَيَّنَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَعَةَ رَحْمَةِ اللهِ تعالى بِخَلْقِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في آخِرِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

كَمَا قَرَّبَ لَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ تَبَارَكَ وتعالى أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِهَا، روى الإمام مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ، تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟».

قُلْنَا: لَا وَاللهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «للهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

وَالمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «بِعِبَادِهِ» في هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه الإمام الحاكم قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا اللهُ يُلْقِي حَبِيبَهُ فِي النَّارِ». هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ أَخْرَجَ العَبْدَ الكَافِرَ مِنَ الرَّحْمَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَبِيبًا للهِ تعالى، بَلْ هُوَ عَدُوٌّ للهِ تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَجْعَلَنَا مَحَلًّا لِرَحْمَتِهِ تَبَارَكَ وتعالى. آمين.

**      **    **

تاريخ الكلمة:

الاثنين: 11/ صفر /1442هـ، الموافق: 28/ أيلول / 2020م

الملف المرفق
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  مع الرحمة المهداة   

04-10-2022 50 مشاهدة
23ـ قبضه قبل أمته صلى الله عليه وسلم

مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ تَبَارَكَ وتعالى بِأُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشُمُولِهَا بِرَحْمَتِهِ المُهْدَاةِ، أَنْ قَبَضَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى نَبِيَّهَا الكَرِيمَ صَلَّى اللهُ ... المزيد

 04-10-2022
 
 50
13-09-2022 80 مشاهدة
22ـ من رحمته أنه كان نذيرًا

إِنَّ الذي يُنْذِرُ قَوْمَهُ ـ خَاصَّةً مِنْ أَمْرٍ خَطِيرٍ ـ إِنَّمَا يَبْعَثُهُ عَلَى إِنْذَارِهِمُ الحِرْصُ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَا يُصَابُوا بِأَذًى، وَلَو كَانَ غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا يَحْدُثُ لَهُمْ لَما أَنْذَرَهُمْ. ... المزيد

 13-09-2022
 
 80
23-08-2022 117 مشاهدة
21ـ دعواته المستمرة لأمته في دنياه وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم

مِن مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ دَعَوَاتُهُ المُسْتَمِرَّةُ لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ في دُنْيَاهُ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ... المزيد

 23-08-2022
 
 117
15-08-2022 111 مشاهدة
20ـ كان أمانًا لأمته صلى الله عليه وسلم

الرَّحْمَةُ فَضِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَخُلُقٌ مِنَ الأَخْلَاقِ الفَاضِلَةِ، وَصِفَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ الكَامِلَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ تعالى، كَمَا قَالَ تعالى لِنَبِيِّهِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ... المزيد

 15-08-2022
 
 111
16-06-2022 109 مشاهدة
19ـ حرصه صلى الله عليه وسلم على الأمة

لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ خَيْرِ الخَلْقِ عَلَى الإِطْلَاقِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، النِّعْمَةِ المُسْدَاةِ، وَالرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ، خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ ... المزيد

 16-06-2022
 
 109
17-01-2022 123 مشاهدة
17ـ خفض جناحه صلى الله عليه وسلم للمؤمنين

مِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: خَفْضُ جَنَاحِهِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعٌ ... المزيد

 17-01-2022
 
 123

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5542
المقالات 3011
المكتبة الصوتية 4366
الكتب والمؤلفات 19
الزوار 406992071
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2022 
برمجة وتطوير :