18ــ العهد الخامس: الرحلة في طلب العلم(2)

18ــ العهد الخامس: الرحلة في طلب العلم(2)

 

مقدمة الدرس:

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول الإمام سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في العهد الخامس:

(فمن صلى ونكح وباع وصام وحجَّ على حسب ما يرى الناس يفعلون فقط، فعبادته فاسدة، وتأمل من كان عنده شكٌّ لما يسأله منكر ونكير عن دينه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، كيف يضربانه بمزربة لو ضُرب بها جبل لهدم كما ورد، تعرف أن الشارع فرض عليك معرفة مراتب العبادات، وأنه لا يكفيك أن تتبع الناس على فعلهم من غير معرفة) اهـ.

أقول أيها الإخوة الكرام:

ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وربُّنا عز وجل أوجب علينا عبادات كثيرة، وهذه العبادات يجب علينا أن نؤديها كما شرع الله تعالى، وهذا لا يكون إلا بالتعلُّم، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

فضل العلم:

أيها الإخوة الكرام: من هذا المنطلق رغَّبنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في طلب العلم، من خلال إظهار فضل العلم بالأحاديث الشريفة. من هذه الأحاديث الشريفة:

أولاً: عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ...) رواه البخاري ومسلم.

ثانياً: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إذا أراد الله بعبد خيراً فقَّهه في الدين وألهمه رشده) رواه البزار.

ثالثاً: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ، وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ) رواه الطبراني.

رابعاً: عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع) رواه الحاكم والطبراني.

خامساً: عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بُرْدٍ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: (مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ، طَالِبُ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ) رواه الطبراني.

الرحلة في طلب العلم:

أيها الإخوة الكرام: إن سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى رغَّبنا في الرحلة في طلب العلم إذا لم نجد عالماً في بلدنا، وذلك من أجل أن نكون على بصيرة من أمرنا، بحيث لو سألنا ملكا القبر، كان جوابنا لهما عن علم، لا أن يكون عملنا تقليداً بدون علم.

ومن هذا المنطلق إننا نجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يرغِّبنا في الرحلة في طلب العلم من خلال الأحاديث الشريفة. من جملة هذه الأحاديث:

أولاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) رواه البخاري ومسلم.

ثانياً: عن زر بن حبيش قال: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أُنْبِطُ الْعِلْمَ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ) رواه ابن ماجه.

ثالثاً: عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: (يَا قَبِيصَةُ مَا جَاءَ بِكَ)؟ قُلْتُ: كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، فَأَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مَا يَنْفَعُنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ. قَالَ: (يَا قَبِيصَةُ، مَا مَرَرْتَ بِحَجَرٍ وَلا شَجَرٍ وَلا مَدَرٍ إِلا اسْتَغْفَرَ لَكَ؛ يَا قَبِيصَةُ إِذَا صَلَّيْتَ الْفَجْرَ فَقُلْ ثَلاثًا: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، تُعَافَى مِنْ الْعَمَى وَالْجُذَامِ وَالْفَالِجِ؛ يَا قَبِيصَةُ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِمَّا عِنْدَكَ، وَأَفِضْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَانْشُرْ عَلَيَّ رَحْمَتَكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَاتِكَ) رواه الإمام أحمد.

رابعاً: عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ) رواه الطبراني.

خامساً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِ إِلا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ) رواه الإمام أحمد وابن ماجه.

أقوال العلماء في الرحلة في طلب العلم:

أيها الإخوة الأحبة: إن طلب الغالي يحتاج إلى جهد وتعب، وعندما كان العلم أشرف الأشياء، بدليل قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، فكان تحصيله يحتاج إلى تعب وسهر وسفر وهجر للذات، لأنه سر سعادة العبد في الدنيا والآخرة، ولهذا كان سلفنا الصالح يحضون الأمة على طلب العلم والرحلة من أجله، والتعب في تحصيله، لأنه قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.

أولاً: يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: تعلَّموا العلم، وعلِّموه الناس، وتعلَّموا له الوقار والسَّكينة، وتواضعوا لمن تعلَّمتم منه، ولمن علَّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم.

ثانياً: يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه.

ثالثاً: يقول الحسن البصري رضي الله عنه: العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلباً لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا تضروا بالعلم، فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلَّهم على ما فعلوا.

رابعاً: يقول محمد بن الفضل السمرقندي الواعظ رحمه الله تعالى: كم من جاهل أدركه العلم فأنقذه، وكم من ناسك عمل عمل الجاهلية فأوبقه، احضر العلم وإن لم تحضرك النية، فإنما تطلب بالعلم النية، وإن أول ما يظهر من العبد لسانه، وأول ما يظهر من عقله حلمه.

خامساً: يقول أبو بكر الأجُري رحمه الله تعالى: العلماء في كل حال لهم فضل عظيم:

1ـ في خروجهم لطلب العلم لهم فيه فضل.

2ـ في مجالستهم لهم فيه فضل.

3ـ وفي مذاكرة بعضهم لبعض لهم فيه فضل.

4ـ وفيم تعلَّموا العلم لهم فيه فضل.

5ـ وفيمن علَّموه العلم لهم فيه فضل.

فقد جمع الله للعلماء الخير من جهات كثيرة، نفعنا الله وإياهم بالعلم.

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:

أيها الإخوة الكرام: بالعلم يكون الصغير كبيراً، وبالجهل يكون الكبير صغيراً، فكبير القوم العالم، والجاهل صغير ولو التفت إليه الخلق جميعاً، لأن التفاتهم إليه لغرض دنيوي.

فالعلم هو أساس صحة الاعتقادات والعبادات، ويورث صاحبه أعلى المراتب بعد الأنبياء إن كان من أهل الإخلاص، وبالعلم يصل الإنسان رحمه، ويعرف الحق الذي عليه لله تعالى ولخلقه، وبالعلم يزهد الإنسان في الدنيا الفانية، ويرغب في الآخرة الباقية.

ورحم الله ذا النون المصري الذي قال: كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضاً للدنيا وتركاً لها، فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حباً وطلباً، وكان الرجل ينفق ماله على العلم، واليوم يكتسب الرجل بعلمه مالاً، وكان يرى على طالب العلم زيادة صلاح في باطنه وظاهره، فاليوم يُرى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر. اهـ.

وما ذاك إلا لأن الكثير فقد الإخلاص في طلب العلم، الذي هو من أقدس العبادات، وربُّنا عز وجل يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

نسأل الله تعالى العلم النافع علماً وتعلُّماً وتعليماً مع الإخلاص. اللهم اجعلنا من عبادك المخلِصين المخلَصين. آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

**     **     **

الشيخ أحمد شريف النعسان
 
 
 

مواضيع اخرى ضمن  مقتطفات من كتاب العهود المحمدية للشعراني

05-12-2011 61847 مشاهدة
23ــ العهد الثامن: إكرام العلماء

يقول الإمام سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في العهد الثامن: (أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نكرم العلماء، ونجلَّهم ونوقرَهم، ولا نرى لنا قدرة على مكافأتهم، ولو أعطيناهم جميع ما نملك، أو خدمناهم ... المزيد

 05-12-2011
 
 61847
12-10-2011 57018 مشاهدة
22ــ العهد السابع: مجالسة العلماء

أخذ علينا العهد العام من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن لا نخليَ نفوسَنا من مجالسة العلماء ولو كنا علماء، فربَّما أعطاهم الله تعالى من العلم ما لم يعطنا. ... المزيد

 12-10-2011
 
 57018
05-10-2011 55118 مشاهدة
21ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(3)

ومنها ـ أي من فوائد تبليغ حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ وهو أعظمها فائدة: الفوزُ بدعائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لمن بلَّغ كلامه إلى أُمَّته ... المزيد

 05-10-2011
 
 55118
28-09-2011 54861 مشاهدة
20ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(2)

نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ... المزيد

 28-09-2011
 
 54861
21-09-2011 55094 مشاهدة
19ــ العهد السادس: فوائد تبليغ الحديث الشريف(1)

أُخِذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أن نُسمع الناسَ الحديثَ إلَّا كلِّ قليل ... المزيد

 21-09-2011
 
 55094
29-07-2011 53973 مشاهدة
17ــ العهد الخامس: الرحلة في طلب العلم(1)

أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم نجد أحداً نتعلَّم منه العلم الشرعي في بلدنا أن نسافر إلى بلد فيها العلم ... المزيد

 29-07-2011
 
 53973

البحث في الفتاوى

الفتاوى 5057
المقالات 2340
المكتبة الصوتية 4009
الكتب والمؤلفات 15
الزوار 386368111
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ أحمد النعسان © 2019 
برمجة وتطوير :